[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شجر الأرض 
التاريخ:  القراءات:(14552) قراءة  التعليقات:(20) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  

خروج

و تكوم فوقي حزن يشبه الجليد ، حزن تكوم .

ولم أبك و أنا أخطو خارج باب السجن ، لم أبك .

فأخذت أنظر إلى السماء، والطيور التي ترفرف في الأفق تتحول إلى نقاط تشبه أيدي مسافرين يودعون شاطئا يرحل .

طيور ، و طيور ، و طيور .

و الهواء بارد ، الهواء ، والبحر ؛ و للبحر رائحة شهية .

قدماك الآن عليهما غبار .

قلت سر إلى البحر .. وستجد ظلا لبهجة صغيرة بين الأمواج ، فرحا صغيرا ، ....فرح ، ربما .

سترى نوارس ترفرف معها عيناك حتى الدموع ،الدموع ..

وربما شاهدت حورية البحر تمسك بيدك ، و تذهب بك حيث العوالم السرية في الأعماق .. سترى الأرض بعيدة . هذه الأرض بعيدة ، نعم فهي بعيدة . و ستحاول أن تكون قريبا من سطح الماء بما يكفي أن تسمع همس عاشقين لا يريانك ، و أن تكون قريبا لترى المسافة بين نفسين ، و شفتين .

عاشقان : يريان الماء .. يريان الحياة .. عاشقان .. للحياة .. الحياة .

الآن العاشقان بجانب البحر : شاب و فتاة ؛ الشاب يتمنطق بحيوية ضاحكة ، و يدلي بساقيه في المياه ، و كأنه يلعب ؛ الشاب يلعب ، و فتاته تهمس بضحكات صغيرة خجلى، و مثمرة ، و كأنها شجرة مليئة ..و الفتاة تلتفت إلى الخلف دائما . ربما هناك عينان تترصدان حركاتها . ربما أسكنت في رأسها خوفاً ما ، رجل يترصد الضحكات الخجلى للفتاة المثمرة ... قلبها يركض بفرح و خوف .

أنت الآن قرب البحر و ترى رجلا..وفتاة و شابا يلعب..تراهم. مرارا . تكون بجانب البحر ، و تراهم ..مرارا .

كنت أول الأمر تطلق نحوهم عصافير ضحكة مريحة، و غبطة بهيّة .عصافير الضحكة تطير ، و ترفرف بجانبهم من مسافة غير مزعجة .. العصافير ترمي من مناقيرها وردا صغيرا يشبه بهجتك الصغيرة ، و هما لا يريان: فالشاب يدلي بساقيه في الماء ، و كأنه يلعب ، و الفتاة تشبه الضحكة .. مرارا و مرارا و العاشقان يخطان حديقة حلم سيأتي ؛ تسمعهما يهمسان طريقا للغد .. يريان الماء ، والحياة .

في المرة الأخيرة ، وحين اقتربت من قلبيهما ، كانا يغنيان عن حلم طري وصغير : يخطان أرضا هي جزء من ضوء العيون ، يلتفتان حيث يمتد شارعهما الصغير و يضحكان ، و هما يؤشران نحو المنازل المتآلفة ، و يرسمان بينها بيتا دافئا مثل كفيهما ، و منه ينطلق أطفالهما بضحكات متعافية ، و في هذا الحلم ينموان ويريان الحياة .. همست لضحكتك :

ــ لابد أنهما يخيطان أيامهما القادمة كعش لطائرين جميلين .. !!

ثم رأيت كيف نمت الأعشاب في يد الشاب ، و هو يبذر أصابعها في فسحة خضراء في كفيه ، و كيف ضحكت بضحكات مثمرة ، و كيف اقترب الفتى و زرع طعما في شفتيها ، و انطلقت حولهما فراشات ملونة ، و حطت النوارس برفق .. قلت :

ــ حريتهما : حياتهما ؛ إنهما يبنيان وطناً .. هذه هي الحياة !!

حتى جاء الرجل المتكرر.. و مشى مقتربا من ضحكة الفتاة .. توجّه نحو هما مباشرة يهزّ غضباً أسود ، ........... ركضتُ نحو مزرعة حلمهما .. و أخذتُ أصرخُ ، و الطيور تفر إلى حيث السماء البعيدة جدا .. السماء بعيدة .. بعيدة ..و أنا ركضت نحو الرجل ، و وضعت أصابعي حول رقبته ، و أسقطته على الأرض ، و تعاركنا ، و ضربت رأسه ، ضربته ، و سحبته إلى البحر حيث غمست رأسه عدة مرات في الماء حتى أخذني الرجال الذين جاؤوا ...

أناس كثيرين جاوؤا ، يركضون ، ويصرخون ..النوارس حلقت بعيدا بعيون خائفة .. و الفتى يركض في دوائر و كأنه قد أصيب بالجنون ، فيما الفتاة تقوم و تسقط ، تقوم و تسقط وسط عباءتها ، و غبار أحلامها، .

ثم أخذوك إلى السجن. أخذوك .

تتذكر الآن الضابط ، و أنت مكبل ، هو يقول لك :

ـ و تضرب الرجل !!

و أنت تقول :

ـ ضربت رأسه !

ـ و لماذا رأسه ؟

و هو يلتفت إلى مساعده ذي النجوم اللامعة فوق أكتافه أيضا ، و يغمز له ، و يبتسمان ، و تقول:

ـ حتى أنظفه !!

و يخبط على طاولته بمرح و هو يبادل مساعده ابتسامة كبيرة ، وكأنهما يقولان : لقد وجدنا صيدا طريفا .. و يقول :

ـ و لماذا غطست رأسه في الماء ؟!

ثم يلبس وجها صارماً ، و يقول :

ـ كنت تنوي إغراقه ليموت ؟ هذه نية قتل متعمدة !!

و تقول :

ـ كنت أنوي غسل ما برأسه من الأوساخ !!

و يضجان بالضحك ، حتى تتخيل أنهما سيبولان في سراويلهما ، ثم يأمر الجندي بأن يأخذك إلى الزنزانة :

ـ يا جندي ؛ خذ هذا إلى الزنزانة .

تذكر أن الجندي دفعك برفق أمامه ، و كنت تمشي حالما بأنك تدخل إلى قلب أرضك ، قلبها ، و تنظر من عينيها إلى طول الأرض ، و كأنك ترى لوحة كبيرة فرشت فوق خارطته ، ملئت حروفا : الح ب مم نو ع ، ح ب ل ا ....... حروف كثيرة ، كثيرة ، مبعثرة ، ضائعة ، أكثر من النخل و العشب ..الحب .. الحب ، و فلوله هاربة .

* * *

لا تحلم :

أنا رجل خرج من السجن الآن و تكوم فوقي حزن يشبه الجليد ، و مع هذا كان الهواء باردا :الهواء بارد ، للبحر رائحة شهية .ضرب هواء جديد رئتيّ، التفت خلفي . التفتّ وكان الشرطيان يحرسان البوابة .. و آخر كان في البرج الصغير في زاوية المبنى الأبيض المدلهم ، آخر هناك ، و أسلاك شائكة .. قلت : مهلا لا داعي للأحلام الكبيرة .. فالصغيرة لم تأت . أنت شجي بالأرض ، و ها أنت تمشي ببطء محاولا نفض كومة الحزن التي دفنتك .. اذهب عن هذا السجن .. ابتعد : رأسك يقول ذلك ؟ و قلبك ينبض بقوة بحب النخيل .. أين تفر ؟ عليك أولا أن تمشي حتى تختفي هذه الأسلاك و الجنود .. لكنك ستجدها أمامك ، و عن اليمين ، و عن الشمال ، في كل مكان ، فأنت في الأرض ، أرض واسعة ، و فوقها السماء واسعة أيضا ، والبحر واسع ، و كثير من عصافير حلمك أنت ، و عصافير الفتى والفتاة ، والناس ، تملأ الفضاء ، و السماء ومدى البحر ، ثمة مساحات خضراء يانعة كالمدى ، و قلوب شتى تشبهه ، و أناس تحت أكداس الحزن مثله .. كثيرون يمشون داخل هذه الأسلاك و هم يبيتسمون كما تفعل الأشجار ويحملون أحلامهم كالغيوم .. وعيونهم تغطي مساحة الصحاري الكثيرة بأمطارها . عليك أن تسير مع الآخرين نافضا غبار الحزن ، حالما .. احلم . احلم كثيرا، و دع أرضك تمتلئ بالحلم .. دع ذلك يتسع ، و يتكائر حتى تغص الطرقات بضياء الأحلام و تفيض .. و سترى أن أحلامك تمشي على قدمين .... و أن الحب ينبت كالعشب في نواصي الطرقات .. و أن فلوله الهاربة تعود كالجند المنتصرين ..تدخل إلى أرضك ، إلى قلبه ، و تنظر من عينيه ، و ترى العاشقين يخرجان من حلم الماء بعيون متسعة على مدى البحر تزفهما طيور بيضاء و هما يخططان أرضا ، ويغرسان عشا طريا .

* * *

ليس حلما :

مهلا مهلا : أنت لا تحلم .. أنت في أرضك .. تتذكر الجندي و هو يدفعك بلطف .. كنت تمشي مهمهما بأغنية بعيدة .

تلتفت لترى وجه الجندي الذي يدفعك برفق ، تنظر في دهشة عينيه الغضة ، عيناه كعيني الشاب الذي يتمنطق بحيوية ضاحكة ، و يدلي بساقيه في المياه و كأنه يلعب ؛ الشاب المتمنطق بحيويته يدفعك برفق ، يصلصل الباب الحديدى ، و تسمع خطوات الجندي مبتعدة .. تغني وسط الزنزانة.

تراك تمشي ، تأتي السماء بمائها و يجيء البحر مغنيا للغيوم ..تنساب الموسيقى ، ترى أشباحا كثيرة لشباب ـ يتمنطقون بأفراحهم ، ويدلون بسيقانهم في المياه ، ، و كأنهم يلعبون، و كأنهم يخططون أرضا ، و يغرسون أعشاشا ، و يبتسمون لأطفال متعافين ـ وأشجارا ، أشجارا ، و تمد يديك ، تنظر كيف يعانق الماء الماء ، و كيف ترتفع أكف الأمواج ، وتلمس أصابع المطر الطرية ، ترقص معها و يمتزجان ، ثم يذوبان في الخضم الواسع .. تقول ليس مهما بعد ذلك أين يتجهان فقد أصبحا جسدا من الماء يمشي كيف يريد ، دون أن تعصف به الريح ، أو تزجره الطرقات .

* * *

الآن :

امض : فالأرض ممتلئة بأعشاش الأحلام .الأرض تلد العاشقين .

البحرين 10/3/2003

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007