[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
البوابة الكبيرة  
التاريخ:الأربعاء 5 ابريل 2017  القراءات:(794) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مياسة النخلاني  

جلس على رصيف الشارع، يراقب حركة السيارات، الشمس تشق طريقها إلى كبد السماء بعناد، وفي طريقها تصب على رأسه الصغير حمم سطوتها، مسح جبينه المتعرق بكم قميصه.

بمجرد توقف السيارات ، إذعانا للإشارة الحمراء، حمل ما معه وجري إلى وسط الشارع، يلوح بالمناديل الورقية وزجاجات الماء البارد من نوافذ السيارات المتوقفة على عجل.

"ابتعد من هنا".

قالها باحتقار الرجل الجالس خلف مقود سيارة أكل منها الزمن وشرب ، وبمجرد أن تغيرت إشارة المرور للون الأخضر، ألقى ببعض الشتائم وانطلق مبتعدا.

"وغد!" رددها في أعماقه وهو يبتعد عن وسط الشارع ، وضع بضاعته جانبا وراح يشتت غضبه بمراقبة ما حوله في محاولة يائسة منه لابتلاع غصة تأبى أن تغادر حلقه.

فتح أحد أكياس المناديل، أخرج منها المناديل البيضاء الواحد تلو الآخر، مسح بها جبينه، ووجهه، ويديه، أمسك بآخر منديل، فرده وغطى به وجهه ليترك المجال لدموعه التي عجز عن حبسها أكثر ، عندما تعب من البكاء نظف أنفه ورمى بالمنديل جانبا.

شغل نفسه بتتبع المارة، رفع إصبعه الصغير وأخذ يعدهم، وكلما أخطأ بالعد أعاد الكرة مجددا.

"ماذا تفعل عندك يا صغيري؟!" تنامى إلى سمعه تساؤل حنون قبل أن يصل إلى العدد مائة بثلاثة أرقام: "كنت آخذ استراحة من العمل" رد وهو ينفض الغبار العالق به، طالع الرجل الذي جثا على ركبتيه وهو يقول :"اقترب مني يا صغيري"

ودون أن ينبس ببنت شفة رمى بجسده الصغير في الذراعين المفتوحين كغيث السماء البارد، سحب نفسه أخيرا وحدق في وجه الجالس أمامه:

"أبي لماذا تركتني ورحلت بعيدا... لماذا؟!" خرجت الكلمات من حلقه متحشرجة

طبع والده قبلة طويلة بين عينيه، وأخرى على جبينه، وثالثة على خده، أمسك بيديه الصغيرتين، ومسح راحتيهما المتشققة ، طبع عليهما قبلة ممزوجة بالدموع، وقال وهو يعاود ضم صغيرة إليه:

" كم كبرت يا صغيري خلال العامين اللذَينِ أعقبا فراقي لكم"...

كان دفء حضن الوالد كفيلاً بإزاحة الغصة التي استوطنت حلق الصغير بعد الإهانة التي تلقاها قبل لحظات من الرجل

" أعلم جيدا أنك ستتخطى كل هذا، فأنت رجل يعتمد عليه، لا تدرك كم أنا فخور بك الآن، وسأظل كذلك" قال الوالد وهو يضغط على يديه

هز رأسه بسعادة وهو يرتمي مجددا في حضن والده.

"ابتعد من هنا، فهذا المكان يخصني"

فتح عينيه بصعوبة بالغة، محاولا تبين ملامح وجه صاحب الصوت الغاضب الذي أخرجه من حلم جميل، ودون أن يرد بكلمة واحدة لملم حاجياته، وغادر مسرعا يلوح بها من نوافذ السيارات قبل أن تختفي الإشارة الحمراء مجددا.

وبعد يوم شاق اشترى لوالدته وأخيه الصغير طعام العشاء، وعاد للبيت وشعور غامر بالسعادة والأمان يستوطن قلبه، فلا يزال دفء حضن والده يعبث بنبض قلبه عبثا جميلا.

وككل مرة توقف عند البوابة الكبيرة، تجاوزها وهو يأخذ نفسا عميقا، وعلى بعد خطوات منها من الداخل، جثا على ركبتيه وراح يمسح اللوح النظيف، وبوقار قرأ الكلمات المكتوبة على اللوح.

محمد سعيد قاسم

تاريخ الوفاة 12/7/1987

صمت لوهلة قبل أن يكمل بصوت باك "أشتاق إليك كثيرا يا أبي"

ليحمل له الصمت ونسيم المساء البارد صوت أبيه الحنون، وهو يخبره بأنه يشتاق له أكثر.

أخبره بكل ما حصل له خلال يومه بكلمات صامتة، وقبل أن يحل الظلام غادر المكان بهدوء كما دخله بهدوء..

كان صباحا جميلا حين أخذ يطوي شوارع المدينة التي غادرها منذ أكثر من عشرين عاما، أوقفته الإشارة الحمراء، ولم يكد يفعل حتى وقف بجانب سيارته طفل صغير يعرض عليه زجاج ماء بارد ، اشتراها منه، وقبل أن ينصرف الصغير ناداه:

"هل تشعر بالعطش"؟!

أومأ له الصغير بالإيجاب ، فأعاد له الزجاجة، وطلب منه أن يعتبرها هدية منه، ثم حيا الطفل وانطلق مبتعدا تشيعه نظرات امتنان من الصغير الذي تسمر مكانه، وهو يضم زجاجه الماء إلى صدره وكأنه يحضن صديقا عزيزا على قلبه.

وبعد وقت ليس بالطويل أوقف سيارته أمام البوابة الكبيرة، وقف مليا وتطلع في المكان الذي تغير كثيرا منذ أن زاره آخر مرة.. تجاوزها ومشى بخطوات حذرة، وكأنه يخشى أن يزعج النائمين بزيارته غير المتوقعة، وبعد لحظات أزاح بيده التراب الذي تراكم على شاهد قبر والده :

"اشتقت إليك كثيرا يا أبي" قالها وأنصت باهتمام، فإذا بالصمت يحمل له صوتا زادته الأيام دفئا وهو يخبره عن مدى شوقه له وامتنانه، لأنه لم يخيب ظنه به، ابتسم وهو يستحضر حضن والده الدافئ، وسريعا امتزج نشيجه بسكون المكان.

انتهى

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007