[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
تَخَفي تَخَفي
التاريخ:  القراءات:(227) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
تَخَفي...

ـ قصة قصيرة ـ

(من يكتفي بتدخين الأركيلة والاستماع إلى الأغاني في ليلة رأس السنة؟...)

ظلَّ صاحب الكافتريا الصغيرة يَنَّقل بصره في أسف بين نشرات الزينة المعلقة على الجدران وفي الزوايا والنازلة من وسط السقف بألوانها الفسفورية المجدولة كثرية كريستال مسَّلطة عليها الأضواء الساطعة، كان عليه إغلاق الكافتريا هذه الليلة الخاوية من الزبائن وقضاء السهرة مع أصدقائه، أو من تبقى له منهم بدلاً من الجلوس المقيت هذا في انتظار المستجدي، واصل التفكير متسَّمعاً همهمات الندُل وعمال المطبخ وأصوات ضحكاتهم الخافتة، يغبطهم على ما يحظون به من تسلية، وإن كانت مكتومة في ذلك الحيز الضيق... حطت نظراته مجدداً على الجالسيْن الوحيدين أمامه، كل منهما يجلس في ركنٍ إلى طاولة لم يُضَع عليها سوى كوب شاي وكأس عصير وقطعة كيك بالشكولاته...

(شكولاته تأكل الشكولاته)...

قالت ابتسامته الماكرة للفتاة الأنيقة ذات العطر الفوّاح والفتنة المسكِرة، يعلو التوتو وجهها ما بين نظرة وأخرى إلى الموبايل الموضوع أمامها دون أن تصدر عنه رنة واحدة... في الركن المقابل يقبع الشاب التائه في شرودٍ لا نهاية له على ما يبدو، عيناه مصوبتان نحو الشارع المزدان بالنشرات الضوئية المضاءة رواحاً ومجيئاً، كأنها ترسم حلقة مفرغة لا سبيل للخروج منها...

(الاكتآب وباء، يذهب معك إلى كل مكانٍ تحط به، أفففف)...

ثرثر صمته لدى تفرُسه في وجه الشاب حاد القسمات، بسيط الهندام، ضجَراً من جلسة الكهول التي سكن إليها منذ قرابة الثلاث ساعات، كاد ينهض من مكانه ويتجه نحوه، يخبره بفطنته التي اعتادت قراءة وجوه الزبائن جيداً ألا جدوى من مكوثه هنا يرقب الشارع من بعيد، وإن كان يعد خروجه من انطوائيته في المنزل ليلة رأس السنة بداية تغيير نمط حياته...

قاطع تفكير الرجل الأربعيني، الخبير بقراءة الوجوه، صوت الحسناء المنفعل حد التشنج بعد أن حنَّ رنين هاتفها أخيراً...

قالت لصديقتها: بعد ماذا؟... بعد أن أضاع عليَّ الليلة في هذا المكان الخانق وأنا أنتظر مكالمته للهروع إلى سيارته؟... أخبريه أني لن أتقَّبل اللطمة بصمت الجواري، وهو يعرف جنوني جيداً...

أغلقتْ الهاتف ورمته على الطاولة بقوة، تزفر تنهداتها في عصبية شبه باكية، صوتها المرتفع كأزيز الرصاص المنطلق عن بعد أفاق الشاب من وجومه الطويل فالتفت إليها في توجس الهارب إلى مجهولٍ لا يعرف عنه شيئاً بعد فراره وعدد من أصحابه، حيرى في تيه الطرقات، من القوة الأمنية التي أقتحمت وكرهم...

وقعت نظراتها المكفهرة على سيارة الشرطة تقف على جانبٍ من الرصيف، لا تدري لمَ أدركها إحساس العري التام وأنها ستُضبط متلبسة في سرير أحد زبائنها، وثبتْ إلى طاولته، جلست لصقه فانثالت خصلٌ من شعرها على وجهه المسحوق بالدهشة، يتحسس ذقنه الذي حلقه على عجل عند أحد أصدقائه القدامى كما أخذ منه ما يرتدي وبعض المال، همست في أذنه أن يبتسم لها ما استطاع كما لو كانا عاشقين يتناجيان في جلسة حب دافئة، دخل الضابط وجالت عيناه المكان المنزوي عن الصخب دون نطق كلمة، تفحصهما تجهمه للحظات لا أكثر...

أرجعت خصلات شعرها الأسود الطويل ذهبي الأطراف للوراء لدى انصرافه، تزفر مخاوفها وارتعابه دون أن تنتبه لانفراج طرفي المعطف عن ركبتيها البضتين من تحت الطاولة وبروزهما ككتلتيّ ثلج أمام عينيه زائغتيّ النظرات، يشتهي تقبيل يدها المضمومة على المنضدة كقلبٍ يخفق لمسارعتها في نجدته دون أن تدري، الاستدفاء بمعطفها، النوم في جسدها مدى حرمانه العشريني، ظلَّت ترقب اللوعة المرتسمة على قسمات وجهه، تمتمت شفتاها المطليتان بحمرةٍ غامقة بكلمة شكر ظنت أنه لم يسمعها، همَّت بعد صمتٍ أن تعرض عليه الخروج إلى أي مكانٍ يختاره لقضاء الليلة معه (مجاناً)...

أعفاها من ترددها وقوفه المفاجئ كما لو أنه تذكر أمراً هاماً غفله لساعات، توجه حيث يجلس صاحب الكافتريا، تدركه الحمى وينساب في أطرافه خدرٌ يربك خطاه، دفع الحساب ثم توارى عن بحلقة أعينهما مع توهج الألعاب النارية في السماء، تعلن بدء العام الجديد...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007