[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
التعويذة التعويذة
التاريخ:  القراءات:(520) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سعود آل سمرة  

التعويذة..

 

1- أحجية البدء:

فجأة انبثقت، اكتشفت وجودي صدفة، كأن أصحو من سبات عميق، لا أرى شيئا، غير حلم يرتسم على مخيلة جافلة، صور تنمو في زاوية ما من ذاكرة ملتبسة، من قبيل تعويذة سحرية مرسومة على كاغد قديم، وعناكب تدب تحت جمجمتي تتعرش عقلي.
مرة أخرى ينبجس شيء، حفزني للمزيد من الصراخ، اهتزت عروق الجبال وأمطرت حمما حمراء، شعرت بعد هطولها بنشوة ولذة وهدوء.
هذا أول حلم رأيته منذ غابت زهرة أحلامي الوردية، كان فراقا مرا، عاشرت على رمسها رؤى نافرة وغامضة.
في البدء وجدت المكان خانقا، إلا أني سرعان ما اعتدت الحياة هنا على وحشيتها.
كائن لا أود أن أتذكر رسمه، كان يشدني إليه بحبل مفتول من نحاس.
حتى شببت عن الطوق وكسرت القيد، اخترقت جدار الحلم، كان دافئا وشفافا، ورطب الملمس فاتسع مجال الرؤية، ورأيت على امتداد بصري عالما متداخلا، أشبه بلوحة سوريالية، كل الذين أعرفهم رأيتهم، حتى الذين ادّعوا الحقيقة الواحدة والطبيعة الواحدة كانوا هناك على مقربة مني.
عملت راعيا لآلاف الأفاعي، أرعاها  بحماس، استمتع بحب سيدة المكان لي، شغفت بي، لدرجة أني عشت في كنفها كشيء لها.
سنوات طويلة, عشتها بين يديها، تحفني عنايتها إلى أن حدث شيء.
ذات عشي كعادتي أتسكع في المخزن، لفت نظري جسدا بضا لأنثى ترقد على أريكة من حجر، أتذكر تلك اللحظة غرة برج العقرب، حينها اغتنمت هدية الحظ؛ حللت قيدها بلهفة، أمضيت وقتا ممتعا معها، قبل أن تتسرب في أحد الصدوع كحشرة، خدعتني، بدت سعيدة برفقتي فأهملتها وندمت، ليتني خنقتها.
حكم القاضي علي بالحرق، لكن حين أخبره المستشار عن شيء ما، اكتفى بلعني، قذفوا بي مكبلا في نفق متفجر، عرج بي لأيام، أقاوم القدر حتى الفناء.

2- أحجية الخروج:

وجدْت نفسي مكوما بين رماد وركام، على فوهة بركان خامد، كستها الأشجار والحشائش الموسمية، محاطا بشبكة من جذور وجحور، اخترق بعضها جسدي، كنت حينها أشبه بكومة الحجارة.
تخلصت من أجزائي الصلبة، أقاوم بصعوبة، جائعا، ومتعبا، حتى وصلت في مساء بارد إلى مدينة لا تهدأ.
أتسلل بين جوادها، أتذرع بكفيّ لأستر سوأتي، هذا قبل أن أعرف ألا أحد يهتم بشأني، إذ كنت بلا لون أو هيئة، وليس لي  رائحة مميزة، بالمحصلة لم أكن مرأيا.
أراهم في مخادعهم، أقتحم عليهم أحلام النوم وخواطر اليقظة حتى القبيحات حققت رغبات أحلامهن.
سنوات من العبث، مرت بسلام حتى اكتشف الحراس اللعبة، وتحت وطأة السياط، هرعت للمقابر، كانت ملاذي الأخير.
كنت ألهث وأتألم عند بوابتها حين وجدت أنيس، منتبذا خمرا، يجرعه مرا، ابتاعه من حانة الأسى، حكايته أشبه بالخيال، قال وهو يحترق:
حين جئت إلى هذه التربة، صحبت الدراويش، أغلبهم رواد مقاهي وحوانيت غواية، لا شأن لهم إلا التصفيق لمن يمنحهم الفتات، ثم إن لهم عملا لا يستغنى عنه، بامتهانهم للنميمة، مضيت معهم حتى بالت الثعالب على آثارهم، نبَشتْها بعناية، حينها تهت بلا صحبة، إلى أن وجدت عملا هنا، أحرس ما تبقى منهم.

3- رؤيا الميلاد الثاني:

هذه الليلة كانت مختلفة، إذ كنت برفقة الشيخ، كان الطريق مضاء بقناديل تشتعل بزيت له رائحة زكية، يخيم الهدوء على المكان، بدا وقع خطواتنا في هدأة السحر متناسقا على طريق مرصوف بحجارة مشعة، تكاد تضيء، وكنت أرتعش من شدة البرد، أتدفأ بشعلة قنديل وأحاول اللحاق بصاحبي.
أناوله الصوت لاهثا، يا شيخ لا أرى أحدا في الأرجاء، همهم دون أن يلتفت، اصمت يا شقي، ألا ترى الثلج على حواف الرصيف، ألا تلمح آثار الأقدام مرسومة هنا، أنظر إن هذه المنازل مأهولة حتما، الآثار تفضح ما بداخلها، هذا أثر لرجل وامرأة وصبي أو صبية، انتهى عند الباب قبل دخولهم، اهدأ يا بني ودعني ألقي بك إلى عالمهم، عسى أن أجد أحشاء تتقبلك، لعلها تصلك بحياة عادلة، أنظر، سنتسلق هذا المنزل، حاول أن تمتنع عن ثرثرتك، أفهمت، ولكن يا شيخي هذا البيت يغط في ظلام دامس، يبدو مهجورا، زجرني ثانية بحزم، كان همه التخلص مني بأي وسيلة، يخشى أن أفسد بثرثرتي تدبيره لهذا الأمر، أشار بيده هامسا: ألا ترى تلك النافذة، نعم؛ إنها مفتوحة؟ وبسرعة البرق قفزنا معا إلى وسط الغرفة، وجدت نفسي أتخبط كقط بلا هدى، سحبني من ذيلي، وأوصاني بالوقوف هادئا، اختفى برهة ليعود مغموما، وغمغم: لم أجدها، ابحث عنها في منازل هذا الحي إن لم تحظى بها، فاختر لنفسك غيرها، ولم يغادر حتى رآني أغوص بمهارة مثل سمكة في بحيرة دافئة.
أخالط الدم والعظم، أنمو دون أن أستطيع التحكم في مصيري، أُدفع للعمر يوما بعد آخر من أيامي المعدودة، وما اكتفى المستقبل من قضمها، يا لتعاستي. 
سنوات ضئيلة مرت تخللها المرض والفقر والسأم وسأرحل قريبا عندما تحين اللحظة،  يموت المرء قبل أن يلمس غاية، يفنى وهو رهينة أوهام.. 
يا لدهشتي!
ما أبشع هذا!
كنت باحثا عن شيء ما، الإفلات من القدر مثلا أحوم على التخوم، وبعد أن أفلت مني الحلم، تركني وحيدا، أسلمني إلى سيرورة لا أستطيع الفكاك من دورتها حتى النهاية.. 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007