[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الكشك ؛قصة قصيرة
التاريخ:  القراءات:(395) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عارف عبيد  
يوليو .. الساعة العاشرة مساءً، على الرصيف تحديدا شاءت الاقدار والظروف بعدما شاء لها القدير وأبت إلا أن تبدأ علاقتنا من هذا المكان، لم نلبث نصف ساعة من وقتنا في هذا الحيز، في الواقع قد تبادلنا أطراف الحديث واحتسينا القهوة سويا لدى ذلك الكشك الصغير الذي يمتلك طاولات صغيرة بجانبه، تلك اللحظات كانت محمله ومفعمة بالنظرات المتبادلة على الطاولة .. الارتياب الغريب .. الابتسامة التي أصبحت ستار خلفهُ مئات الكلمات المكبوتة بداخلي .. والخشية من إظهار أي صورة خاطئة تجعل للشائبة نصيب في مستهل العلاقة، وفي فينة صمت بدأت أشد اللغات بلاغةً شرعت العينان في النقاش وتبادلا أطراف الحديث في ذلك المكان الهادئ، أجمل وأبهر ما جرى في تلك الليلة وجعل لها طلاوة ورونق خاص هو هدوء الاخرين، او ربما تعاظم واختيال ومكانة اللحظة الآسرة أنستنا أن نسمع حثيث خُطى الفئران، كان الوقت سريع جدا والطقس بارد هذا اليوم تحديدا، نهضت على قدماي وبدأت اتفوه بكلمات غريبة بنكهةُ الخوف والريبة واقشعرار لم يفارقني لوهلة، كل هذا احدثهُ الموقف الأخّاذ.. أنا الان سأذهب قالت: حسنًا، استقللت مركبتي وسلكتُ طريقا لا يعنيني او لا يؤدي الى وجهتي ابدا، في الطريق على مركبتي بدأت أنصت قليلا لذاتي .. نعم إنني أسمعها تتحدث بصوت خافت ينتابه غضب محير وكمد لا يُكتم ويقول ،لماذا قمت من على الطاولة .. ألم يكن جديرا بأن تكمل الساعات المتبقية بتلك السهرة على الطاولة ، في تلك اللحظة أشعلتُ لفافة التبغ وبدأت أجيب على هذا الصوت الخافت الذي يهمس في أذني وعن هذه الاسئلة التي وكأنها سُردت بداعي أن أعيش لحظة لهِف وضنى قاسية تكاد أن تمزقني حسرةً وندم، قائلا، نعم .. فعلا .. صحيح .. لماذا ذهبت مبكرا، اووه! نعم لابد بأنني اتخذت القرار الصحيح عندما ذهبت، فربما هي تود ذلك ولكن لغة العيون سيطرت عليها وجعلتها خاضعة تجاه ذلك الموقف ونشوته الخاصة ، طالت تلك العلاقة وعاشت لأمد طويل رافقَ هذا الامد الطويل قلّة في اللقاء أشبه ما يكون بتلاشي شيئا ما ببطء شديد وغير ملحوظ وربما هذا التلاشي يبدد العلاقة شيئا فشيئا ويجعلها تتبخر، كان بجواري يقطن جاري الذي يبلغ من السن كثيرا، كنت أُسميه ، العجوز الشمطاء ، .. نعم كان ينتابه شعور بالضغينة يود فيه التخلص مني بينما في اليوم التالي يبدو وكأنه لا يتذكر أي شيء مما حدث في الليلة الماضية أو ربما يتناسى الأمر لأنه يحبني كوني مخلصا معه جدا، في يومٍ ما طلبت منه أن يحتسي القهوة معي في منزلي كان الموعد في الساعة التاسعة مساء، وافق واقر بذلك، انتظرته في غرفتي وكنت بين غفوة وسبات أقاوم معركة وجودي على السرير، وبغتة أسمع طرقات الباب إنه جاري ينادي بصوت عالٍ ، افتح هذا الباب .. الطقس هنا بارد جدا ، هرعت مسرعا لفتح الباب واستقباله بحفاوة ومبالغة في السرور مُصطحبه معي نحو الطاولة ثم طلبت منه الإذن لبرهة من الزمن لأجلب له معطفا لكي يدفئ قليلاً فسمح لي بذلك، احتسينا القهوة وقبل أن اسأله سردت عليه أهم أحداث قصتي ولم أسهب ابدًا كان ذلك أشبه بموجزٍ قصير جدا وغير ملائم بقصتي كثيرا، إبتسم وقال: يا بني، وقبل أن يكمل ما سيقوله قمت بمقاطعته بسؤالي: أين زوجتك؟ الغريب في الأمر أنه جاري ولكنني لم اقُم بسؤاله منذ حقبة زمنية، لقد تمنيت في حينها أنني لم اسأله، أجابني بإجابة غريبة جدا تحمل كمية هائلة وطويلة من التنهيدات العميقة مِلؤها الألم .. وتأوه مشحون بالاسى، شعرت حيال ذلك بأنني سألته السؤال الخطأ وإنني لم اكن متمكنا وحريصا من اسئلتي، صمت لوهلة ثم قال لا شيء سوى إنها ماتت يا بني، وبعد ذلك إنتصرتُ على ذاتي وتجاوزت مرحلة الذعر والخوف من اسئلتي تجاهه وسألته مرة أخرى: إذن أين أبنائك؟، صارحني بأنها لم تكن تنجب له أطفالٌ، وهبته فرصة بأن يكمل بالرغم من الغريزة السيئة المغروسة بداخلي والتي دائما تجعلني أقاطع الاخرين أثناء حديثهم حول مواضيع تافهة .. نعم كنت دائما غير مكترث لحديث الاخرين واراني متبلد جدا تجاه ما يتلفظون به دائما في الحانة او في العمل، أخذ رشفة من قهوته وكان حذرا وحريصا على تلك الرشفة .. لم اكن على علم تام في ذلك الحين من كل هذا الحرص وكأنه في شروع لصياغة منهجا يحمل في طياته قصة هزيلة ولكنها فريدة من نوعها، ثم أنزل الكوب من يديه على الطاولة قائلا: كانت تبغضني كثيرا وكأنني أشبه بلعنة أو طائلة تجاهها، لا أعلم مدى بغضها الشديد يا بني ولكنني مدرك تماما مدى عشقي وتعلقي بها، لقد ماتت يا بني ولا جدوى من ذكر لحظاتنا على هذه الطاولة الخشبية فقد تسمعنا الأكواب يا بني وتزداد مرارتها، يصيبني اشمئزاز من تكراره لهذه الكلمة ،يا بني، الهدوء يعمّ المكان ورأس العجوز الشمطاء لا يزال منحنيا وعينيه لا تزالا موجهتان صوب كوبه ويداه مشغولتان بحركة سلسه جدًا على ذلك الكوب الساخن، شرعتُ في الحديث معه مرة أخرى قائلا: يا جاري .. سبق وقد شعرت بك وسبق أيضا وشعرتُ بملمس الكوب الساخن ولكنني لم اكن امتلك القدرة والسلاسة التي تمتلكها أنت في الملمس، إبتسم حيال ذلك ابتسامة غامضة وسريعة وعاد كما هو، ثم قلت: الجدير بالذكر يا جاري ان الطقس بارد جدا وأنا لا أملك وقتًا كافيًا، الشأن الذي طلبتك من أجله هو أنني أريد أن اتخلص من كل هذا الوجد الوريف ومن كل هذه الأوهام والاطياف التي تنجلي عند كل ساعة هجوع لتجعلني أقع في حالة هذيان استثنائية تجعلني اتفوه بكلمات لا تفهمُها وحدتي ولا تتمكن منها عزلتي ويعيش انطوائي حالة ذهول من هذه التمتمة المريبة، لوقت قصير من الزمن، ومن ثم تجعلني هذه الأوهام والأطياف والاعتقاد الخاطئ أهرع مسرعًا نحو ذلك الشارع، تحديدا على ذلك الرصيف بجانب الكشك كل هذا يندرج تحت أمل لقائها مجددا ولو بتأثير الصدفة، يا جاري أصبحت وكأنني أشبه بملحد قصل وقطع قطعا مطلقا بالصدفة ووقوعها، وفجأةً إستقام على قدميه قائلا: يا بني لا جدوى أيضا من كل ذلك .. فربما لم تعد هناك فجوة تلقي من خلالها الذكريات بعيدا وتتخلص من كل هذا الوهم، ربما ستبقى راسخة في جمجمتك، وربما أيضا لم يعد يحتمل ذلك الرصيف الذي كان مستهل لعلاقتك وجودك بعد .. ولا حتى ذلك الكشك، ربما يا بني تم نقض العهد في هذه العلاقة ولن يجدي نفعا أن تهرع كل ليلة متوهما ومرتديا الزي الجميل ورائحة العبير تفوح منك الى ذلك المكان الذي أصبحت ضحيته ووقيعته، ربما لم يعد يحبك الرصيف ولم تعد لك مكانة لدى الكشك، بادر بأن لا تذهب إلى هناك مرة أخرى يا بني.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007