[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رغبة ماكرة رغبة ماكرة
التاريخ:  القراءات:(105) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سعود آل سمرة  
* * *

كنت ملتصقاً بالسقف بالمقلوب، أتشبث فيه بمخالبي، لو رأيتني لحسبتني جزءاً منه، لم أكن خائفاً من السقوط، بقدر خوفي من انكشاف وجودي، أعلم كم الكراهية المغروسة في نفوسهم تجاهي، ولذلك أحرص على الاختباء بعيداً عن الأعين، بين شقوق السقف غالباً، حيث تتداخل الألوان بين الأحمر والأخضر والبني والأسود، حيث تصنع فوضى الألوان متاهة بصرية توفر لي شيئاً من التمويه، يضفي نوعاً من الحماية.

* * *

تداخل الألوان بهذا الشكل يقلل من التكرار المؤلم للتلون من أجل التأقلم مع الحياة القاسية هنا، باستثناء اللون الأبيض الذي أجدني عاجزاً عن التأقلم معه، أكتفي بالتواجد فيه حين يدلهم الظلام

* * *

أحب هذه الأماكن أكثر من غيرها، لأنها تمنحني مزيداً من الحرية في التنقل بين الظاهر والباطن، أحياناً أخرج إلى السطح، حيث البراح، والهواء النقي وإمكانية التسلط على الحشرات، أفعل هذا غالباً في المساءات المعتدلة، بينما أقضي الأوقات الأكثر سخونة بالداخل، أرتاح من مشكلة التغيرات المناخية المفاجأة، مستمتعاً بأحلام يقظة، أغلبها يتوقف بشكل مفاجىء، دون نهايات مرضية.

* * *

بالداخل تستهويني مراقبة صاحبة المنزل العجوز، التي تسكن وحيدة منذ زمن بعيد، مع قطها الجميل شيار، أختنق كثيراً حين تعمد إلى تدليله وملاعبته بشكل مستفز، يجبرني على إبداء اختناقي وحسدي، لإثارة غيظها، أصنع أصواتاً حاقدة؛ تستفزها في الوقت المناسب، فتتوقف بسرعة عن سلوكها الأمومي تجاه القط، وبغضب شديد، تمسك بعصا مكنسة جلبتها لهذا الغرض، وتبدأ عملية مطاردة قصيرة، تنتهي بمجرد اختفائي في الشق القريب، دون أن أتوقف عن نقيضي الكريه بالطبع

* * *

أتذكر قبل أيام، حين حضر شخص غريب، أراه لأول مرة بعد أن قرع الجرس وعجلت المرأة بفتح الباب، يطل بسحنته السمراء، قوي البنية، بلباس جينز أنيق، يحمل في يده حقيبة حمراء كبيرة، مبدياً ابتسامة عريضة تنم عن روح متوثبة

* * *

ألقى تحية سريعة وأخبرها بعد أن سألته عن هويته وسبب مجيئه، بنبرة واثقة : أنا خبير في مكافحة الحشرات والزواحف المنزلية. واسترسل سارداً قائمة الخدمات التي يمكن أن يقدمها. بدت مرتاحة لجانبه، وهي تتحدث إليه بإسهاب عن مشكلتها مع زواحف السقف بغضب وحنق شديدين، وعن كمية الأذى التي سبّبها وجودها المقزز في الأعلى لسكان المنزل. باختصار، انطوى حديثها على شيء من المرارة

* * *

أحياناً أقول لنفسي إن مظهرها يبدو أصغر بكثير من سنوات عمرها، التي شاركتني إياها في هذا المنزل، جسمها المتناسق، يتميز بامتلاء معتدل وبشرة ناعمة بلون أبيض مشرب بحمرة وتجاعيد يسيرة، لا تؤثر في وضاءة وجهها، ربما لأنها اعتادت وضع كمية من الأعشاب الطبية في (البيانو)، عند كل حصة استحمام، وكي تتغلب على مشكلة الشيب، داومت على وضع خلطات معدة من الأعشاب والحناء، تدخل حينها في طقس غريب، يرغمني على الانسحاب فوراً، مبتعداً في شقوق قصية مظلمة، أقرب إلى السطح، منتظراً حتى تهدأ رائحة المعجون الطيارة، اتسلى بنقيض هستيري. وبالرغم من هذا الهامش اليسير الذي أحتله، إلا أنني ما زلت أحظى بمساحة كافية للحركة في المكان متى شئت، ورغبة ماكرة محفزة للبقاء يقظاً.

* * *

كان القط الجميل يموء بصوت لطيف، فيمَ السيدة تتوسل إلى الزائر أن يفعل شيئاً لقتلي. يضحك الرجل بفجاجة عند انفعالها وهي تدعوه للاحتيال لتخليصها من هذا الصداع المزمن! مبدياً نظرة مشفقة ومتربصة.

* * *

كنت أتوارى في الطرف الأبعد من الشق، وهو يؤكد لها بإصرار أن هذه المشكلة، لن تستغرق وقتاً لحلها، فقط عليها أن تثق به، وتريه الأماكن التي يختبئ بها قطيع الزواحف الكريه حالاً. أرقبهما بحذر، وهي تسير إلى جانبه في رداء نومها الأزرق، تخفي رأسها وعنقها وشفتيها بمنديلها الأحمر، أراهما يتجولان بين الغرف يتبادلان أحاديث متقطعة، وتضطر أحياناً لمسح الكحل السائل تحت عينيها بيدها، إذا شعرت (ببشة) عرق، مشيرة إلى كل مكان رأتني فيه، قبل أن تمسح وجنتيها مجدداً.

* * *

أتنصت على سير المؤامرة بقلق شديد، أتلقف الجزء الأكبر من حوارهما وتوسلاتها، دون أن أفهم الداعي لضحكات متكررة باتت تستثير غضبي، لأنغمس في الفزع أكثر، قبل أن أفقد حديثهما تماماً. لقد اختفى الضحك، وخيل إلي أنه يتحول إلى همس، خاصة حين أصبحا أقرب إلى حجرة النّوم، كنت أقدر الموضع بتتبع وقع خطواتهما، حسب معرفتي بالمكان. أشعر أن حماسهما لمشكلتي الآن يتراجع، بعد أن خفت الصوت، ولأنها مسألة حياة أو موت تتعلق بوجودي، بدأت الهلاوس تضيّق علي مكمني الضئيل أصلاً، وخطر لي أن العدو يدبر الآن مكيدة ما.

* * *

أثناء هذا الصمت، بدأت بالتسرب في الصدوع باتجاه الحجرة الخاصة بالمبيت، ومن ثقب ضيق محشور في الظلام خلف خزانة الملابس، حاولت استجلاء سر التحول الجذري في مسار اللعبة دون جدوى، فاكتفيت بضحكة شريرة، قبل أن انكفئ في الصدع كالمخبول. ورغم الظهيرة الساخنة التي أرغمت العصافير في الحديقة على الكف عن التغريد، مكتفية بفحيح سلس، لا يشبه فحيح الأفاعي الرهيب بالقرب، قررت الخروج إلى ظاهر المكان في مغامرة مبكرة، بحثاً عن أي حشرة يحسن التهامها نيئة، بعد أن انفتحت شهيتي للطعام.

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007