[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عمود العلّم 
التاريخ:  القراءات:(62) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فتيحة قصاب  
اندحر العساكر الفرنسيون من الثكنة بالحي الذي يقطنه "ديدي عليلو" وتحوّل مكانها لساحة للعب الأطفال يتوسّطها عمود العلم.

ديدي عليلو هو لقب أطلقه فتيان الحي على السيد "علي" أيام شبابه إبّان الاحتلال الفرنسي لبلده وهو الآن يشارف السبعين حيث أحنت السنون ظهره وأثقلت مشيته، وبقي هذا اللّقب ملتصقا به بعد الإستقلال.

اشتهر السيد علي إبّان الإحتلال الفرنسي بتقديم خدماته والتي لاتتعدى غذاءا ساخنا شتاءا أومياه باردة صيفا للعساكر الفرنسيين بالثكنة المقابلة لبيته، مع رفع العلم الفرنسي وتحيته مكرها كل صباح.

لم تتحمّل زوجته ذلك الوضع فنعتته بالخائن وحملت أبنائها ورحلت عنه وتركته وحيدا..

اضطرّ ديدي عليلو للزواج ثانية من أخرى فوقع اختياره على فاطمة التي كانت تعمل كخادمة ببيوت المعمّرين وشاء القدر أن لايرزقا بأطفال لأنّ زوجته الثانية كانت عاقر، فعاشا وحيدين في بيتهما الواسع...

يخرج ديدي عليلو صباحا مع شروق شمس الحريّة دافعا عربته المحمّلة بالكعك الساخن لبيعها في السوق وتقضي فاطمة نهارها متنقلة بين بيوت جاراتها ترتشف قهوة ساخنة عند هذه وتأكل فطيرة عند تلك...

الغروب هو وقت أوبته دافعا بعربته التي خفّت من حملها عدا بعض المتبقيات تركها لزوجته...

وهو يتقدم بها نحو بيته رويدا رويدا إذ بفتيان الحي يلمحونه فيطلقوا العنان لتصفيقاتهم وهتافاتهم ككلّ مرّة:

ديدي عليلو..! ديدي عليلو..!

وهم يهتفون ويصفقوق و يشيرون بسبابتهم إلى عمود العلم في إشارة لماضيه الأسود، يدفع الرجل عربته بقوة أكثر متظاهرا بعدم اكتراثه لهم...

لفّه الفتيان من كلّ جانب فوجد ديدي عليلو نفسه محاصرا، واقفا كمتهم بقفص الإتهام دون أن ينبس ببنت شفة، عاجزا عن الدفاع عن نفسه ولو بحركة من يده.

وصل بيته وسط هذه الهتافات فخرجت زوجته فاطمة والشرر يتطاير من عينيها، حملت بعض الحجارة وقذفتها على الفتيان فرّقت بها جمعهم وساعدت زوجها على دفع العربة إلى ساحة البيت.

ألقى ديدي عليلو بجسده المنهك على حصير بال متأوّها، مستحضرا ذكرياته مع عمود العلم اللّعين، هو لم يكن بحاجة ليذكروه به، فقلبه يعتصر ألما والنّدم يأكله أكلا كلّما وقع بصره عليه أو جاء ذكره أمامه.

مرّ شريط الذكرى بمخيّلته فشعر بالأسى والحسرة على عائلته التي فقدها فأخرج تنهيدة من صدره تلتها دمعة ساخنة سخية تفرّقت بين تجاعيد خدّه...

لم يفكر السيد علي يوما في خيانة وطنه لكن الشجاعة فقط هي التي خانته فهو لم يرفع العلم على ذلك العمود ويحيّيه إلاّ مجبرا خائفا..

دفع الرجل الثمن باهضا لقاء استسلامه للخوف، لقد خسرعائلته واحترام الناس له وأصبح محلّ سخرية الجميع...

وافته المنية بعد بلوغه الثمانين وبقيت زوجته فاطمة وحيدة بلا سند...

أدّى سكان الحي واجبهم نحوه بإكرامه بالدفن وحوّلت زوجته القسم الأكبر من بيتها للإيجار واحتفظت بغرفة لنفسها، وبعد بضع سنوات أصيبت بمرض الزهايمر واستغنت عن تلك الغرفة حيث أصبح الشارع مأوى لها والرصيف سريرها

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007