[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قصة الأستاذ السوري
التاريخ:  القراءات:(642) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وليد ظاهري  

                          الأستاذ السّوري

 

كان من السنوات الثالثة بعد الألفين ، و من الأشهر أوسطهم في الربيع ، و من الأيام الثامن ، دعيت إلى ملتقى علمي حول عصرنه اللغة العربية ، و مواكبتها للتطور التكنولوجي في القرن العشرين من طرف جامعة دمشق للعلوم الإنسانية....فقد كنت أستاذا للّغة العربية و آدابها بجامعة الجزائر ، و في ذلك الوقت كنت قد انتهيت من تأليف كتاب صغير حول هذا الموضوع ، و كنت أبحث عن فقيه لغوي كبير أستشيره في بعض الدّقائق اللغوية.

ذهبت إلى الملتقى ، و قد كان عظيما بقدر عظمة من فيه من أساتذة ، و فقهاء لغة ، و فلاسفة من جميع الجامعات العربية ، و كان هذا الملتقى تحت إشراف الأستاذ مصطفى الكيلاني عالم لغة سوري كبير قد ملأت كتبه المكتبات ، و الجامعات العربية ، وكانت أول مرة أراه فيها ، فقد تعلمت من كتبه ما لم أتعلمه في الجامعة.

انتهى الملتقى في اليوم الثاني ، و كان بجانبي أستاذ سوداني فقلت له :

_أنا أستاذ جزائري لي كتاب أردت أن أستشير فيه  بعض المتخصصين علِّى أجد النصيحة قبل نشرة .

_فقال لي : يا أستاذ ، أمامك فرصة لا تتكرر اذهب إلى الأستاذ مصطفى الكيلاني قبل مغادرته للقاعة.

فقلت له : إنّه لا يعرفني أردت فقط وسيطا يقربني منه.

فقال الأستاذ السوداني مبتسما : العلم ليس فيه وساطة يا أستاذ ، و فقيه لغوي مثل الأستاذ مصطفى هو مِلْكٌ لنا جميعا ، و كما يقولون دائما : إذا أردت أن تسعد العالم فأساله.

شجعني هذا الأستاذ كثيرا ، فقمت من مكاني قاصدا الأستاذ مصطفى...سلمت عليه ، و قلت :

_كيف حالكم يا أستاذنا ، و عالمنا الجليل...؟

فقال : لك الترحيب فأنت الضيف يا......

فقلت : عمر ، أستاذ من الجامعة الجزائرية.

ابتسم الأستاذ مصطفى ، و قام من مكانه ، و قال :

_أعشقكم أنتم الجزائريون كثيرا ، بقدر ما أنتم قريبون من الغرب ، فانتم دائما تحنون إلى الشرق .

فقلت : يا أستاذ ، لي كتاب صغير أردت أن أستشيركم فيه.

فقال : شرف لنا يا ولدي ،و أخذني معه إلى مكتبه في تلك الجامعة ، و أجلسني على كرسيه ، و ناولني كوبا من العصير ، و كتابا صغيرا بعنوان : اللغة العربية ، و تحديات العصرنة ، و قال لي:

سَلِّ به نفسك حتى ألقي نظرة على كتابك ، و جلس بجانبي...و لم تمض إلا خمس و عشرون دقيقة إلا ، و قد أنهى الأستاذ قراءته لكتابي ...ثم قال لي :

_ اترك لي الكتاب سأعيد قراءته ، و أعدك أني سأقدمه لك و انشره هنا في دمشق .

فقلت ، و ملامح الفرحة قد سبقت كلامي: شكرا جزيلا يا أستاذ مصطفى على فضلك و كرمك.

صدر بعد ذلك الكتاب بشهرين ، و بتقديم الأستاذ مصطفى الكيلاني ، و كان له صدى كبيرا  ، و كرمتني الدولة الجزائرية على مجهوداتي في  تطوير اللغة العربية ، و عينت بعدها كرئيس لمركز دراسات اللغة في الجزائر.

بقيت على اتصال بالأستاذ مصطفى ، أكلمه بالهاتف بين الفترة ، و الأخرى  ، و كلما جاءتني فرصة ذهبت له في بيته في سوريا.

و دارت عجلة الأيام و السنوات على هذا الحال حتى ربيع 2010 انقطع اتصالي بالأستاذ مصطفى ، و لم أجد له مكانا أو سبيلا بسبب الأوضاع السياسية التي تعيشها الدولة السورية.

في صيف سنة2013 ذهبت مع وفد جزائري للإشراف على مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن و كنت أنا و الأستاذ عبد الحميد من مصر مسؤولان على المخيم رقم05 ، و كان يحوي أكثر من 500 أسرة سورية اضطرتها ظروف الحياة و الحرب إلى اللجوء.

و بعد أيام كنت جالسا في مكتبي انظر من النافذة على تلك الأسر السورية ، و استنشق عذابهم ، و هم يمرّون الواحد تلو الأخر ليأخذوا ما يكفيهم لقوت يومهم ، فلم يكن إلا وجبة غذائية بسيطة لا يأكلها إلا من أتعبه الجوع  ، و ألغى خياره في الطعام...ثم رأيت رجلا داخلا من باب المخيم  يبدو أنّه لاجئ  جديد لا يخطو خطوة إلا ، و يميل في الثانية ، ثم يعود فيعدل مشيته و كأنه يَجُرُّ قطارا من ورائه.

و هو يدنو منا ، و يدنو ...و ذاكرتي تصيح ، و تقول لي أنني أعرفه ليس  بغريب عني حتى اقترب من مكان أخذ الطعام ، و يبدو أن الطعام قد نفذ ، فرجع مهزوما علّه يجده في المخيم الأخر.....فصحت إنّه الأستاذ مصطفى الكيلاني ، و نزلت مسرعا من مكتبي أجري ، و أناديه ، و ما إن وصلت إلى باب المخيم ، و سألت عنه الحارس ...

_أين ذلك الرجل....؟

_فقال : إنّه هناك ، و أشار بيده.

و ما إن أدرت رأسي حتى رأيت الأستاذ مصطفى يقطع الطريق بخطى متكسرة ، و كانت سيارة تابعة للمخيم مارّة على الطريق لم يرها ، فناديت بأعلى صوتي و الكل نادى ....

_احذر .....احذر.......؟

لم يسمع الأستاذ مصطفى النداء...صدمته السيارة فاردته على الأرض ...أسرعت إليه ، و أمسكت بيده فنظر إليَّ يبدو أنّه عرفني ، و كان في عينيه كلام  كثير فقلت :

_أستاذ مصطفى...أستاذ مصطفى...

رفع رأسه تجاهي لو تجسد الحزن ما كان أحزن منه ، و لو تكلّم اليأس ما كان أبلغ منه  فقال :

أستاذ.... !...أستاذ...!..أي أستاذ... !...لم يبق فيها أستاذ يا أخي عمر ...لقد انتهى كل شيء ، و كان يحمل في يده ملفا صغيرا وضعت يد عليه ، فسحبه إلى صدره ، و قال :

إنهم أبنائي ...إنها عائلتي...اشتقت لهم..مروة ، عمار ،عايدة...و لفظ أنفاسه رحمه الله.

فتحت ذلك الملف ، و كان يحوي صورة لأبنائه الثلاثة أكيد قد مرت الحرب  فوقهم و داستهم بأقدامها ...كانت صورة قد انمحت بقعا فيها يبدو أنها أثار دموع الأستاذ مصطفى الكيلاني رحمه الله ، و ورقة فيها خاطرة شعرية للأستاذ يقول فيها :

 

لَكْ يِلْعَنْ أبو بشار ، على أبو الثوار

الذين عاثوا في سوريا فسادا ، و دمار

أخرجونا أذلاء من البيوت ، و الديار

بعدما كنا في سماء العروبة نجوما ، و أقمار

عدنا نجري ، و نهوم بين البلدان ، و الأقطار

لَكْ يِلْعَنْ أبو بشار ، على أبو الثوار

أباد قرانا بالغاز فخنق من كان فيها من كبار و صغار

وعدنا بعد أبيه أن نكون شرفاء و أحرار

إذا به يقلب طاولة التغيير يمسك بيده المسمار

يدقه في نعش شعبه ، و يقول هو ضمان للاستقرار

فما أقبح هذا التغيير ، و ما أقبح هذا الاستقرار

لَكْ يِلْعَنْ أبو بشار ، على أبو الثوار

وعدونا أن نتخلص من المذلة ، و نطرد الاستعمار

فإذا بهم حلفاء الغرب ، حلفاء الاستعمار

هجموا علينا مثل جنود المغول و التتار

لا إسلامنا يهمهم ، و لا كرد ،و لا شيعة ،و لا كفار

كل ما يفعلونه صحيح ،و نحن أنجاس ،و إن سجدنا للواحد القهار.

يذبحون الناس ،و رسولهم قبل تلك القرون ينهى عن قطع الأشجار.

لَكْ يِلْعَنْ أبو بشار ، على أبو الثوار

ألا أيها الفكر العربي تحرر ،و إلا مصيرك الاندثار

و يمحى تاريخه ،و تغيب شمسه قبل الغروب في عز النهار

ليس الدّين بالجبر ، فالدين في عمقه اعتقاد ،و اختيار

هكذا تعلمنا من قرآننا ،و هم يقولون إنا عندنا أخبار

أ أخبار تبيح قتل الأبرياء ،ويلكم يا أشرار

لو فعل محمد ما فعلتم ما جاوز دينه البيوت ،و الأمصار

لَكْ يِلْعَنْ أبو بشار ، على أبو الثوار

يا بشار، إن كان الأسد في غابته سيدا فقد غدوت في قلوبنا كإعصار

إعصار مهما طال سيمرُّ ،و تبقى لنا دمشق الديار

أنت الذي فرضك أبوك علينا سيدا ،فآثرت أن تكون مجرد منشار

منشار بيد صهاينة العصر ، و حلفائهم الأشرار

فبحق دم ابنتي مروة ،و عايدة ،و دم ابني عمار

الذين دستهم بدباباتك كانوا ملائكة، كانوا أطفالا صغار

أقسمت بدموعهم أن لا اعترف بك سيدا و لن اعترف بالثوار

و سأظل مواطنا عربيا يقاوم الاستعباد و يرفض الإرهاب و الدمار

فبربك انزل من كرسيك الأسود و لن أسامحك بل سأبحث عن خيار

خيار بلدة تنمو فيها أظافر طفلة و الشعب فيها هو سيد القرار.

لَكْ يِلْعَنْ أبو بشار ، على أبو الثوار

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007