[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الهُلام 
التاريخ:  القراءات:(2075) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  
الهلام

دبّ الرجل الهلامي في الأرض، حاملا سؤالاً أمضّه:

ـ لِمَ يصرخ المولود فور خروجه للحياة ؟!

بعد أن ساح هذا الهلامي في الأرض أزمنة طويلة، جلس على صخرة ملساء، وبيده كرة زرقاء، تحت شمس حارقة، نظر في الكرة، فرأى أشباح جبال ذات كهوف موغلة في القدم، رأى أشباحاً هلامية لكائنات، و كانت في الصحراء الممتدة قرب الجبال خيم عتيقة، تطل منها أعناق كائنات أخرى هلامية. خرج الهلاميون تحت ضوء الشمس الحارقة. السماء رصاصية قريبة، دون غيوم. أخذوا يتجمعون صفوفاً صفوفا. الرجل الهلامي تتسع عيناه، إذ تتشكل الكائنات الهلامية على هيئة بشر، و تزداد جموعها، و ترتفع قعقعة أصواتها بالزعيق.

تقدمت الجموع، وبدأت الحفر في الصحراء؛ فِرقٌ وفِرقٌ تتوزع وتحفر.

ـ إنها آبار ، يقول لنفسه.

ثمة حماس كبير، وحركة نشطة. البعض أخذ يسقط الدلاء في الحفر. ويستخرجها مملوءة.

قال:

ـ لعلهم عطشى.

لكن رائحة نفاذة اكتسحته، ودخلت رائحة بنزين إلى عمق رئتيه !

ـ ماذا يفعلون بالبنزين في هذا القيظ !

هذا ما دار في رأسه.

رأى حاملي الدلاء المملوءة بالبنزين، يتجهون إلى طوابير الفرق التي تخطط خطوطا طويلة في الأرض، ويتبعهم كائنات هلامية أخرى تشبهم، على هيئة أناس، يحملون أكياسا من جلد، و يسقطون في حفر صغيرة بذورا صلبة. ثم يدفنونها بأقدامهم.

حاملو دلاء البنزين يسقون البذور الآن.

اتسعت عيناه أكثر، وهرش رأسه محتاراً.

و ماهي إلا لحيظات حتى أطلت رؤوس أوراق صغيرة من الحفر المروية بالبنزين. ثم بدأت سيقان غضة ترتفع متجهة إلى السماء، و أخذت الوريقات تتكاثر، وتكبر، و السيقان تتفرع منها غصون وغصون.

كان العجب قد تملك الرجل الهلامي تماما، ولم ينتبه أنه جالس فوق صخرة ملساء لم يتحرك. كما لم يلاحظ متى جاء هؤلاء الهلاميون الضخام، الذين يجلسون على كراس فخمة ، متحلقين حول طاولة صخرية ملساء، وبيدهم بعض الدفاتر والخناجر. وهو يحصي عددهم بحوالي عشرين كائنا هلامياً أو أكثر، لم يفته متابعة الأشجار التي أصبحت كثيرة، فنطق بصوت سمعته أذناه الرخوتان:

ـ إنها مزرعة أشجار!

كانت الأشجار مرتبة على شكل صفوف طولية، وقد أصبح لها ظلال، حتى أن بعض جموع هلاميي الكهوف والخيم المرهقين هرعوا إلى ظلها اتقاء حرارة الشمس.

الرجل الهلامي الجالس على صخرته الملساء تعجب بشدة من سرعة هذا الزمن. و أخذ يدير الكرة الزرقاء بيده، فيرى الزمن يدور مختصرا السنين، ويرى الأشجار تطول وتتعملق، و أغصانها تنتشر وتغطي مساحات واسعة من الأرض بظلالها. لفّ الكرة فرأى الأشجار تزهر، أدار الكرة بسرعة، فتحولت أزهار أشجار البنزين إلى ثمار رمان مدور و أحمر. فزع، وانتفض قلبه، وهبّ العظماء الهلاميون القاعدون على الكراسي، عندما سقطت ثمرة رمان من شجرتها و أحدث انفجارها دوياً هائلاً، و دمرت حبات الرمان المتناثرة في الاتجاهات كل ما حولها، بما في ذلك بعض هلاميي الكهوف والخيم الذين تطايرت أشلاؤهم، وتناثرت في الصحراء.

لقد فزع حقا، لكنه بقي صامدا فوق صخرته، لم يمسسه أي سوء. ابتسم وهو يرى الهلاميين الكبار يعيدون خناجرهم في أقربتها، ويهزون رؤوسهم، ويبتسمون لبعضهم.

مرت إصبعه على الكرة وأدارتها قليلا فأظلم المكان، ونشر الهواء أدخنة، وغباراً و روائح عفنة. رفع رأسه و أبصر طيور حمام تفر في الهواء في طيران مضطرب و مذعور دون اتجاه محدد. و شاهد نخلة تهتز عسبها، وهي واقفة، طويلة، مرتفعة إلى الأعلى. شاهد بعض الطيور تختبئ بين العُسْبِ بحذر.

الهلاميون الضخام سلموا بعض الأفراد عدة أوراق، فركض هؤلاء، و وزعوها على رؤساء الجموع الغفيرة، تلثم هؤلاء، و أخذوا يتسلقون صفوف الأشجار الضجرة التي تطلق زعيقا عاليا من جذوعها، وتأكل أكسجين الهواء بشراهة، وتنفث في الجو الغبار والأدخنة. تسلقوها بخفة؛ وجلسوا فوق الأوراق العريضة، وهم يقطفون ثمار الرمان الناضجة، و يملؤون بها جيوبهم ومحازمهم، ويصفونها في حقائب جلدية يعلقونها على ظهورهم ، ثم يهمزون خواصر الأوراق فتطير بهم، تحلق في ضوء الشمس، تحت السماء الرصاصية القاتمة، أسراباً.. أسراباً. يلف الهلامي الكرة بيده فيرى أشباح قرى، و مزارع، ومزارعين، و قطعان ماشية ترعى، تحلق الأوراق فوقهم، وتسقط ثمار الرمان فيتبعثرون، وتدوي الأرض بالصرخات، و تتهاوى الحصون المشيدة منذ أزمنة سحيقة. الماشية تذعر ويركض السليم منها، عائدا لأكل بقايا الأغصان اليابسة. يلف الهلامي كرته، طاويا الحقب، فيرى أشباح مدن و عمائر و شوارع و مصانع، وتجمعات، ومجتمعات، يراها رخوة، تهتز و تتهاوى تحت حبات الرمان، مصبوغة باللون الأحمر الذي يسيل على الأرض و يشكل بركاً، و بحيرات ، ويسيل نهرا قانيا بالاتجاهات الأربع.

يفرك الرجل عينيه فزعا، يدير الكرة، فتتساقط منها كلمات، يحاول أن يفهم معناها، يقرأ : تاريخ، دين، تقدم، مدنية، حضارة، علم، إنسان. فلا يعرف شيئا. الكلمات تسقط في السائل الأحمر الذي وصل إلى الصخرة الملساء التي يجلس فوقها، وأخذ يرتفع، ويرتفع، وقبل أن يصل إلى فمه، صرخ:

ـ الآن عرفت لم يصرخ الأطفال فور خروجهم للحياة !

يمتد عويله طويلا مختلطا مع عويل الكرة الزرقاء، و أصوات الطيور الفزعة، والحيوانات الفارة.

يصل الدم إلى فمه، و قبل أن يغمر عينيه، يلمح نخلة واقفة تأوي إليها طيور.


2015‏-06‏-10
الدمام

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007