[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عصيٌ على التأويل عصيٌ على التأويل
التاريخ:  القراءات:(560) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
عصيٌ على التأويل

ـ قصة قصيرة ـ

تنسلخ من جنون الحلم بشبه قفزة على الأرض، تتقاطع ذراعاها فوق صدرها المنتفض بقوة تدفعها ثلاث خطواتٍ متوجسة إلى الوراء، تسند ظهرها، متشنج الفقرات، خزانة الملابس المهتزة مع أضلعها، تقيها السقوط وتدب فيها مزيداً من الذعر، تظنه يحوط كتفيها بذراعيه قبل أن يدفع بهما للتسلل إلى وجهها فعنقها ثم قدها، يقودها فوق معبرٍ من قبلات صباحية تستقي من فيض ليلةٍ، طال أمدها، نحو الفراش من جديد، ترمق خواءه بعينين متشككتين لم ينزع جفنيهما النعاس بعد، ولم تشعرا بالدمع المتقاطر على جانبي خديها المحمرين خجلاً وغضباً و... قرفاً من ضغثٍ لم ترَ ما يشبهه طيلة سنين عمرها المشارف على منتصف عقده الرابع...

تتملص من القبضتين الخفيتين وحمى أنفاسه الصادرة عن لهاثها المتسارع، تزفر اختناقها عند النافذة التي أزاحت عنها الستارة وشرعتها بحنقٍ على آخرها... تغلقها بسرعة فتحها وتعود أدراجها لتخفي نفسها عن العيون المحدقة من كل نوافذ الأبنية المحيطة، ترجم عريّها التام رغم ما ترتديه، هو ذاته ثوب النوم الذي ارتدته قبل أن تأوي إلى الفراش إلى جانب زوجها... لم يحاول نزعه عنها بشهوانية المقتنص فريسته بعد عمرٍ من المطاردة، إلا أنه ظل يصر على التحام لا يحسب للزمان أو المكان حساباً، ولا يخشى أن يباغتهما أي أحد، يكفى أنها أمست من حقه، من حقه وحده، رغماً عن الجميع، رغماً عن دنياهما، بل حتى عنها...

فجأة وجدت راحتيها المنهالتين عليه كالمطارق تحتضنان رأسه المرتعش بتوقه في تشنج يعتصر الوجع الغائر فيه منذ زمن يتجاوز سنوات اغترابها في هذه المدينة البعيدة بعد زواجها مباشرةً... تحولت مقاومتها الشرسة إلى حنو، شفقة، هدهدة رضيع، ملاعبة طفلٍ شقي، فرحة بحماقة متوارية عن الأنظار، لذة أنثوية استفاقت على وجيب حرمانه في سبات نومها، وحزن... حزن ثقيل تشاركا ذرف مدامعه المنسابة في وادي نهديها حيث غفا وعلى وجهه ابتسامة ارتياحٍ وامتنان عميقين وقد عاد إلى ألق الشباب وعادت هي إلى سن ابنتها الطالبة الجامعية...

تغادر الغرفة المخيفة مكتومة الأنفاس برأسٍ ثقيل مصدّع وجسدٍ متوجع العظام، تسقط على أول كرسي يعثر عليه شرودها في الصالة، لم تدخل الحمام وتغتسل ثم تغير ثيابها كما اعتادت أن تفعل يومياً حال استيقاظها النشط، وإن لم تغادر الشقة، تحمد الله أنها وحدها في البيت، تتساءل إن كان شيء من حلمها المثير للغثيان قد تسلل إلى انتباه زوجها قبل مغادرته المبكرة إلى عمله...

تشيح عينيها عن تحديقه المستمر بها من كل جهة تحاصر جلستها الخاملة، نظرات مخذولة محتقنة بسم الحقد الغائر في بؤبؤيهما، وجهه عابس مجهد، لم يحلق لحيته البيضاء منذ أيام، شاربه الكث غير مشذب، أشعث الشعر الرمادي، غير مهتم بهندامه ولا بسلوكه... هكذا كان لدى زيارتها عمتها في آخر عودة لها إلى بلدها قبل عدة أشهر، تستعجلها هيئته التي أبدته لها أكبر من عمره بعقدين على مغادرة البيت الخاوي من الحياة شبه مهرولة، تخشى خروجه وراءها ليوقفها في عرض الطريق، تنتابه عصبية قد تبلغ حد الصياح، يفجر فيها غضبه المكبوت، يثقلها بوزر خيباته المتتابعة، بدءاً من إشاحة قلبها عن سبل عشقٍ لم يلج خلدها يوماً... خسارته كل ميراثه في مشاريع فاشلة وتبذير مراهقٍ طائش لا يدرك معنى لشيء... زواجه ثم طلاقه بسبب عصبيته وشراسة طباعه اللتين لم تعهدهما في شخصيته من قبل، عدم اكتراثه لأحواال أولاده البعيدين عنه وعدم استطاعته الإنفاق عليهم، نفيه من حياتهم بالتدريج... سفره بعد أن حصل له زوج أخته على عقد عمل واتخاذه قراراً مفاجئاً بالعودة بعد ثلاثة أشهر فقط لأنه وجد أن المطار أقرب إليه من مكان عمله، بتلك السخرية لا غير كان يرد على سائليه المتحيرين دوماً في أمره... حالات الاكتئاب الشديدة التي كانت تحتجزه في البيت أسابيعاً أو أشهراً دون فعل شيء سوى النوم والاستغراق في صمتٍ يبحث عما لم يستطع أحد معرفته، تفك أسره منها سهرات لا يملها إلا لتستولي عليه فترات الاعتكاف في غرفته الموحشة من جديد... وآخر ما تسقط لها من أخباره، فتحه محل بقالة صغير وقريب من دارهم، يتشهى العراك مع كل زبائنه، يساعده شاب في عمر ولده الأكبر لأن صحته لا تعينه على تحمل مسؤوليته إثر إسرافه في شرب الخمر رغم تحذيرات الطبيب المستمرة له...

أجفلها رنين الهاتف من غفوتها، أتاها صوت والدتها الباكي من بعيد، وكأنه آتٍ من خفايا حلمها، تلتئم حروف كلماتها بصعوبة، تخبرها بوفاة ابن عمتها بنوبةٍ قلبية طرحته أرضاً أول دخوله داره بينما كانت والدته تتوضأ استعداداً لصلاة الفجر...


تم نشرها في صحيفة الزمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007