[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أقرب من صحوة.. أبعد عن نزوة 
التاريخ:  القراءات:(610) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : خلف أحمد خلف  
* * *

1ــ في ظهيرة يوم من فبراير 2011

ظلت أم عبد الله ممسكة بكأس الماء فيما راح أبو ناصر في اغفاءة امتدت لأكثر من نصف ساعة، هكذا أصبحت حالته بعد تدهور صحته في الأيام الأخيرة، وحين فتح عينيه هاله أن تبقى زوجته الصبور منتظرة كل هذا الوقت دون أن تحاول انتشاله من غفوته، فما كان منه، وقد اجتاحته حالة نادرة من العاطفة تجاهها، إلا أن أقسم لها بأن يلبي أي طلب تطلبه، تعبيرا عن امتنانه لهذا التفاني والمحبة الآسرة، مشددا عليها أن تطلب الآن وفي الحال...

تطلعت إليه مطولا متفرسة في وجهه كأنما تراه للمرة الأولى بعد معاشرة دامت زهاء أربعين عاما، أثمرت أبنين هما الآن متزوجان مستقلان بحياتهما، وابنتين كبراهما تزوجت فيما الثانية أصغر ذريتها والأقرب إلى نفسها لازالت تدرس في الجامعة، وأحفادا يملأون البيت ضجيجا في زياراتهم الأسبوعية كل يوم جمعة.

تفرست في وجهه كما لو كانت تستيقظ هي الأخرى من اغفاءة طويلة ممتدة، لتقول بصوتها الهامس الذي اعتاده:

ــ أريد شيئا واحدا لا غير.

قال لها بلهفة الممتن المحب:

ــ وأنا وعدتك بأن أنفذه على الفور مهما يكن، ومهما يكلفني..

صمتت لحظة تستجمع رباط جأشها الذي تراخى بعيدا في أغوار سنين سحيقة، لتقول وبذات الصوت الهامس، لكن بلهجة حاسمة:

ــ أريد الطلاق.

للوهلة الأولى ندت عنه شهقة كمن تلقى ضربة قوية على ظهره، وبدا غير مستوعب لما سمع، فتح فاه على سعته وقد صعقته الدهشة، ظل يحدق فيها صامتا يلملم شتات ما بعثرته المفاجأة، ليردد قولها دونما تمعن:

ــ أريد الطلاق!!..

أجابت وهي تستشعر قوة مفاجئة تجتاحها في مواجهة ما تبدى لها من ضعف هذا الرجل أمامها، ثمة موجة تدفعها لأن تعيد وبذات الصوت الهامس تأكيد طلبها الذي بوغتت به هي ذاتها:

ــ أجل، أريد الطلاق، لقد اكتفيت منك..

لم يستوعب ما كررت قوله، كل هذا الحب الذي أحاطته به، كل هذه الرعاية والتفاني الذي لطالما حسده عليه المحيطون به، من أهل وأقارب ومعارف، ما الذي تغير وتبدل وهو الذي لم يسيء إليها، على الأقل في سنواته الأخيرة، التي ازداد فيها ضعفه وبدأت قواه تخور، وتأخذه الغفوات في رحلات تقصر وتطول لا يملك لها دفعا، فيما هي تجلس عند أقدامه تحرسه كما كانت على الدوام، حاضرة صابرة، لا تبدي تبرما ولا يصدر عنها تأففا.

ظل ساكنا يتطلع إليها، مبهوتا يحاول تخفيف ارتجافات يديه اللاإرادية التي أصبحت تلازمه منذ سنوات، دونما جدوى، يتطلع إليها وهي قابعة أمامه ممسكة بالكأس الفارغة، تتفرس فيه بنظرات لم يألفها، نظرات هادئة لكنها تشتعل تصميما على تلقى رده الآن وفي الحال، طال صمته فيما بدأ ارتعاش يديه يصدر صوتا وهما تتداعيان في حضنه إثر احتكاكهما بثيابه.

طال الصمت بينهما، متواجهان في هدأة الظهيرة، البيت خال إلا منهما، ففي السنوات الأخيرة لم يعد يشاركهما السكن إلا صباح، آخر العنقود، والتي حين تحضر تحيل السكون إلى ضجيج من التعليقات والضحكات واصطفاق الأبواب وتحريك قطع الاثاث، تصاحبها دوما ضجة تدخل السرور على قلب الأم، وتبهج الأب الذي ارتكن زاوية من الصالة، يشاهد التلفزيون أحيانا، ويقرأ أحيانا، ويخرج نادرا في المناسبات، متوكئا على عكازه بمساعد أحد أبنائه.

أخيرا وهو يستحضر هيبته الذاوية، صاح بها بصوت يرتعش ضعفا:

ــ هل أصبت بمس في عقلك؟، ما هذا الطلب يا أمرأة، صدق من قال.. ناقصات عقل.

تطلعت في وجهه، لحظت ارتجافات شفته السفلى، شعرت بأن أحاسيس من التمرد تشتعل في صدرها، وعناد لم تألفه من قبل يجرفها، فأجابته بصوت يرتفع للمرة الأولى في حياتها:

ــ لقد وعدت أن تلبي لي طلبي مهما يكن ومهما يكلف، وها أنا أطالبك بالطلاق.

اغتاظ من ضعفه ومن المهانة التي لم يعهدها، ومن اكتشاف بدأ يتبلور بأنه ما عاد ذلك الآمر الناهي، وساءه أكثر أن يكون طلبها الطلاق جزاء حالة امتنان اجتاحته حبا لها وتقديرا لصبرها عليه، وصاح بصوته المرتعش:

ــ اغربي عن وجهي يا امرأة!..

نهضت وهي تقول بتحد غير مسبوق:

ــ كن عند كلمتك إن كنت رجلا.

بحث من حوله عن شيء يقذفها به، كما كان شأنه في شبابه حين يغضب منها، فلا تملك إلا أن تنزوي في ركن بينما تنهال عليها النعال وأواني الطبخ، ولكنه لضعف بصره وارتعاش يده لم يعثرعلى ما ينجده.

كان الغضب من زوجته والسخط من ضعفه يستعران في صدره وهو يولول:

ــ أيتها المجنونة، أيتها الملعونة، ياناكرة المعروف.. في هذا العمر تطلبين الطلاق؟!.

* * *

2ــ في ذات ليلة من ليالي أغسطس 1971

أحاسيس مختلطة من توجس قلق ومتعة فضول أبنة الثالثة عشر، مرتمية على السرير في ظلمة شفيفة، ساكنة حائرة لا تعرف ماذا تفعل سوى الانتظار، فيما تراءى لها خطفا بأن المقبل عليها هو أبوها، لكنها سرعان ماتبينت بأنه أطول منه قامة وأعرض جثة وأسرع مشية، وبما تيسر لها رأته يطوح بعقاله وغترته، ينزع عنه ثوبه الأبيض، يقترب منها غارزا رمح ركبته حافة السرير الذي بدا يئن مع حركات جسمه المكتمل بأربعين عاما، مفتولة عضلاته، ارتمى بأكمله قريبا منها، مادا باتجاهها يده، حية تدب فتلامس جسدها الضئيل فيتنفض، فإذا به يهمس لها بصوت مبحوح، (أنا الليلة زوجك، فلا تخافي..) يستعر أكثر خوفها وتوجسها، تجوس الحية متحسسة وجهها فصدرها نازلة سريعا نحو أسفل بطنها، تندفع بعفوية فورية يداها تحاولان الصد، فيباغتها بتعريتها من ملابسها الجديدة التي لم تعهدها من قبل، تتكور على نفسها مرتجفة متوسلة له أن يتركها، يزداد شراسة ويبدأ بتمزيق لباسها الداخلي الصغير، يقلبها على ظهرها، يعتليها مباعدا ساقيها داخلا بينهما مقتحما أياها، تكتم بالكاد شهقة الألم، فيما يرتجف هو ناخرا لاهثا زافرا فحيح فمه رائحته عفونة تبغ نفاذة، يتماوج جسده في حركة هياج متسارعة حتى يرتعش ويرتمي على جنبه، وهو يلهج بحمد ربه على نعمته وحلال متعته.

تفتح عينيها على مهل بتردد، تتطلع إلى السقف الذي بدا غائما خلف هالات من ضباب، خدر يسري في جسدها، ألم ممزوج بطشيش لذة متوارية خفية، وشعور مشوش عن ثمة انتهاك واغتصاب يجتاحها، وعن نجاسة قد استقرت في رحمها، وهي تتذكر تحذيرات عمتها العانس من خطر أن يفتنها رجل ويغافلها فيعتليها وينتزع منها أغلى ما تمتلكه الفتاة!.

تظل تتطلع إلى السقف تلك الليلة، ولا تجرؤ أن تنظر إلى حيث ارتمى وتعالى غطيطه، وهي تتذكر همسات وضحكات ضرتها أم ناصر وعمتها العانس التي أصبحت لها أما بعد وفاة أمها وهي تلدها، لم تفهم رغم كل العبارات المخاتلة التي كانتا تتداولاها وهما يحممانها ويلبسانها ملابس جديدة ويدخلانها الغرفة، دون أن يوجهانها إليها مباشرة، الآن بدأت تستوعب شيئا فشيئا بأن هذا هو ما يريده الرجل من زوجته، عليها أن تمنحه إياه دونما تردد وفي أي وقت يشاء، فقد خلق الله النساء ليكن متعة لأزواجهن.

كانت طفلة ماتت أمها بعد مخاض ولادتها المتعسرة مباشرة، على الأثر هجر أبوها البيت تاركا رعايتها وتربيتها لأخته العانس، برفقة خادم، وهكذا فقدت الأم والأب معا في لحظة ولادتها، لكم هي مشؤومة تلك اللحظة!.

وسرعان ما رحل أبوها عن قريته إلى العاصمة ليتزوج إحدى بناتها ويفتح له بيتا ويؤسس أسرة أخرى، قلما كان يزورها ونادرا ما اقترب منها ومسح على رأسها إلا في مناسبات متباعدة كالأعياد، ولكن القدر ساق لها جارة تعلمت على يديها قراءة القرآن وحفظ كثير من سوره، إلى جانب مقدرة متواضعة في القراءة كانت كافية لإدخال بعض البهجة على أجواء البيت الرتيبة، كانت الطفلة تخرج لتلعب مع بنات جيرانها، ولكن حين جاءها الطمث مبكرا استقرت بين الجدران لا تغادرها إلا برفقة العمة أو الخادم.

حين علم الأب بعد شهور بأمر بلوغ أبنته سرعان ما أتفق مع شريكه في التجارة، على تزويجه أياها، فهذا الأخير قد أجهضت زوجته في حملها الثاني، وتأكد للجميع عدم قدرتها على الحمل مجددا، وكانت أما لطفله البكر( ناصر)، وهي أبنة عمه التي يحبها، ويتاجر بأموالها التي ورثتها عن أبيها، لذا بمعاينة منها وباختيارها تم ترتيب هذه الزيجة دونما أي ضجة، لتكون زوجة ثانية تنجب الأطفال التي عجزت عنها أم ناصر، وخادمة لها تعينها على أمور البيت، كما وافقت على أن تعيش العمة معهم، فهي التي لا تستغني عنها الزوجة الطفلة، كما لا تستغني العمة عنها بعد طول العشرة.

وجدت أم ناصر في سكينة ــ والتي سوف يتوارى أسمها هذا سريعا بعد ولادة أبنها البكر فلا يعرفها أحد حتى نفسها إلا بأسم ( أم عبد الله) ــ كل المواصفات التي تتطلبها، فلا وجه لمنافسة معها في جمالها وأنوثتها ولا مقارنة في شخصيتها ولا المكانة التي تحتلها كسيدة بيت ذات نسب وثراء، فسكينة كانت ضئيلة الحجم، تكاد تكون ممسوحة الصدر والأرداف، لا تمتلك أي ملامح يتذكرها الرائي، كأنما هي مخلوقة من ظلال، زادها تهربها من مخالطة أي جمع أو أغراب اعتكافا اعتادته حتى بات عادة لازمة لها وملجأ تستكين له، بعيدا عن أي عين تتفحصها فلا تقع منها على شيء مميز، فلا ترتاح إلا لعمتها فتنطلق تتحدث معها بتلقائية لا يعرفها غيرهما.

لا تتذكر كيف غلبها النوم تلك الليلة، ولكنها تتذكر بكل حواسها استيقاظها على يده تعاود تتلمس صدرها ثم تنحدر سريعا نحو أسفلها ليعود فيفرد ساقيها ويعتلها ويقتحمها بشيء من الهدوء، ويتأرجح جسمه عليها حتى يرتعش وتحس بدفقاته الساخنة هذه المرة في جوفها، ليرتمي لحيظات ساكنا، ثم ينهض خارجا من الحجرة دونما كلمة أو التفاتة إليها، فيتناهى إلى سمعها آذان الفجر، وتدخل عليها عمتها متهللة تحتضنها بفرح وتغمرها بقبلاتها: مبروك عليك هذا الزواج يا أبنتي، محظوظة أنت بمثل هذا الرجل.

تقودها نحو الحمام وتدخل معها لتلقنها كيفية اغتسال الجنابة، فتبدأ بغسل موضع الجماع لتتطهر من نجاسته، وتخلل منابت شعرها بأصابعها تحت انصباب المياه ثلاث مرات لجانبها الأيمن ثم الأيسر لتنتهي إلى غسل القدمين، وهي تكرر وراء عمتها عبارات ستحفظها سريعا وتظل ترددها لسنوات مديدة قادمة!.

حين تحرك في أحشائها بكرها، عمت الفرحة البيت، ونالت استحسان من حولها وشعرت بأنها أنجزت ما كان يتوقع منها، وأهدتها أم ناصر ثيابا جديدة وجهزت لها سريرا صغيرا كان في الأصل لوحيدها( ناصر)، ولكنها ظلت في حجرتها المنزوية في الطابق الأرضي بجوار الحجرة التي تتشارك فيها عمتها مع الخادم العجوز، قريبا من المطبخ والمخزن في عمق البيت، فيما يحتل الواجهة مجلس الرجال الذين يزورون ( أبو ناصر) بعد صلاة العشاء من ليلة كل جمعة، ويظل الطابق العلوي حكرا على ( أم ناصر) حيث غرفتها الواسعة التي تطل بشبابيكها الخشبية على الشارع، وصالة عريضة تجالس فيها زوجها في الأماسي الأخرى يستمعان للمذياع أو يشاهدان في السنوات التالية التلفزيون الذي لن يكتب لأم عبدالله أن تشاهده إلا في السنوات اللاحقة بعد الاستغناء عنه واستبداله بآخر ملون، ومع ذلك الحمل لم يتغير وضعها ولم تضاف إليها أي امتيازات حتى أن وضعت طفلها لتبدأ أم ناصر في الاشراف المباشر على تربيته حيث كانت تأخذه طيلة النهار بحجة أن تتيح لأمه المجال لإنجاز متطلبات البيت من طبخ وكنس وتنظيف وغسل للثياب وجلي للصحون، فيما كانت تتركه لها ليلا، وهكذا حتى تعلق الطفل بها دون أمه، وتكرر ذات الأمر مع شقيقته ( خيرية) ثم مع الطفل التالي (جاسم).

كانت أم عبد الله مستسلمة لا تعترض على أي قول أو تصرف لأم ناصر، فهي بمثابة سيدتها المطاعة، وفي مقام أمها كما تؤكد عليها عمتها، وحين كبر الأطفال تشاركوا في سكنى حجرات الطابق العلوي قريبا من ( الوالدة) كما أطلقوا عليها تمييزا عن أمهم التي ظلت في حجرتها، حتى اختطف الموت ذات صباح ( الوالدة) التي بكاها جميع أفراد الأسرة بما فيهم أم عبدالله، التي كانت أكثرهم تأثرا واحساسا بالفراغ من بعدها، خاصة عندما بدأت تضطر، باضطراب وتردد أول الأمر، لاتخاذ القرارات المعيشية لتسيير حياة العائلة اليومية، قرارات طالما انفردت بها ضرتها لسنوات طويلة، فاستقامت لها الأمور بصورة تلقائية، وأصبحت المحرك الأول، ولكن دونما أن يلحظ ذلك أبو ناصر أو أبناؤها، كما مياه النهر حين تعبر من تحت جسر.

رفضت أم عبد الله أن تصعد إلى الطابق العلوي، وتحتل غرفة أم ناصر، ولما سألوها أجابت:

ــ لا أستطيع أن أنام في فراش غيري.

* * *

3ـ في مساء ذات اليوم من فبراير2011.

ــ يا أبي.. أخونا ناصر قد يكون أكبرنا.. ولكنها تظل أمي أنا وجاسم.. أرجوك أترك الأمر لنا نحن أبناؤها نحاول التفاهم معها.. وحل هذه المشكلة.

بهذا القول كان عبد الله يحاول قطع الطريق على تدخل أخيه غير الشقيق ناصر، في محاولة اقناع الأم بالتراجع عن طلب الطلاق، والذي فجرته في ظهيرة هذا اليوم، فلم يهدأ الأب حتى تسارع أبناؤه وبنتاه للحضور تحت الحاحه المستمر في هذا المساء، تحلقوا حوله يحاولون تهدئة ثائرته، فيما ظل بين الفينة والأخرى، يكرر بصوته المشروخ ضعفا:

ــ أهكذا يكون جزاء المعروف، أقسم لها أن ألبي لها ماتطلب فتطلب هذا المخبولة الطلاق، الطلاق ياناس!، ونحن في أي عمر؟، وماذا فعلت لها حتى تطلب مثل هذا الطلب؟!، إنني حتى غير مصدق أذني، لقد شككت في عقلي، ولكنكم تأكدتم بأنفسكم، إنها تطلب الطلاق، الطلاق ونحن في هذا العمر!؟..

ــ هي أمنا يا أبو ناصر، أترك لنا الأمر كما قال عبد الله، ولن يكون إلا كل الخير إن شاء الله.

بهذا القول حاول جاسم، الأخ الأصغر، أن يحسم الموقف، ويجعل المسألة في حدود الأم وأبنائها، بعيدا عن تدخل أخيهم الأكبر صاحب السطوة والآمر الناهي، بعد انحسار سلطة أبيهم في الأعوام الأخيرة.

سارعت خيرية لتؤكد صواب هذا القول، فيما أنطلقت صباح، آخر العنقود، بما عرف عنها من جرأة واندفاع لتقول:

ــ مؤكد أن أمنا لديها سبب ما، فدعونا أولا أن نسمعها قبل أن نطلب منها التراجع عن طلبها.

صاح ناصر مستنكرا غاضبا:

ــ لديها سبب؟!، ماشاء الله، إذا كنتم موافقين على هذا القول، فالله يستر كيف ستقنعون أم عبد الله بالتراجع، دعوني أنا أتفاهم معها.

فيما أرسل عبد الله نظرة توبيخ وحنق لشقيقته صباح، وهو يوجه كلامه لوالده:

ــ يا أبي.. أنت أعرف منا بشطحات صباح، دع الأمر لنا أنا وجاسم وخيرية، وسوف يكون لك ما تحب وترضى.

وقبل أن يجيبه الأب، اندفعت صباح محتجة:

ــ وما موقعي أنا بينكم، أنا قلت دعونا نستفهم منها حتى نستطيع ايجاد الحل، هكذا يتطلب المنطق العلمي حل المشكلات.

ــ هيا أذهبوا إليها وليكن في معلومكم ومعلومها، إنني غاضب ومصدوم، ولن أسامحها أبدا على هذه الفعلة الشنيعة.

هكذا أجاب أبوناصر وهو يستعيد شيئا مما بدأ يفقده بين أبنائه، في أيامه الأخيرة.

* * *

4 ـ شذرات من يوميات صباح:

• لطالما تطلعت في الصور المعلقة على جدران منزلنا أو تلك المنصوبة على الطاولات، أو التي تضمها البومات العائلة، كان لكل فرد منا نصيبه أما منفردا أو مجتمعين، ففيما تحتل الصدارة أم ناصر، فإن أمي أم عبدالله تخلو منها جميع الصور، كأنها نسي منسيا!.

• ذات مرة حاولت أن التقطت لأمي أم عبد الله صورة بكاميرتي، فإذا بها على غير عادتها تخرج عن هدوئها المعهود وتهجم على الآلة وتقذف بها بعيدا بضربة خاطفة من يدها، صائحة (إياك ومعاودة مثل هذا التصرف مرة أخرى)، شعرت كأني استبحت محظورا، فللحظات أصبحت أمي شخصا آخر غير الذي نألفه ونعرفه، لتعود بعدها وبسرعة لتلك التي عهدناها،

• هذه واقعة لم أحضرها، ولكني عايشتها من خلال ما سمعته من أمي، فقد كنت عند حدوثها في الجامعة، دخلت عمتي إلى المطبخ في غفلة من الجميع، فتحت جميع عيون فرن الغاز، وبقيت لفترة حتى تسرب رائحة الغاز إلى خياشيمها، وأمسكت بثقاب وأشعلته لينفجر بها المكان، قبلها كانت تردد على مسامع أمي بأنها تتمنى على الله أن يعيشها غنية، وهذا لم يتحقق فلا أقل أن يميتها وهي قوية، فقد كانت تخشى أن تعيش عاجزة تستجلب الشفقة ممن حولها، وهي التي تعودت على الدوام أن تكون من تمد يد العون لغيرها!.

* * *

5ـ في وقت لا حق من مساء ذلك اليوم من فبراير:

اندفع عبد الله وأشقاؤه من خلفه، إلى حجرة والدتهم، وما أن أغلقوا ورائهم الباب، وتطلعوا إليها، حتى استشعروا جميعا بغتة ثمة أمر غير مألوف، فهي رغم سكونها في جلستها على حافة سريرها، وتنكيسة رأسها المعتادة، كان يبدو حضورها غير الذي ألفوه، وحين هم عبد الله الحديث، مبتدئا بمناداتها المتعارف عليها: يا أم عبد الله .

حتى فوجيء بها تشير بيدها لتوقفه عن الكلام بطريقة حازمة، وبصوت خفيض ولكنه آمر حاسم:

ــ من الآن ليس لأحدكم مناداتي (أم عبد الله)، يناديني (أمي)، أقبلها منه.. يناديني (أمي سكينة) سيكون ذلك أفضل.

شاعت في الجو أجواء حبور طارئة،، فتشجع عبد الله وقال:

ــ كان يسعدني كثيرا أن أسمعهم ينادونك أم عبد الله، لأكون الوحيد الذي يناديك أمي.

حدجته بنظرة صارمة وقالت:

ــ ولكني لم أسمعها منك مرة واحدة!.

حاول عبد الله أن يتضاحك ولكنه شعر أنها محقة تماما، فقد رسخت الأيام بينهم جميعا، وباستثناء صباح التي ترعرعت في أحضان أمها سكينة، لكونها ولدت في فترة مرض أم ناصر الأخير، فإن أم ناصر ظلت هي الأم الأولى، حتى بعد أن غيبها الموت، فلها ذكراها وذكريات عن مواقف معها، في حين ظلت أم عبد الله، بحضورها اليومي وتحركاتها الدؤوب في مختلف أنحاء البيت وتلبيتها لمتطلباتهم اليومية، تأتي في المنزلة الثانية من التقدير والاهتمام.

كان إصرار أم عبد الله على الطلاق، رغم كل محاولات أبنائها مثار استغراب، فأبو ناصر قد تجاوز الثمانين، ولم يعد، في ظل حالته الصحية المتردي، قادرا على مطالبة زوجته بأي معاشرة جنسية، فما هو سر هذا الإصرار؟.

حاول الأبناء ثنيها عن هذا المطلب الغريب، موضحين أن ذلك سيكون مضرا بسمعتها، خاصة في وضعها وفي مثل عمرها، ثم إلى أين ستذهبين بعد الطلاق، فكانت المفاجأة إنها لا تنوي ترك أسرتها أو التنصل من واجباتها التي تؤديها يوميا بما في ذلك رعاية والدهم، على أن تقتصر رعايتها له ليس كزوجة، فلا دخول معه للحمام ولا انفراد به في غرفة نوم ولا....

كانت صباح هي الوحيدة التي تفهمت واستوعبت إصرار أمها على طلب الطلاق، فقالت لأخوتها بعد أن خرجوا خائبين:

ــ أمنا طوال حياتها كانت مسلوبة الإرادة، لم تكن صاحبة قرار في أي شأن يمسها أو يعنيها، ظلت مفعولا به حتى في أبسط حقوقها، اليوم فقط انتبهت من غفلة طويلة بطول عمرها، اليوم تريد أن تتحرر من سطوة من هم حولها بما فيهم والدنا الذي لا حول له ولا قوة، أليس هذا من حقها؟.

* * *

6ـ في صبيحة اليوم التالي:

فتحت صباح عينيها على وجه أمها، منحنية عليها، تلفحها أنفاسها عن قرب، وهي تتأملها،

استشعرت صباح أن وجه أمها كان متألقا مشرقا بابتسامة عذبة لم تشهدها قط ، كانت كما لو هي جذلى بفرح طاغ يشع من عينيها ومن ابتسامة شفتيها، كمن استعادت سنوات شبابها، واكتشفت للتو كنه ذاتها!.

ــ هيا يا بنيتي.. أنا مستعدة لتأجيل طلب الطلاق.

أطلقت ضحكة جذلى كأنما تلقى بطرفة، ثم أردفت

ــ بشرط.

أعتدلت صباح عن رقدتها وكررت متسائلة:

ــ بشرط؟!، ما هو الشرط يا أماه؟.

قالت الأم:

ــ أن تضمني صورة عائلية تجمعني مع كل أبنائي وأحفادي.

بعد ظهر ذلك اليوم، وفي الاستديو الذي أصرت أن تلتقط فيه الصورة التي تتمناها، وليس بكاميرات الهواتف الذكية كما أقترحوا، جلست على مقعد وثير وتحلق ورائها أبناها وابنتاها بينما جوارها جميع أحفادها، محتضنة أصغرهم، وابتسامة ما عرفتها من قبل ترتسم على شفتيها.. مخلدة انتصار تلك اللحظة للأبد.


5 مارس 2014
• نشرت القصة في الموقع الإلكتروني (جهة الشعر) للصديق الشاعر قاسم حداد

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007