[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صور متكررة 
التاريخ:  القراءات:(345) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد إسماعيل زين  
* * *

حافلة الجمارك تمشي متراً وتتعثر أمتاراً , والشمس ترتفع وتطرد برداً رطباً لم تعرفه ( جدة) منذ زمن .

تنقلت ببصري بين السيارات المتزاحمة فرأيت الوجوه منتفخة وكل عين تكاد ترفع جفنا عن جفن .

في المسار المجاور حافلة أجرة ظن سائقها أن حافلتنا ستنافسه في لقمة العيش الصباحية .

سارت حافلتنا وأسرعت حافلة الأجرة المجاورة إلى رجل يقف على الرصيف يلوح لها بيده .

أوقفتنا الإشارة المرورية فعادت حافلة الأجرة إلى مزاحمة حافلتنا ، وزاد سائقها بالضغط المتواصل على آلة التنبيه .

أحد الزملاء قرر التخلص من مزاحمة سائق حافلة الأجرة وإزعاجه المتواصل لنا ، فأخرج رأسه من شباك حافلة الجمارك وبدأ يردد بصوت مسموع لكل المسارات : حي المطار الاثنين بريال , حي المطار الاثنين بريال. وفور وقوفنا للإشارة الحمراء ترجل ركاب حافلة الأجرة واتجهوا إلى حافلة الجمارك وسط ضحكاتنا ونظرات سائق الأجرة المتحسرة .

مدينة الحجاج تعج بالحركة الدؤوبة ، وقد اختلفت فيها الألوان والأشكال والألسن لموظفين ، ومعقبين ، وخدام لضيوف : أتوا من كل فج عميق لأداء شعيرة فرضت للاستطاعة , رغم الزحام والمناوبات: إلا أن الوجوه غدت مألوفة , فثمان ساعات من العمل المتواصل جعلت الأرجل لا تطيق الحركة من كثرة الوقوف .

زحام في كل مكان يزكم الأنوف بمختلف الأطعمة المجففة والغريبة .

كان زميلي يشتكي قلة العمل والخمول , أما الأيام الأخيرة للانتداب فقد جعلته كثير الاستئذان .. لحساسية في جيوبه الأنفية تفاقمت مع تعدد الروائح .

بين الزحام قدمت رحلة كان ركابها يحملون حقائب كبيرة بعضها ملابس والباقي مأكولات جلبوها معهم لموسم الحج .

قمت سألت أحدهم سمعته يجيد العربية : لماذا كل هذه الأطعمة ؟

فأجاب : لأنه لا يوجد في هذا البلد شيء غير الصحراء والخيمة والبترول !.

في زحمة الانتداب نسيت الأيام حتى لا تثقل عليّ سيرها , لكن لا أدري لماذا اليوم سألت عن التاريخ ؟! فقد مضت عشرون يوما دون أن أشعر بها .

وأهملت خلالها سبعة أيتام وأرملة في الرياض , وزوجة وبنتاً ستكمل غدا عامها الأول في جازان ، وحباً مازال له مكان في القلب يراودني كلما أحسست بالفراغ ...

حين رجعت للسكن ذهبت إلى مكتب الاتصالات ، وهاتفت الرياض , فعرفت أن أحد الأيتام لم يذهب إلى المدرسة لخمسة أيام متواصلة , وإدارة المدرسة تطلب حضور ولي أمره , ومدرسة الدروس الخصوصية تطالب أمهم بالأجرة الشهرية , ومصروف الشهر لم يتبقَ منه إلا ريالات معدودات ، وأنهيت المكالمة بعتاب غير صريح من شقيقتي الأرملة .

هاتفت جازان فكان هاتف أهل زوجتي مشغولاً لعدة محاولات . فهاتفت بيت شقيقتي الكبرى في جازان , فرحبت بسماع صوتي وأخبرتني بأن خادمتها التي على كفالتي تريد خروجاً نهائيّاً ، وقامت تحثني على سرعة الحضور , فأنهيت المكالمة بوعد إرسال وكالة شرعية باسم زوجها ليتكفل بإجراءات خروج الخادمة النهائي .

رجعت اتصلت ببيت أهل زوجتي , فردت زوجتي ، وأسمعتني وابلاً من الكلمات المتشنجة لتأخري عن الاتصال والاطمئنان على ابنتي ، ففقدت حرارة بث أشواقي لها .

بقيت صامتاً حتى امتصيت غضبها ، فأخبرتني : أن ابنتي بدأت تسير بخطوات متعثرة , وتردد بعض الكلمات بلثغة طفولية مبهجة , أسمعتني بعضها عبر سماعة الهاتف , فأنهيت المكالمة بوعد مني بالاحتفال بعام ابنتي الأول بعد عودتي من الانتداب .

في أقصى القلب ركن مازال فارغاً , يؤرقني يجعل مني إنساناً غير الذي أود !.

خرجت من مكتب الاتصالات الهاتفية , وركبت سيارتي فارتسم أمامي خيالٌ يراودني كلما شعرت بالفراغ العاطفي , أدرت المحرك ، ولكن الخيال ازداد وضوحاً أمام عيني ، دفعني إلى مكتب الاتصالات الهاتفية مرة أخرى برغم ما أجريته من مهاتفات أفرغت ما كان في جيبي من الريالات .

أمسكت سماعة الهاتف ، دعوت في نفسي أن تتعثر الخطوط ، ولكن أصابعي كانت أسرع من ذلك الرجل الذي كان يخبرني دائماً : بأنه قد تعثر مرور مكالمتي !.

الهاتف في الطرف الآخر يرن , وقلبي يدق بدقات افتقدتها منذ زمن ، وعادت إليّ الليلة ، فقلت لنفسي : ((سأمنحك أربع رنات ، وبعدها سوف أقطع الاتصال)) ، لكن الصوت جاءني مع نهاية الرنة الثانية دافئاً رقيقا جعل مني إنساناً غير الذي أود ...

قام الفراغ العاطفي يتضاءل شيئا فشيئاً في داخلي , وحاسوب مكتب الاتصال الهاتفية يسجل الثانية قبل الساعة ، والوقت يمضي : لدرجة أنني عدت إلى سكن الجمارك سائرا على قدمي .

خاتمة الصور : قال تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء) .

خاتمة الصور : قال تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء) .


المجموعة القصصية زامرُ الحيّ

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007