[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
SOS* 
التاريخ:  القراءات:(4022) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  
* * *

شعر الرجل بارتجاف جسده الهزيل، كان المساء مخيما بهدوء؛ لا نسمة تحرك الأشجار. وقف بسيارته الصغيرة بجانب الحديقة المقابلة للمستشفى، تمايلت أغضان الشجيرات، وهز هواء قليل ـ مرّ تلك اللحظة ـ طوابير الزهور المغروسة المنتظمة، طرب قلبه .لاحظ بريق إضاءة لوحة الطوارئ فتوجه نحوها. استقبله الهواء البارد عندما انفتح الباب آليا. قرأ في الورقة البيضاء الملصقة على الزجاج كلمة (الاستقبال) عندما اقترب من الصندوق الزجاجي، الذي يجلس خلفه رجل جهم أمام جهاز كمبيوتر، شاهد على اليمين فتحة صغيرة وسط الزجاج ألصقت فوقها ورقة بيضاء كتب فيها كلمة (رجال)، وهو يخرج بطاقة هويته لاحظ في أقصى اليسار امرأة مغطاة بالسواد تقف أمام فتحة أخرى صغيرة وسط الزجاج ألصق فوقها ورقة بيضاء تحمل كلمة (نساء). أدخل يده ببطاقته فأخذها الرجل دون عناية وطفق يدون المعلومات. ثم سأله عن رقم هاتفه الخاص. نطق الأرقام رقماً رقماً. أشار إليه الرجل الجالس خلف الزجاج أن يجلس. دار و رأى ثلاثة كراس زرقاء جلس عليها رجلان. توجه إلى المقعد الأوسط وسلم وجلس . سمع همساً برد السلام من أحدهما. لا يدري أيهما الذي فعل ذلك . ثم أخذ ينظر في سيل الداخلين من الباب الرئيس بدون انقطاع؛ دخل هرم على كرسي رأسه تتدلى على صدره، يدف كرسيه رجل هندي، ربما هو سائقه، تساءل كيف كان وهو في عز فتوته، بم كان يحلم ؟ هل له أولاد ؟ أين هم الآن ؟ تمنى لو رأى عينيه، لكنه غاب وطرف قدمه الملتوي يسحب على البلاط محدثا صوتاً. من الباب الرئيس دخلت فاتنة ممشوقة، ما الذي جاء بها هنا؟ حاول رؤية عينيها ، لكنها مضت من باب بدرفتين متحركتين، ماذا لو نطقت هل سيكون لصوتها رنين موسيقى ! ماذا لو تبسمت فهل سيبتهج قلبه كما فعل عندما رأى ورد الحديقة، ما يتذكره أن وجهها مثل تفاحة. لاحظ أن كثيراً من الشباب يرتدون أقمصة بشعارات دول وشركات ولاعبين ويلبسون نعالاً مسطحة، وفوق رؤوسهم قصات هدهد . و أغلبهم يعرجون، وقد ربطت سيقانهم أو أقدامهم بلفائف بيضاء. قال هي الكرة. الرجل الجالس على الكرسي الأيمن بجانبه يمسك مسبحة بنية ذات خرز صغير ويكر الخرزات بأصابعه ويردد سبحان الله ، والحمد لله ، بصوت مسموع، حاول أن ينظر إلى وجهه، كان الرجل ساهياً في مسعاه، بعيداً لوحده ، يجمع حسناته، ولعله ينظر إلى قصره في الجنة. أما الجالس الآخر عن يساره فكانت رقبته تتدلى إلى حضنه، ثم يفزع مستيقظاً، فاركاً فمه وأنفه، ثم يعود بعد قليل إلى النوم في حركة مستمرة. أحياناً كان يرفع قدميه ويتربع على الكرسي، دافعاً التعب والملل والنوم. على الجانب الأيمن، بعد المدخل مباشرة، بعد تجاوز مكتب الشرطة، يوجد باب كبير بدرفتين متحركتين، أسفلهما مكسو بألمنيوم لامع، و بقية الباب مطلية بلون رمادي، وبجانب الباب من اليمين ورقة بيضاء ملصقة كتب عليها باللون الأحمر(طوارئ النساء)و يقابلها على الجانب الأيسر ورقة كتب عليها بلون أسود(ممنوع دخول الرجال قطعياً في قسم طوارئ النساء).تساءل من أول من فكر بكلمة (ممنوع)، كيف خرجت من عقله. من أول من كتبها. ومن أول من طبقها . أين و متى . ثم كيف اتسعت وشاعت وانتقلت من مكان إلى آخر. ثم توالدت لتشمل أشياء كثيرة : ممنوع الدخول . الكلام. الكتابة. التعبير. التصوير. الغناء. الموسيقى. التجمع. أل أل أل أل .....كانت النساء يتوافدن داخلات من الباب ذي الدرفتين، وكانت ممرضات وطبيبات ومراسلات وعاملات نظافة يخرجن ويدخلن منه. وحده طبيب يعلق حول رقبته سماعته توقف عند الباب وقرع جرسا على الجدار فأطل رأس حارسة تغطي رأسها برداء بني تتضح منه عيناها . قال لها كلاما، فأفسحت له ودخل. تساءل ما الذي يجري خلف هذا الجدار ؟ مشى يعرج متحاملا على الحائط. اقترب من شاب يلبس زي رجل أمن و سأله :

ـ لي ساعات ولم ينادي أحد على اسمي . أنا مريض .

مد الشاب يده على طولها مشيراً إلى نهاية الممر الطويل وقال:

ـ هناك !

مشى في الممر. حيث يمشي فيه أناس كثيرون أيضاً. قال: إنه مزدحم. ثم أخذ يلتصق بجانب الحائط حتى لا يقع، أحس بألم في عينه اليمنى، و بصداع في جانب رأسه الأيمن . مشى.. ومشى. ولاحظ أن اللوحات المكتوبة والملصقة على الجدران غير مفهومة. توقف أمام لوحة خشبية سمرت على الجدار وكتبت كلماتها بخطوط أنيقة وملونة. حاول أن يقرأ ما كتب، ولكنه عجز ..خيل إليه أنه يشاهد النقط تتساقط من فوق الحروف، و تجذب معها حروف الألف و تنحدر سائلة فوق الجدار حتى تتجمع في الأرض. أصابه الفزع و طفق يسترجع بسرعة فترة تخرجه من الجامعة. كيف لا يستطيع القراءة الآن ؟ وما الذي يحدث في هذه اللوحة؟ ماذا كتب بها ؟ هل يخصه ؟ التفت إلى اللوحات الأخرى كانت بيضاء خالية ولم يبق فيها غير أطرها المنمقة. شك في دخوله الجامعة. وتذكر أنه أنهى المرحلة الثانوية، قال : أنا متأكد من ذلك .مشى وقد بدأ ينزف عرقاً، وهو يتساءل هل أنهى الثانوية فعلا، لم يتذكر، أنه دخل المدرسة أبدا. تساءل: من أنا؟ و لم جئت؟ نسي أمر اللوحات وهو يندفع إلى باب الدرفتين المتحركتين ممتلئاً بعطش شديد. دفَّ درفتي الباب فانفتحت صحراء واسعة تتقاطع فيها خطوات عرجاء لجموع غفيرة عطشى ، تركض بشفاه مشققة.

* * *

*رمز نداء استغاثة عالمي يعني(أنقذوا أرواحنا)


‏4‏/20‏/2014 الدمام.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007