[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حـــرب العقـــارب حــرب العقــارب - عبدالعزيز الرواف
التاريخ:  القراءات:(225) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد العزيز الروَّاف  
خصلات شعره الأسود الفاحم تنسدل على كتفيه، لم تتأثر بسنوات العمر، تحتفظ بلونها ورونقها كما هي، منذ أن كان طفلا يحبو، وصبيًّا يلهو، وشابا يعتمل قلبه بتباين المشاعر.

أوقفته ذات يوم عجوز من قريته، كانوا ينادونها بالجدة، رغم أنها لم تنجب ابنا واحدا، أخبرته إنه ورث سواد شعره وانسداله عن والدته، أضافت مع قهقهة مبحوحة، أمك ملكت قلوب الرجال، وحسد النساء، بسبب شعرها الفاحم، وزادته الجدة من صندوق أسرارها، بأن بنيان جسده القوي ورثه عن والده، وبنظره فاحصة بعينيها الغائرتين أضافت .. إنك محظوظ يا بني، فقد اكتسبت افضل شيء في كل منهما !.

لم يثر فيه كلام العجوز أي شعور، فهو لم يجرب حنان الأم، ولم يدرك قيمة الأب، لا يتذكر أي شيء عنهما، قيل له أن والده توفي حين حملت به أمه، وبعد شهور من ولادته لحقت أمه بأبيه، نسى كل شيء عن الجدة بمجرد أن غادرت دنياهم، لأنه ببساطة لا يدرك كنه مشاعر الفقد.

حين كان صبيا، أجبره أقرانه على الابتعاد عنهم، كانوا يفضلون شيئاً واحداً حين يشاهدونه، شد ذوائب شعره، ويهربون كجراء مذعورة، لذلك فضل مراقبتهم عن بعد، وبعد أن يعود كل الأطفال إلى منازلهم، كان يظل وحيدا، يجلس على عتبات البيوت المؤصدة، ينتظر دعوة أحدهم إلى منزله، فيتناول عنده بقايا طعام، ويخلد للنوم على طرف فراش.

هكذا كانت دورة حياته اليومية، وبسببها نما لديه حَسدٌ لكل طفل ينام في حضن والدته، أو يتلقى حماية والده، وازداد هذا الشعور قوة، في الوقت الذي تنامت فيه قوة جسده.

تقدم في العمر، تغيرت تفاصيل حياته، ازداد شعر رأسه سوادا، وطوله انسدالا، وجسده قوة واتساقا، ومع ادراكه لقيمة هذين الشيئين، حرص على ابرازهما أمام الآخرين.

أضحت حياته محصورة بين العناية بشعره الفاحم، وبين ما يعتمل في نفسه من تفحم مشاعره، تمر حياته على نفس الوتيرة، لم يعد يعنيه اعجاب الآخرين بما يملك، كما أن شكله صار أمرا معتادا لدى الناس، فقط تصاعد شعور الكراهية داخله، وتحول صدره لمخزن حقد كبير.

في احدى الليالي استيقظ مذعورا، خًيِّل إليه ان عقربا اسودا، خرج من بين خصلات شعره، بعينين نصف مغمضتين، وبيدين واهنتين مسح شعره، أيقن بعدها أن ما شعر به لا يعدوا كونه أضغاث أحلام سوداء.

في الصباح تذكر العقرب السوداء، ازداد حنقه على البشر، مُحَدِّثاً نفسه بيقين، بأن تلك العقرب ماهي إلا نواياهم القذرة تجاهه .. خرج إلى الشارع، لا يدري ماهي وجهته، ولا يعرف هدفاً محدداً له، شعره الأسود يبعثره الهواء في كل الاتجاهات، وأفكاره السوداء تتبعثر بالتفاسير الحاقدة.

شعر بشيء ما يجري على رأسه، توقف عن السير، وتوقفت أفكاره عن الجريان، تلمس بكلتا يديه رأسه، خَلَّلَ فروة رأسه بأصابعه، لا شيء، صب اللعنات على البشر، ومضى مُجداً في سيره.

وصل لشاطئ غير بعيد، استلقى على احدى الصخور، هاجس العقارب سيطر عليه، تترآى له ؛ وكأنها تخرج من جمجمته، وتندلق مع خصلات شعره، شعور غريب اعتراه، وتملكه خوفٌ على غير عادة، نهض بتثاقل من على الصخرة، حرك الهواء شعره أمام عينيه، حاول ابعاد الشعر عن وجهه، ترآءت له عقرب سوداء متمسكة بأطراف شعره، أعاد تحريك رأسه، ثم عاد للعن البشر مثل كل مرة، وقفل راجعا لمنزله.

في تلك الليلة لم يستطع النوم، كانت تطارده تلك العقارب السوداء، غلبه النعاس، لكنه سرعان ما عاد لليقظة من جديد حين تسلل جيش من العقارب غابة شعره، انتصب واقفا، وأعاد صب لعناته على البشر.

صارت جيوش العقارب تتحداه بكل وضوح، ليس في نومه فقط بل صارت تترآى له بيقظته، يداه لا تكفان عن تخليل شعره، صار المحيطون به يتجنبون سؤاله، وأيضا لعناته التي يوجهها لهم.

لم يعد يفكر في شعره الفاحم المتماوج، ولا في اعجاب الناس به، لذلك قرر في أحدي الليالي أن يحلق شعره، فربما خلصه هذا الفعل من جيش العقارب، بدأت خُصلات شعره تتساقط عند قدمية، صارت رأسه كصحراء قاحلة.

خلد للنوم موقنا بهزيمة جيوش العقارب، بعد دقائق من نومه، شعر بها مجددا تخرج من وسط راسه، ثم تعود لنفس المكان، وبنفس السرعة، صار قاب قوسين أو أدنى من الجنون.

أوهنت حرب العقارب عقله، وأصاب النحول جسده، انتهت كل مقومات الإعجاب به، فَقَدَ ادراكه بالزمان وحيز المكان، تكوم عند جدار متهالك، شاهد جسد الجدة العجوز ينتصب أمامه، صوتها الواهن يطرق مسمعه، مد يديه مستنجداً بها، تلاشت صورتها، صوتها يناديه، نظف رأسك من داخله ستغادره العقارب .. نظف رأسك من داخله ستغادره العقارب !.

طبرق – 24-04-2016

....

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007