[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اليانصيب   قصة قصيرة معرّبة
التاريخ:الخميس 5 يناير 2017  القراءات:(294) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد فالح الجهني  
اليانصيب

بقلم- شيرلي جاكسون

تعريب – د. محمد فالح الجهني.

(كلية التربية – جامعة طيبة)

السابع والعشرون من حزيران، يوم صيفي، صباح مشمس ودفء منعش؛ الزهور نظرة والعشب أخضر. أهالي القرية يتوافدون إلى الساحة الواقعة بين مكتب البريد والمصرف حوالي الساعة العاشرة صباحا؛ بعض القرى والمدن الأخرى مكتظة بالسكان بحيث يستغرق اليانصيب يومين، الأمر الذي يستلزم أن يبدأ اليانصيب في السادس والعشرين من حزيران، أما في هذه القرية، حيث يقدر العدد بنحو ثلاثمائة فرد، لا يستغرق اليانصيب سوى ساعتين تقريبا؛ يبدأ في العاشرة صباحا وينتهي خلال ساعتين، سامحا للأهالي بالعودة إلى منازلهم وتناول طعام الغداء في موعده.

الصبية والصبايا، بطبيعة الحال، كانوا أول الوافدين إلى الساحة. الصيف قد حل مؤخرا والمدارس أغلقت أبوابها، والشعور بالحرية بعد تجاوز الامتحانات الصعبة تملك الغالبية منهم؛ لقد شرعوا في التجمع بهدوء في البداية قبل أن ينخرطوا في لعبهم الصاخب. حديثهم ما زال متعلقا بالفصول الدراسية والمعلمين والكتب والعقاب. يحشو بوبي مارتن جيوبه بالأحجار، ويحاكيه بقية الصبية في اختيار الأحجار الناعمة المستديرة؛ شيّد بوبي وهاري جونز وديكي ديلاكرويكس" – ينطقها القرويون "ديلاكروي"- في النهاية كومة من الأحجار في زاوية الساحة وأخذوا يحرسونها من مداهمات الصبية الأخرين. أما الصبايا فقد وقفن جانبا، يتحدثن فيما بينهن، ينظرن من فوق عواتقهن إلى الصبية، فيما كان الأطفال الأصغر سنا يتمرّغون في الغبار أو يتشبثون بسواعد اخوتهم الكبار.

توافد الرجال إلى الساحة، تفقدوا أولادهم، تحدثوا فيما بينهم عن الضرائب والحراثات والزراعة ومواسم الأمطار، وقفوا معا على مبعدة من كومة الأحجار، دعاباتهم كانت خافتة، اكتفوا بمجرد التبسم دون القهقهة. توافدت النساء على إثر رجالهن، بسترات وملابس منزلية باهتة، لحقن بأزواجهن وهن يتبادلن التحيات والقيل والقال. بعد قليل وقفت النساء بمقربة أزواجهن، نادين أولادهن الذين كانوا يستجيبون بتلكؤ وحاجة للنداء أربع أو خمس مرات. تملّص بوبي مارتن من قبضة أمه وفرّ متهللّا إلى كومة الأحجار. جهر والده بنداء حاد، فعاد الصغير سريعا وأخذ مكانه بين أخيه الأكبر وبين والده.

كان اليانصيب يُجرى بإدارة السيد سَمرز الذي يتمتع بالحيوية والقدرة على تكريس وقته لليانصيب وللأنشطة المدنية الأخرى في القرية كالرقصات التربيعية ونادي اليافعين وبرنامج عيد القديسين. كان السيد سَمرز مستدير الوجه، بشوشا، يدير تجارة للفحم؛ يأسى له الناس كثيرا إذ كان عقيما وذا زوجة سليطة. كان هنالك تذمر بين القرويين حين وصل السيد سَمرز حاملا ذلك الصندوق الخشبي الأسود. لّوح السيد سَمرز بيديه وهتف "تأخرّتُ اليوم قليلا يا جماعة". تبعه مدير مكتب البريد، السيد غرايفز، حاملا كرسيا ثلاثي الأرجل؛ وضع السيد سَمرز الصندوق الخشبي فوق الكرسي الذي نُصب في قلب الساحة. بقي القرويون في مواضعهم محافظين على مسافة بين كل منهم وبين الكرسي. هتف السيد سَمرز "ألا يساعدني أحدكم أيها السادة". تردّد الجميع حتى تقدم السيد مارتن وابنه الأكبر باكستر ليوطّدا الصندوق فوق الكرسي، بينما أخذ السيد سَمرز يخلط ويقلّب أوراق اليانصيب في جوف الصندوق.

فُقدت المستلزمات الأصلية لإجراء اليانصيب منذ مدة طويلة، وصار الصندوق الأسود، القابع الآن فوق الكرسي، قيد الاستخدام منذ وقت طويل، حتى قبل أن يولد وورنر العجوز أكبر قاطني القرية. تحدّث السيد سَمرز مرارا وتكرار للقرويين حول الحاجة إلى صنع صندوق جديد، لكن أي منهم لم يرغب أن يفسد عراقة تقاليد اليانصيب التي لا تتمثل بشيء أكثر مما تتمثل بالصندوق الأسود. هناك قصة تروى مفادها أن الصندوق الحالي مصنوع من بعض أجزاء الصندوق الذي سبقه، والذي صنع حين استُوطنت القرية لأول مرة. في كل عام وبعد اليانصيب يتكلم السيد سَمرز عن الحاجة إلى صندوق جديد لليانصيب، ولكن الموضوع يذهب كل سنة أدراج الرياح، والصندوق الأسود يزداد اهتراء عاما بعد عام؛ وأصبح اليوم أسخما متصدّعا بشكل سيء، وقد ظهر من صدع في أحد جوانبه لون الخشب الأصلي، بينما أمسى في جوانبه الأخرى باهتا متلطخا.

ثبّت السيد مارتن وابنه الأكبر باكستر الصندوق بعناية فوق الكرسي حتى تمكن السيد سَمرز تماما من خلط أوراق اليانصيب بيده. لقد نجح السيد سَمرز في السنوات الأخيرة في استخدام قصاصات الورق بدلا من شرائح الخشب التي استخدمت لأجيال، نظرا لأن كثيرا من طقوس اليانصيب نُسيت أو أهملت عبر الزمن. وقد برر السيد سَمرز ذلك بأن شرائح الخشب كانت مناسبة لليانصيب عندما كانت القرية صغيرة، ولكن الآن بعدما تزايد عدد السكان إلى الثلاثمائة، ومن المحتمل أن يستمر في التزايد، فقد كان من الضروري استخدام شيء آخر يلائم الصندوق الأسود. في الليلة السابقة لإجراء اليانصيب، كان السيد سَمرز والسيد غرايفز يجهزان قصاصات الورق ويضعانها داخل الصندوق، ليُحمل الصندوق بأوراقه إلى خزانة شركة السيد سَمرز للفحم، ويحفظ هناك حتى يصبح السيد سَمرز مستعدا لحمله إلى الساحة صباح اليوم التالي، أما بقية أيام السنة فإن الصندوق يحفظ بعيدا في مكان أو في آخر؛ لقد بقي الصندوق سنة في اسطبل للسيد غرايفز، وفي سنة أخرى كان يقبع تحت الأقدام في مكتب البريد، وفي سنة ثالثة بقي على أحد الرفوف في متجر للسيد مارتن.

لغط كبير سبق إعلان السيد سَمرز إجراء اليانصيب. كانت هناك قوائم معدّة تتضمن أسماء الأسر وأسماء أربابها وكل أفرادها. كان مدير البريد يعهد رسميا للسيد سَمرز كمسئول عن إجراء اليانصيب. يتذكر بعض السكان تراتيلا قديمة من نوع ما كان يؤديها المسئول الرسمي عن اليانصيب على هيئة نشيد غير ملحن تعوزه الحماسة، وقد ظل ذلك النشيد يتلى كاملا كل عام؛ ويعتقد بعض السكان أن المسئول الرسمي عن اليانصيب كان يقف بطريقة ما عندما يتلو النشيد أو يغنيه؛ والبعض الآخر يعتقد أن عليه أن يمشي بين الناس؛ ولكن عاما بعد عام أضحى ذلك الجزء من تقاليد اليانصيب نسيا منسيا. كان هناك أيضا طقس احتفائي يؤديه مسئول اليانصيب على هيئة مخاطبة رسمية مع كل شخص يتقدم للسحب من الصندوق، لكن ذلك الطقس قد تغير بدوره مع مرور الزمن، ليصبح اليوم مجرد كليمات يتبادلها مسئول اليانصيب مع كل شخص يقترب ليسحب ورقة يانصيب. كان السيد سَمرز في ذلك الصباح متميزا في كل شيء، بقميصه الأبيض النظيف وبنطال الجينز، وبإحدى يديه التي تسترخي على الصندوق، كان يبدو لائقا ومهما وهو يتحدث بلا انقطاع إلى السيد غرايفز وآل مارتن.

في اللحظة التي توقف فيها السيد سَمرز أخيرا عن الحديث والتفت إلى حشد القرويين، قدِمت السيدة هوتشونسون على عجل عبر السبيل المؤدية إلى الساحة، سترتها ملقاة على كتفيها، اتخذت مكانا في مؤخرة الحشد. قالت للسيدة ديلاكرويس التي وقفت إلى جوارها "لقد نسيت تماما أي يوم هذا. ظننت زوجي الهرم في الخارج يكوّم الحطب"، ثم ضحكتا معا لتستطرد السيدة هوتشونسون "وعندما نظرت عبر النافذة وإذا بالأولاد قد ذهبوا، تذكرت عندها أنه السابع والعشرين من حزيران فقدمت على عجل". جففت السيدة هوتشونسون يديها بإزارها، فقالت لها السيدة ديلاكرويس "لقد أتيتِ في الوقت المناسب، مازالوا يتحدثون بعيدا هناك".

تلعت السيدة هوتشونسون بعنقها إلى الحشد فرأت زوجها وأولادها يقفون قرب المقدمة، ثم شدّت على يد السيدة ديلاكرويس مودّعة وشقت طريقها خلال الحشد بينما أخذ القرويون يفسحون لها الطريق بلطف؛ قال شخصان أو ثلاثة بصوت كان كافيا لأن يُسمع عبر الحشد "ها قد حضرت السيدة هوتشونسون..ها هي زوجتك قد وصلت أخيرا يا بيل". وصلت السيدة هوتشونسون إلى زوجها، فقال السيد سَمرز مبتهجا بعد أن ظل ينتظرها "ظننت أننا سنضطر إلى البدء بغيابك يا تيسي"، فقالت السيدة هوتشونسون وهي تبتسم "بالتأكيد أنك لن تدعني أترك أطباقي في حوض الغسيل، والآن هيا يا جوي". عمت القرويين زهزقة بينما كانوا يعودون إلى الوضع الطبيعي بعد وصول السيدة هوتشونسون.

قال السيد سَمرز بجدية "حسنا والآن أرى أنه من الأفضل أن نبدأ، علينا أن ننتهي بسرعة ليتسنّى لنا العودة إلى أعمالنا. ألم يتغيب أحد؟"، ردّد عدد من الحضور "دَمبار، دَمبار، ..". تفحص السيد سَمرز قائمته وقال "كلايد دَنبار"، واستطرد "ذلك صحيح، لقد كُسرت ساقه، أليس كذلك؟" وأضاف "من سيسحب عنه؟".

هتفت امرأة "أعتقد أنني أستطيع السحب عن دَنبار". التفت إليها السيد سَمرز قائلا "الزوجة هي من تسحب عن زوجها" وأضاف "أليس لديك ولد راشد ينوب عنك يا جيني؟". وبالرغم من أن السيد سَمرز وبقية القرويون يعرفون الإجابة جيدا، إلا أن مثل هذا السؤال ليس إلا أحد واجبات مسئول اليانصيب وعليه أن يطرحه بشكل رسمي. انتظر السيد سَمرز بلطف واهتمام بينما تتهيأ السيدة دَنبار للإجابة. قالت السيدة دَنبار بأسى "هوراس لم يبلغ السادسة عشرة بعد"، وأضافت "لذلك أقدّر أنني سأنوب عن ذلك الرجل المسن هذا العام". رد السيد سَمرز "حسنا"، وسجّل ملاحظة في القائمة التي كان يحملها، ثم سأل "هل سيسحب ابن واطسون عنه هذه السنة؟".

رفع فتى طويل القامة يده قائلا "سأسحب لي ولأمي" وقد أومض بعينيه منفعلا مطأطأ رأسه، فيما ردّدت أصوات في الحشد أقوالا من قبيل "نِعم الرفيق جاك"، ومن قبيل "مبهج أن تحظى أمك برجل يقوم بالواجب". قال السيد سَمرز "حسنا.. أقدّر أن الجميع حاضرون هنا، حتى وارنر العجوز؟". هتف وارنر العجوز على الفور "نعم هنا"، فأومأ له السيد سَمرز.

سكون مفاجئ عمّ الحشد. تنحنح السيد سَمرز ونظر إلى القائمة وسأل "مستعدون؟" وأردف "الآن سأتلو الأسماء - أسماء الأسر أولا - ليتقدم أربابها ويسحب كل منهم ورقة من الصندوق. حافظوا على الأوراق مطوية في أيديكم دون النظر إليها حتى يأخذ كلٌ دوره.كل شيء واضح؟".

أدى القرويون طقوس اليانصيب مرات عديدة، لذلك لم يكونوا يستمعون جيدا للتعليمات الآن؛ معظمهم كانوا هادئين يلعقون شفاههم غير مكترثين بما يجري حتى الآن. رفع السيد سَمرز إحدى يديه عاليا وقال "أدامز". انفصل رجل من الحشد وتقدّم. قال له السيد سَمرز "مرحبا ستيف"، ليرد السيد أدامز "مرحبا جوي". تبادلا ابتسامتين جافتين حذرتين. دلى السيد أدامز يده في الصندوق الأسود والتقط ورقة مطوية، أمسكها بحزم من أحد أركانها وهو يتلفت ويعود على عجل إلى مكانه بين الحشد، ثم وقف متباعدا قليلا عن عائلته، ودون أن يلقي بمجرد نظرة إلى يده. واصل السيد سَمرز مناداة أسماء الأسر "ألين".. "أندرسون" .. "بينثام".

قالت السيدة ديلاكرويس للسيدة غرايفز وهما في آخر الحشد "كأنه لم يعد هناك زمن بين مراسم اليانصيب"، وأضافت "كأننا أجرينا يانصيب العام الماضي منذ أسبوع فقط". ردّت عليها السيدة غرايفز "بالتأكيد أصبح الزمن يمضي سريعا". كان السيد سَمرز يواصل نداء الأسر "كلاركس .. ديلاكرويس". قالت السيدة ديلاكرويس "ها هو عجوزي يتقدم"، وحبست أنفاسها بينما كان زوجها يمضي نحو الصندوق. بعد ذلك نادى السيد سَمرز "دَنبار"، فتوجهت السيدة دَنبار نحو الصندوق بثبات. قالت إحدى النساء "تقدمي يا جيني"، فردت عليها أخرى "ها هي ذاهبة".

قالت السيدة غرايفز "نحن اللاحقون"، كانت ترقب السيد غرايفز يقترب من الصندوق ويحي السيد سَمرز بصرامة ثم يسحب قصاصة. أصبح معظم الرجال الآن وبامتداد الحشد يحملون أوراقا صغيرة مطوية في كفوفهم العريضة، يقلبونها بقلق، وكذلك كانت السيدة دَنبار واقفة وولديها معا تحمل في يدها قصاصة من الورق. نادى السيد سَمرز "هربرت.. هوتشونسون"، فقالت السيدة هوتشونسون لزوجها "هُب يا بيل"، مما أضحك القريبين منهما. وواصل السيد سَمرز النداء "جونز".

قال السيد أدامز مخاطبا وورنر العجوز الذي كان يقف إلى جواره "يقولون أن أهالي القرية الشمالية يتحدثون عن هجر اليانصيب". أجابه وورنر العجوز ساخطا متذمرا "طغمة من الحمقى، أتستمع إلى حدثاء الأسنان هؤلاء ، لا شيء يجدي معهم، ستعرف أيضا أنهم ينوون العودة إلى حياة الكهوف، لا أحد يتمنى العودة والعيش بتلك الطريقة ولو للحظة، لقد ظلّت مقولة مأثورة، اليانصيب في حزيران لتزدهر الذرة في أقرب أوان

- 1 -
، أنت تعلم قبل كل شيء أننا نتناول كل أطباقنا مطهية مع الذرة"، وأضاف وورنر العجوز بجهامة "لذلك لابد أن يكون هنالك يانصيب كما يجب، يكفينا سوءا اليوم أن ترى السيد سَمرز الصغير يتضاحك مع الناس هناك".

علقت السيدة أدامز "ولكن في بعض الأماكن قد أقلعوا بالفعل عن إقامة اليانصيب". رد عليها وورنر العجوز بغضب "ليست إلا فظاعة منهم، طغمة من الحمقى حدثاء الأسنان". واصل السيد سَمرز مناداة الأسر "مارتن". شاهد الناس بوبي مارتن يتقدم. وتتواصل الأسماء "أوفردايك.. بيرسي". قالت السيدة دَنبار لابنها الأكبر "أتمنى أن يسرعوا.. لعلّهم يسرعوا"، رد ابنها "لقد انتهوا تقريبا"، ردت عليه "تهيأ إذا لتخبر والدك".

نادى السيد سَمرز على اسم عائلته هو، ثم تقدم خطوات للأمام، وسحب قصاصة من الصندوق بحرص، ثم واصل نداء الآخرين. نادى السيد سَمرز "وورنر". ردّد وورنر العجوز وهو يعبر الحشد نحو الصندوق "لسبع وسبعين عاما وأنا أشارك في اليانصيب.. لسبع وسبعين مرة". واصل السيد سَمرز مناداة أسماء الأسر.. "واطسون"، فتقدم فتى طويل القامة مرتبكا عبر الحشد، قال له أحدهم "لا تقلق يا جاك"، وكذلك هدأه ّالسيد سَمرز "خذ وقتك يا ولدي". واصل السيد سَمرز مناداة الأسماء "زانيني"..

ثم كانت فترة توقف حُبست خلالها الأنفاس، حتى حمل السيد سَمرز قصاصة ولوّح بها في الهواء قائلا "حسنا يا رفاق"، ولبرهة من الزمن تجمّد الجميع في أماكنهم. فُضّت جميع قصاصات الورق المطوية في الأيادي. فجأة وفي لحظة واحدة بدأت النساء الملهوفات بالعجيج "من هم؟"، "من رَزأ بها؟"، "هل هم آل دَنبار؟"، "أم هم آل واطسون؟. ثم أخذت الأصوات تتحد وتردد معا "إنهم هوتشونسون إنهم بيل..بيل هوتشونسون لقد رَزأوا بها". في هذه اللحظة قالت السيدة دَنبار لولدها الأكبر "انطلق وبلّغ أباك".

تطلع القرويون ليروا عائلة هوتشونسون. كان بيل هوتشونسون مطرقا بصمت، يحملق مذهولا في الورقة بيده. فجأة صرخت تيسي هوتشونسون إلى السيد سَمرز "أنت لم تعطه الوقت الكافي ليختار الورقة التي أراد، لقد رأيتك. هذا لم يكن عدلا على الإطلاق!". صرخت بها السيدة ديلاكرويس "لتكن روحك رياضية يا تيسي"، وكذلك قالت لها السيدة غرايفز "جميعنا قد أخذ نفس الفرصة". أخيرا نهرها زوجها "اخرسي يا تيسي".

قال السيد سَمرز "حسنا أيها الحاضرون، لقد مرت معظم الأمور سراعا، وعلينا أن نستعجل قليلا لنتمّها في وقتها". تفحّص السيد سَمرز قائمة أخرى جديدة، ثم قال "بيل أنت ستسحب عن عائلة هوتشونسون، هل لديك أفراد آخرين في آل هوتشونسون؟". صرخت السيدة هوتشونسون "هناك الفتاتين دون وإيفا دعهما تأخذان فرصتيهما!". رد عليها السيد سَمرز بلطف "البنات يسحبن مع عوائل أزواجهن، وأنتِ تعرفين ذلك كأيٍ منّا يا تيسي". ردت السيدة هوتشونسون "هذا ليس عدلا!".

قال السيد هوتشونسون متأسفا "أنا لا أرى ذلك يا جوي"، وأضاف "ابنتاي سحبتا مع عائلتي زوجيهما، وهذا منتهى العدل، ليس لدي افراد عائلة الآن سوى أولادي". أخذ السيد سَمرز يؤكّد لبيل هوتشونسون "المسئول عن السحب للعائلة هو أنت، وكذلك المسئول عن السحب لرب العائلة هو أنت أيضا؛ صحيح؟". رد بيل هونشونسون "صحيح". سأله السيد سَمرز "كم عدد أولادك يا بيل؟". رد بيل "ثلاثة؛ بيل الابن، ونانسي، ودايف الصغير وتيسي وأنا". عندئذ قال السيد سَمرز للسيد غرايفز "حسنا، هلا استعدت تذاكرهم يا هاري؟".

أومأ السيد غرايفز برأسه ثم جمع قصاصات عائلة هوتشونسون. وجّهه السيد سَمرز "ضع القصاصات في الصندوق وكذلك ورقة بيل". قالت السيدة هوتشونسون بكل ما استطاعت من تؤدة "أعتقد أنه يجب علينا أن نبدأ من جديد.. لقد أخبرتك أنه لم يكن عدلا ألبته. إنك لم تعطه وقتا كافيا ليختار. الجميع شهد ذلك". اختار السيد غرايفز القصاصات الخمس الخاصة بعائلة هوتشونسون ووضعها داخل الصندوق، ثم رمى بقية القصاصات على الأرض ليحملها النسيم بعيدا. كانت السيدة هوتشونسون تردد للناس من حولها "اسمعوني جيدا، اسمعوني.."، لكن السيد سَمرز سأل زوجها بيل "هل أنت جاهز يا بيل؟"، فأومأ بيل هوتشونسون بالإيجاب وهو يلقي نظرة خاطفة على زوجته وأولاده.

قال السيد سَمرز مخاطبا أسرة هوتشونسون "تذكروا، كل منكم يأخذ قصاصة ويبقيها مطوية في يده حتى يأخذ كل فرد منكم قصاصة، هاري ساعد دايف الصغير". اقتاد السيد غرايفز الولد الصغير الذي انقاد له طواعية حتى وصلا إلى الصندوق. قال السيد سَمرز للصغير "خذ ورقة من الصندوق يا دايفي". وضع دايف الصغير يده في الصندوق وهو يضحك. أمره السيد سَمرز "خذ ورقة واحدة"، ففعل، ثم وجّه السيد سَمرز السيد غرايفز"خذ الورقة من يد الصغير يا هاري". أخذ السيد غرايفز بيد الصغير واستخرج ورقة مطوية من قبضته ورفعها في الهواء في الوقت الذي كان الصغير يقف إلى جواره ضاحكا متعجّبا.

قال السيد سَمرز "الآن دور نانسي". كانت نانسي في الثانية عشرة من عمرها. حبست زميلاتها أنفاسهن بينما كانت نانسي تخطو إلى الأمام وهي تقبض على تنورتها. سحبت نانسي ورقة من الصندوق بكل أناقة. نادى السيد سَمرز "الآن دور بيل الابن". تقدم بيلي ذو الوجه الأحمر بخطوات واسعة وكاد أن يسقط الصندوق وهو يأخذ ورقة منه. ثم نادى السيد سَمرز "الآن دور تيسي". ترددت تيسي لوهلة وهي تتلفت حولها على نحو ما، ثم زمت شفتيها وتوجهت نحو الصندوق. انتزعت ورقة من الصندوق وأمسكت بها خلف ظهرها.

أخيرا قال السيد سَمرز "دورك بيل الآن". وصل بيل هوتشونسون إلى الصندوق وأدخل يده فيه، وأخرجها تحمل قصاصة من الورق. كان الحشد هادئا. همست فتاةٌ "كم أتمنى ألا تكون نانسي"، لكن صدى همسها وصل إلى أطراف الحشد. قال وورنر العجوز بسفور "اليانصيب لم يعد بالطريقة المعهودة، وكذلك الناس لم يعودوا كما هم". جهر السيد سَ بصوته مرز "افتحوا الأوراق. هاري عليك أن تفتح ورقة دايف الصغير".

فتح السيد غرايفز قصاصة الورق التي كانت بيد الصغير، فتنفس الحشد الصعداء وهو يرفع الورقة بحيث تأكد الجميع من أنها خالية. كذلك فتح كل من نانسي وبيل الابن ورقتيهما في نفس الوقت فابتهج كل منهما ضاحكا عائدا إلى الحشد حاملا قصاصة الورق فوق رأسه. قال السيد سَمرز "دورك يا تيسي". بقيت ساكنة للحظة، فصرف السيد سَمرز نظره إلى زوجها. فض بيل هوتشونسون ورقته وعرضها؛ لقد كانت خالية أيضا. عندها قال السيد سَمرز "إنها تيسي"، وأضاف بصوت خافت "أرنا ورقتها يا بيل".

توجه بيل هوتشونسون إلى زوجته وانتزع قصاصة الورق من يدها انتزاعا. لقد كانت القصاصة تحوي البقعة السوداء التي رسمها السيد سَمرز بقلم رصاص ثقيل في الليلة السابقة لليانصيب في مكتبه بشركة الفحم. رفع بيل هوتشونسون الورقة فسادت ضجة بين الحشد. قال السيد سَمرز "حسنا أيها الناس، دعونا ننهي الأمر حالا".

رغم أن القرويون قد نسوا كثيرا من طقوس اليانصيب، وأضاعوا الصندوق الأسود الأصلي، إلا أنهم ظلوا يتذكرون استخدام الأحجار. لقد أصبحت كومة الأحجار التي جمعها الصبية أول النهار جاهزة، فضلا عن أحجار أخرى ملقاة على الأرض علقت في خلالها قصاصات الورق المتطايرة من الصندوق. اختارت السيدة ديلاكرويس أضخم حجر أمكنها أن تحمله بكلتا يديها والتفتت إلى السيدة دَنبار تحثها "هيا تعالي.. هيا أسرعي". ملأت السيدة دَنبار كلتا يديها بأحجار صغيرة وقالت بأنفاس لاهثة "أنا لا أستطيع الركض، على كل، تقدموا وسألحق بكم".

حمل الصبية والصبايا الأحجار، حتى أن أحدهم قد أعطى دايف الصغير بعض الحصيات. أصبحت تيسي هوتشونسون الآن في قلب مساحة مكشوفة وسط الساحة، تلوّح يديها بفزع ويأس فيما كان جميع القرويون يتوجهون إليها وقد غصّت أيديهم بالحجارة. ظلت تردد "ذلك لم يكن عدلا! لم يكن عدلا! لم يكن عدلا!..". شجّ حجر أحد جانبي جمجمتها. حث وورنر العجوز الناس "هلموا.. هلموا جميعا..". كان السيد ستيف أدامز في مقدمة الحشد بجوار السيدة غرايفز. تجأر السيدة هوتشونسون بهلع "هذا ليس عدلا! هذا ليس عدلا!" بينما انقضّ عليها القرويون.

___

- 1 -
هذه العبارة (المقولة المأثورة) تمثل جوهر القصة، وقد وردت مموسقة في النص الإنجليزي: "Lottery in June, corn be heavy soon"، فجرت محاولة تعريبها على النحو أعلاه، حفاظا على موسيقى العبارة، مما دعا إلى استخدام مسمى حزيران بدلا من مسمى يونيو في هذا النص العربي (المعرّب).


طوفان من رسائل القراء الغاضبة انهال على مجلة النيويوركر The New Yorker عندما نشرت القصة القصيرة "اليانصيب" The Lottery في السادس والعشرين من يونيو عام 1948م، للكاتبة الأمريكية شيرلي جاكسون Shirley Jackson (1916 -1965م) ومطالبات عديدة للكاتبة بتوضيح الحالة الغريبة للقصة التي أثارت استياء الأفراد والمنظمات أيضا، فقد حضر اتحاد جنوب أفريقيا السابق نشرها وتداولها. إلا أن القصة ومع مرور الزمن أصبحت من عيون الأدب الإنجليزي والأمريكي تحديدا حتى صارت من مقررات المدارس الثانوية في مناهج القراءة، ومازالت مدار العديد من الدراسات الأدبية والنقدية.

تدور أحداث القصة في قرية أمريكية خيالية في القرن العشرين الميلادي، ولعل هذا مبعث الاستياء، تحيي طقوسا غريبة ليانصيب مقلوب، بإسقاطات عديدة تتمثل في الحظ والنصيب والقرابين البشرية والرجم والتراتيل وكوارث الخضوع للخرافة والتقاليد المتوارثة دون فحص أو تدقيق فضلا عن الربط الخرافي بين السبب والنتيجة؛ ولعل هناك رمزية أخرى بتأريخ اليانصيب بالسابع والعشرين من يونيو وهو اليوم التالي لتاريخ نشر القصة.

من الناحية الفنية يبدو النص متماسكا متآزرا خاليا من أي كلمة زائدة كما يصعب حذف كلمة منه، وبإيحاءات أسطورية تحملها معظم أسماء شخصيات القصة. أما حبكة القصة فتبدأ من الصباح الوديع بشروقه ودفئة وزهوره وعشبه ونقاء الصبية وهم يجمعون الأحجار في ذلك الصباح لينتهي بوجه وتفسير آخر لتلك المظاهر، وتصل الحبكة ذروتها عندما يصرح أكبر سكان القرية بالعقيدة الكامنة خلف اليانصيب.

القصة أذيعت مرات كثيرة بالراديو ومثلت على خشبة المسرح مرات أكثر، كما قدمتها شاشة التلفزيون في فيلم تلفزيوني قصير أنتجته دائرة المعارف البريطانية Encyclopedia Britannica عام 1969م ضمن أحدى سلاسل أفلامها التعليمية Short Story Showcase ، ورغم قصر ذلك الفيلم التلفزيوني إلا أنه ينقل المشاهد إلى أجواء اليانصيب المخيفة القاتمة سواء في المناظر أو في الشخوص وملامحها أو حتى في خلو الفيلم من الموسيقى التصويرية، لكن هناك فيلم طويل أنتج وقدم بتصرف كتتمة وإضافات موسّعة للقصة عام 1996م ليحصل على جائزة ساتورن Saturn Award التي تمنحها سنويا أكاديمية الخيال العلمي بالولايات المتحدة The Academy of Science Fiction كأفضل فيلم رعب لعام 1997م.

المعرّب.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007