[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لوسيا لوسيا
التاريخ:  القراءات:(438) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
قد لا تملك جمالاً يخطف الأبصار من الوهلة الأولى، تبدو لك دوماً كما لو أنها قد استفاقت من النوم لتوها ولم تتخلص من كسل النعاس بعد، فلا تفتح عينيها على وسعيهما إلا إشارةً إلى تعجب أو استفزاز أو فضول لا يترك لك سبيلاً سوى تهدئته، عندها تلتهم وجهها الأبيض باهت النمش فرحة ظفر تستثيرني لضمها ومعانقتها طويلاً في أي مكان نكون فيه ثم تستمر ضحكاتها التي قد تثير انتباه كل المدينة إلينا...

تتملص من ضيق حياتها المملة بين ذراعيّ، لا تفتح شفتيها الدقيقتين عند العناق، تكورهما بين شفتيّ وتتركني أرتشف نداهما بعذوبة مقطوعة رومانسية، لا يثقلها الحزن، من مقطوعات شوبان الذي تعشق موسيقاه متهادية الأنغام على أصابع البيانو... تمسك كفي برفق، تمسح خدها بباطنه، ثم ترقب أصابعي الموشاة ببقايا ألوان لوحة من اللوحات التي اعتدت رسمها سريعاً في متنزه عام أو قرب الشاطئ، عندها تتحول يدي إلى شبه آلة لا يسمح صاحبها أن يصيبها أي خلل أثناء العمل المطلوب منها، أياً كانت قسمات الوجوه والوضعيات المفضلة لدى هذا أو تلك، تعاند الوهن، تسابق السآمة وحرّ الصيف مع توهج شمس المتوسط، أو لسعات البرد وتلبد الغيوم المنذرة بسقوط أمطار قد لا تنقطع زخاتها لساعاتٍ تغير المشهد بالكامل، مشهد البحر والشواطئ والشوارع، وحتى ملامح الناس...

وجدتْ عندي بورتريه فحمي لوجه سيدةٍ عجوز، حفرتْ الكرمشة خديها حتى خسفتهما، صممتُ على رسمها، دون أخذ رأيها أو إثارة انتباهها، أبلغتها بإسبانية بالكاد كنتُ أمسك بتلابيبها أني لا أريد منها أي مبلغ، اعتقدتُ أني أهديها إحدى ابتسامات أواخر العمر الشحيحة أو أضفي بعض المؤانسة على جلستها الطويلة، المكتظة بالحكايات المنسية، على الأريكة المقابلة لي في باحة مفتوحة تتوسط مجمعاً سكنياً وعدة مقاهٍ ومطاعم، بلا أن تأتي بحركة تقريباً غير علامات الضجر، جفلتْ عند تقريبي الورقة إلى وجهها الموشوم بالتجاعيد، رمقتْ ملامحي الشرقية وبشرتي التي لا تدل على سمرة أشعة الشمس البرونزية، تشنجتْ خطوط الزمن حول محجريها، ظلتْ تحدَّق في مرآة وجهها دقائق محيِرة نقلت الجهامة إلى وجهي، توقعتُ أن يعلو صوتها، تزعق فيَّ بعد ساعات من الصمت، تؤنب تجاسري على خصوصية صمتها بكلماتٍ قد لا أفهم لأكثرها معنى، ولو حصل ذلك لما كانت المرة الأولى التي أواجه فيها مثل هذا الموقف... رمتْ بالورقة بعيداً، كبحَ الهواء جماح طيرانها، فطوَّحها سريعاً نحو الأرض، سعيتُ وراءها قبل وصولها إلى الشارع، تحت أقدام المارة وعجلات السيارات، وعندما استدرتُ لم أجد لها من أثر...

سهمتْ أمام الورقة المجعَّدة طويلاً، أخذت تتلمس بشرتها الناعمة من الجبين حتى أسفل الرقبة...

((سوف أكون مثلها ذات يوم!!!...))

تشاغلتُ عن الإجابة على سؤالها بما لا أتذكر وقد أدخلني في صومعة أسئلةٍ أخرى أحاول التهرب منها ما أستطيع، راقبتُ الورقة تتهاوى من الشباك الذي فتحَته فجأة، وددت الانفجار بغيظٍ لم تعهده فيّ من قبل، طردها من الغرفة الصغيرة مبعثرة الأغراض التي أسكنها وصديقيّ، فذلك الوجه بكل ما يتلبسه من شحوبٍ ونسيان وجدت فيه استفزازاً فنياً من نوعٍ خاص، لعلي أستطيع أن أرسيه في لوحة دقيقة التفاصيل أشارك بها في معرضٍ ما، بعد أن أغطي الشعر الذي تآكله المشيب بفوطةٍ سوداء تخفي فستان العجوز عريض فتحة الصدر، ولكني لم أفعل شيئاً في النهاية غير إطلاق قهقهة عالية من ضيق عقلها وتهافت أحلامي بين الجدران العتيقة العطنة...

لا نلتقي في جحريَ الكئيب إلا عندما لا نجد بديلاً عنه، وأتأكد أن حسن المغربي ومسعود السوري غير موجودين ولن يعودا إلا في ساعةٍ متأخرة، وإن صادف وعاد أحدهما مبكراً، على غير عادته، فالورقة التي أعلقها على مقبض الباب من الخارج: "الرجاء عدم السخافة" إسوةً بالفنادق، تكون جد كافية للتنبيه إلى وجودنا في الداخل وضرورة الانصراف، وفي كافة الأحوال هي لا تستطيع التأخر بعد المغيب كثيراً...

تسترخي بين فخذيّ لدى تربعي على الأرض كما الكيتار، تلصق ظهرها إلى بطني العارية، تسند رأسها إلى كتفي، تسدل شعرها الذي أحالت خصله الصفراء ليلاً لا تسكنه نجوم لأجلي، يفح منه عبق الياسمين، تدير وجهها نحوي، تبتسم ابتسامتها الناعسة المبهجة، تقَبل شفتيّ، ذقني، ذراعي اليسرى تلتف حولها، أصابعي تتجمع عند سرتها، تضحك...

((اعزفني، وتخلل نغماتي، فإن لم تفعل أنت لن يفعل سواك، هل تعرف أن داخل كل إنسان في الدنيا معزوفة تُخلق معه، حتى لو بدت أشبه بضوضاء أو بعواءٍ للآخرين، يجب أن يخرجها أو يجد من يخرجها له قبل أن يركن كل شيء فيه إلى صمتٍ تام، خرس موحش، موحش))...

أعرف أن في كلامها بعض التأثر من حكايا جدتها المتوفاة قريباً، ومن قبلها شقيقها الذي قُتِل في العراق، هو أيضاً أجبِر على الذهاب في ركب الغزو، لم يقوَ على المعارضة رغم التخلص من كتائب الإعدام بعد انتهاء حكم فرانكو، تتحدث عنه وعن دمويته كما لو أنها عاصرت عهده كاملاً، استغربتُ عندما لم تجد موته في بلدي المحتل عائقاً من ضمن عوائق عدة تعاند علاقتنا واستمراريتها، فقط تفاجأت من اسمي في البداية...

((محمد؟؟...عربي عراقي!!! -!!! de Arabia، Iraqui ))

كانت أستاذتي في المعهد الثقافي البريطاني الذي دخلته لفترة وجيزة ثم تركته بسبب فقر الحال، كنت عكس كل الطلبة هناك، أسعى إلى تعلم اللغة الإسبانية من خلال إتقاني اللغة التي جاؤوا لتعلمها، بدا لي الأمر صعباً لأنها كانت طبعاً تركز على اللغة الغريبة عنهم، مفردات وقواعد، لا على لغتهم الأم، تفهمتْ ذلك منذ البداية فصارت تساعدني للوصول إلى هدفي حتى لو أمضت معي ساعات في كافتريا المعهد أو كافتريا مجاورة بعد انتهاء الدوام...

عدتُ في تلك الأونة إلى مشاعر المراهق الذي يعشق أستاذته ويتلصص على مفاتن جسدها، من الرأس حتى القدمين، مع أني أكبرها بسنوات، لم تعرف كيف تسنى لي الاستدلال على عنوان الشقة التي تقطنها مع زوجها وطفليهما في شارعٍ فرعي يصل بين حيين مكتظين بالشركات والدوائر الحكومية والمحال التجارية، تصورتُ نفسي لحينٍ من الوقت أني ذلك الشاب الغُر ((محسن)) في رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم لدى جلوسي إلى إحدى طاولات رصيف كافتريا يديرها رجل جزائري بانتظار إطلالة من نافذتها ذات المظلة الخشبية الصفراء، تشير لي بحركةٍ من يديها، بعد تلفت يمنةً ويسرة، أن أصعد فأتقافز مهرولاً نحو باب العمارة الأشبه بباب دار عتيقة لأشرع بأولى معزوفاتي على أوتارها المنسية...

ذراع كل منا يحوط خصر الآخر لدى انحدارنا من ناحية مرتفعات ميخاس "Mijas"الوعرة باتجاه المدينة، على يمين الطريق الضيق المرصوف الذي نمر به يمتد رياض شاسع يتعدى مدى البصر، تفترش خضرته زهور متنوعة تتناثر بين جذوع أشجار البلوط والصفصاف والسدر وأشجار أخرى غريبة، فارعة الطول ومتقصّفة الأغصان، تنزوي عنها شجرة تين عجفاء تلوح من ورائها أطلال قلعة إسلامية تشد أنظار لوسيا أكثر من الكنيسة العتيقة المهجورة الواقعة على مقربةٍ منها...

يطول مسيرنا دون شعور بالإنهاك أو الوقت نحو منطقة الباص الذي يقلها من ضاحية مربيا "Marbella" إلى ملَكا العاصمة ـ عاصمة مقاطعة ملَكَا "Malaga"... تقع على الطريق الواصل بين المدينتين "المنطقة الخضراء" شبه الجبلية، كم من النكات نستوحيها من تلك المفارقة الغريبة، وفي كل مرة لا أستطيع منع نفسي من الضحك، المبتلع مرارته، على سخافاتها المستهلكة...

خوفي عليها من السير وحيدة في الشوارع يثير لديها نشوة انتعاش تنهل مما نستقيه من لذة على الفرشة القديمة متآكلة الحواف التي تأوينا، أطويها كل صباح على النافذة الضيقة المطلة على زقاق صغير يتفرع من زقاق أكثر عرضاً وطولاً وانحداراً وصولاً إلى الشارع العام، لا يختلف كثيراً عن زقاق عربي عتيق، حينما ولجته أخذني إليه حنين مفاجئ، إذ لم أشعر بأي غربة عنه ولا رهبة من أناسه الذين لم أكن أعرف منهم أحداً...

أقف حتى مغادرة الحافلة، ثم أقفل عائداً، أدخن سيجارة، أسحب دخانها بقوة ثم أنفثه بتروٍ وهدوء على مقربة من الشاطِئ المقفر، أصخي السمع لزحف الموج وانسحابه، تتابعه دقات ساعة رتيبة لا تتوقف، لا أدري متى يمكن أن تعلن لحظة رحيلي إلى أرضٍ جديدة وعوالم أخرى يجدر بي التكيف معها سريعاً، أو الرجوع إلى بلادٍ تغص بالدماء...

* * *

في كل مرة تبتعد عني بقبلةٍ أو مداعبة تلظي فينا شهوة العودة إلى الفراش في اشتياقٍ أكبر ينغزني إحساس مقيت، أشبه بتوجس الغرق في هذا البحر الشاسع، أني لن أحظى بها مجدداً، ولأسباب متعددة تتقاطر في ذهني كسلسلة من جبال عالية شرسة الوعورة لا قدرة لي على اجتيازها... ما كنت أدرك أني سوف أتعلق بها إلى هذا الحد، ومغامرة تحدي صدها جموحي العنيد يمكن أن تتحول إلى... عشق "enamoramiento"!!!... أقصد ذلك العشق الحقيقي الذي يستلب من المرء عمره ويجدده في آنٍ واحد...

تستحلفني بالعذراء، بكتابنا المقدس توكيداً، ألا أملها يوماً، ألا أهجرها من أجل أي امرأة أخرى، حتى لو ساقتني إليها شهوة عابرة، وأن تبقى هي المرأة الأولى في حياتي دوماً، تسألني إن كنت أصاحب إحدى الغجريات اللواتي يرقصنّ في البيت الشرقي (بيت الغجر) الذي نمرّ به كلما تواعدنا عندي...

((احذر، من يقع في غرام إحداهنّ تسلط عليه سحراً لا يستطيع الفكاك منه أبداً، يصبح عبداً مطيعاً لأهوائها مدى الحياة))...

كنت أرى الغيرة تلوذ بعينيها قبل استسلامها لعناقي الحار مطَمئناً ثم ساخراً: أيهما أشقى، سطوة سحرهنّ أم سطوة السياسة والحروب، الموت الذي أهجسه يتعقبني وربما يستبقني إلى كل مكان أحط فيه...

لاحظتْ جيداً مدى ولعي بالفلامنكو عند دعوتي لها لقضاء أمسية في تلك الدار، كما لاحظتْ معرفة الفرقة وحفاوتها بي وكأن علاقة حميمة تجمعنا منذ سنوات، أول مرة دخلتُ فيها تلك الدار الصغيرة كنت برفقة حسن ومسعود، مرت نظراتي على سلّم خشبي ملاصق للجدار البعيد عن الباب الذي يجبرنا على الانحناء قليلاً عند عتبته، يجَسم صوت وقع الأقدام عند كل درجة من درجاته، يهتز مسنده كلما أمسكت به يد أحد الصاعدين أو النازلين من نصف الطابق العلوي، تصطف على جانب منه غرف ضيقة المساحة، في كلٍ منها يوجد سرير يتسع لشخصٍ واحد، يفي بالغرض على كل حال، وحمام نتن الرائحة في آخر الطرقة، بقيتُ أجول بناظريَّ في المكان، الجدران باهتة اللون، الكراسي والطاولات الصغيرة شديدة البساطة، العواميد الخرسانية المتصلة بأقواس تتدلى منها أصص الورود، الكنبة الواطئة المخسوفة والمركونة إلى حائط تتوزع عليه كسواه صور ولوحات صغيرة لا تتضح معالمها للناظر إليها إلا عن قرب، مراوح يدوية ذات ألوانٍ فاقعة تميزها، وصنوج مختلفة الأنواع والنقشات معلقة بخيوطٍ حمراء وصفراء مثبتة إلى مسامير رفيعة بارزة مثل نتوء الزمن الماضي على بناء الدار، نافذتها الوحيدة تطل على الزقاق الذي توليه الفرقة ظهرها لدى تقديم عروضها الصاخبة، يجلس على الأريكة رجل تشابك الشيب بسواد شعر رأسه، مشرق الوجه، ذو جسد رياضي، يحتضن كيتاره أمام الميكرفون، عزفه وغناؤه الجهوري حيناً والرخيم حيناً آخر يضبطان إيقاع الرقصات المتقلبة كموج البحر، يساعده في ذلك شاب أو اثنان، وسيمان، بلحيتين خفيفتين، يتأنقان ببنطاليهما الأسودين مع قميصين في ذات اللون، مخططين بلمعة فضية تسطع تحت المصابيح البيضاء الوهاجة... أو مغنية بدينة، محببة الملامح، تمتلك صوتاً أوبرالياً يصدح في الآذان بقوةٍ تلج حواسك وإن كنت لا تفقه من لغتها كلمة، بالإضافة إلى شدو بقية الفتيات، لا تعرف كيف امتلكت كل منهنّ ما يميز طبقتها الصوتية عن الأخريات، وكأنهنّ يمثّلنَ السلم الموسيقي بتدرجاته النغمية المتباينة... لوحات ناطقة أسعى حثيثاً لإرضاخها على الورق، ولو عبر رسومات تخطيطية تتتبع حركاتهنّ المومِئة بشتى المعاني ما بين الفرح والحزن، الشجن والإثارة، التمرد والوجع، الإنهاك والتوتر... يخلق تطَوح الجسد وتعابير الوجه المختلفة المصاحبة للموسيقا المحلِّقة نحو الأفق البعيد والكورال الغنائي متداخل الأصوات (الرجالية والنسائية) أمام عينيك عالماً غارقاً بالتفاصيل، لا يشغلك عندها التمعن باهتزاز النهدين والبطن وتمايل الردفين المتداريين خلف الفستان العريض الطويل، مشبوك فتحة الصدر الكاشفة عن تجويفه بوردة كبيرة من الدانتيل الملوَن والمطرَز بالنمنم، فتاة أكثر من سواها لفتت انتباهي، وخلال أيام متتابعة، سمرة قسمات وجهها المتصلبة، عروقها النافرة على وشك الانفجار تتحول إلى حمرة قرمزية، كما لو كانت تعكس ومض النيران التي تحاصرها، تدور وتدور، تروح وتجيء من ناحية لأخرى، يتمايل جذعها ورأسها مثل شجرة اعتادت مقاومة الريح العاتية بينما تظل قدماها متسمرتين على الأرض في نقطةٍ محددة، ثم تشرع بالدوران حول نفسها بنقراتٍ متتابعة تحتد وتيرتها فجأة معلنةً الثورة على كل شيء حتى يبدأ جسدها كله بالارتجاف وكأنها ستنهار مغشياً عليها...

((هزة الجماع))...

علَّق مسعود مستخفاً دمه فأكمل حسن بذاءته بضم قبضة يده وهزها نحو الأعلى والأسفل وهما يراوغان ضحكاتهما المخمورة، لم تلهني التفاتة نحوهما، بل استمرت نظراتي في متابعة دواماتها المستوطنة للأحاسيس، خاصةً من يتجرع آتون الحروب، ولو عن بعد، كان الجمود يستشري بعينيها، مغيَبةً عن الزمان والمكان بكل كيانها، تسدل جفنيها الموشيين بكحلٍ سماوي خفيف، وكأنها في أعلى درجات الوله أو الانعتاق، متصوفة مبتهلة لا قدرة لأحد على منعها من التحليق في فضاء لا تحده حدود، لا تحتاج لتأشيرة سفر للتنقل من مكانٍ إلى آخر، ولعل هذا بعض سرّ ديمومة أولئك القوم على مرّ الأزمان، يدهشك اللمعان المتسلل إلى عينيها لدى فتحهما بصفاءٍ تام، كما لو أنها ولدت من جديد، تبحلق وترصد كل شبر في المكان دون أن تركز نظراتها على أحد، صدرها يوالي الارتفاع والانخفاض سريعاً، العرق يسيل من جبينها غزيراً، فلا تكف عن الدوران حول نفسها، والصنج يعاود الطرقعة بين أصابع يدها اليسرى، حتى يبدو جزءاً لا ينفصل عنها، ذيل الفستان المكركش يلتف بدوره حول جسدها ثم تجده، بحركةٍ سريعة وبسيطة من ساقيها، يهفهف مثل مروحة تنشر الحياة بعد جمود...


مقطع من رواية "عند شواطئ أندلوسيا"... عن دار فضاءات 2015

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007