[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
كتابة القصة القصيرة جداً عند فهد المصبح 
التاريخ:  القراءات:(13290) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : ناصر الجاسم  
إن أصعب ما يواجه المعماري حين يقوم بالبناء وضع الأساسات والأركان حتى يقف العمار ويستطيل رأسياً وأفقياً , وقد أدرك البناؤون أن البناء الرأسي أسهل بكثير من البناء الأفقي وأقصر زمناً والكتًاب يبنون ثفافة ويؤسسون إبداعا ويضعون أركانا , وقدرهم الجميل , أن يكون بناؤهم دائماً رأسياً حتى يقف عند نقطة معينة أو مستوى معينٍ . وهكذا يكون الخلق الفني في كافة الأجناس الأدبية , إنها تنمو رأسيا وليس أفقياً , لذا كان الجدل ينشب دائماً عن الأسس المميزة لكل جنس من الأجناس الأدبية بين النقاد . إن الأجناس الأدبية بيوت فنية لا تتشابه ولا تتساوى في القصر أوالطول أو الحجم وإن كانت مادة البناء أو الطوب شيئا واحداً هو " اللغة " وقدر القص أنه فن لا ينقطع , وقد ارتبط في البداية بحاسة التذوق "اللسان " وبحاسة السمع " الأذن " فكان الفن الأول من فنون القول البشري ودخلته المشاعر الذاتية والرموز والأساطير وأتى بعده فن الشعر ليزاحمه ويتصارع معه , ولا يزال التزاحم والصراع مستمرين حتى يومنا هذا !! أقول ذلك لأن القص القديم " القص الديني " كان بداية الفنون جميعاً , وقد جاء قصا طبيعياً سلساً لا تكلف فيه ثم تولى الإنسان مهمة القص حين يركب على ظهور الدواب أو حين يمشي على رجليه في الفيافي والقفار , أو حين يريد السلوى أو السمر فنشأ تبعاً لهذه المهمة مهمة أخرى هي وضع القوانين لهذا القص حتى يحقق أهدافه المنشودة , فاكتشف الناقد الأول تلقائياً لينقد هذا القص الذي يسمعه , فأخذ يحدد بحاستيه معا ( اللسان والأذن ) قواعد الإعجاب والإبهار , فصاغ الناقد العربي الأول ما يعرف بقواعد فن سجع الكهان , وهو فن قصصي ديني الطابع ولكن لماذا يقص القاص الحديث قصصاً متناهية في القصر؟

إن القضية ليست قضية تحول فني لأن القصة القصيرة جداً أو الأقصوصة هي الدرب القصير غير الممهد , غير المضاء وغير الواسع أيضاُ ومع ذلك يصر على السير فيه برغبة وطموح غير محدودين بحدود. ألم يع القاص الحديث أن الإبحار في المحيطات أسهل من الإبحار في مضائق المياه ؟ إذا لماذا هذا التحدي وذلك التعنت إن ما استشعرته في الأدباء السعوديين سواء كانو شعراء أو قصاصين العمل الدؤوب على محو مقولة إننا بلد نفطي فقط وأن ثقافتنا نفطية , فلذلك هبوا يسارعون إلى تجريب الكتابة في كل شكل أو جنس من أجناس الأدب العديدة والمتنوعة سواء الموروثة من أجدادهم العرب كالمقامة أو الوافدة من الغرب كالمسرح وغيره وكانت القصة القصيرة جداً من الأجناس الوافدة فأخذوا يجربون فيها إبداعهم خصوصاً وأن عمر هذه التجربة أو هذا الجنس الأدبي في العالم العربي لا يزيد عن ثلاثين عاماً, إن لجوء القاص السعودي إلى كتابة القصة القصيرة جداً ليس بدافع التجريب فقط إنما يضاف إليه دافعان آخران وهما الإبداع في هذا الجنس الأدبي والإضافة إلى الإبداع وأقول الإضافة إلى الإبداع لأن الإبداع الإنساني فعل جماعي وليس فعلا فرديا ‘إن كتابة القصة القصيرة مثلاً بدأت على يد كاتب فرنسي ولكنها تطورت كثيراً من بعده , تطورت على أيادي كتاب عرب وأعاجم ولكن الدراسات النقدية المقارنة ضعيفة على مستوى العالم حتى تثبت صحة ماأقول .فالأدباء السعوديون والقصاصون منهم خاصة يرفضون أن تكون هاماتهم في الإبداع أوطأ أو أقصر من هامات زملائهم في البلدان العربية على وجه التحديد ولا أقل في بلدان العالم أجمع لأننا للأسف لازلنا نقيس إبداعنا الأدبي بإبداع زملائنا في العالم العربي بينما الصحيح أن ننظر إلى إبداعنا الأدبي قياساً إلى الإبداع العالمي أجمع وخاصة في سوق الأدب .

سألني أحد الكتاب الضالعين في الكتابة القصصية هذا السؤال :

كيف أكتب قصة قصيرة جدا ؟

أجبته مازحاً بهذا الجواب (( اكتب قصة طويلة تحتوي على خمسة شخوص وخمسة أحداث وخمسة أمكنة ... إلخ ثم احذف من الشخصيات أربع شخصيات واحذف من الأحداث أربعة أحداث ... إلخ وستحصل في النهاية على قصة قصيرة جداً تحتوي على شخصية واحدة وحدث واحد ومكان واحد .. إلخ .

وقد كتب القاص الضليع قصته الـتي اقترحت مازحاً معه طريقتها عليه وأجرى عمليات الحذف, وقد كانت المفاجأة أنه كتب خمس قصص قصيرة جدا جيدة البناء, وليس قصة قصيرة جداً واحدة !!

إن القصة القصيرة جدا هي قصة الحذف الفني والاقتصاد الدلالي الموجز الحي وإزالة العوالق اللغوية والحشو الوصفي, إن هذا الإجراء التجريبي الذي قام به القاص الضليع لم يكن إجراءً حسابياً رقمياً بأية حال من الأحوال وإلا كان نهايته الفشل في التجربة الكتابية وفي الظفر بإبداع حقيقي , إنه إجراء فني , لأن القاص كان في الأصل يملك مهارة كتابية مؤصلة بخلفية لغوية ومقدرة على الخلق الفني أتاحت له التعامل الجيد مع الفكرة ليحقق ما يريد , ولو أنه قاص ضعيف التشكيل لقدم في أحسن الحالات قصة قصيرة جداً واحدة أو لما قدم شيئا ذا بعد فني , فالثوب الواسع يمكن أن تجعله ضيقا , أما الثوب الضيق فمن المحال إحالته إلى ثوب واسع إلا بإضافة مواد خام جديدة هي رقع من أثواب أخرى وليس من الثوب نفسه , إن الذين يكتبون القصة القصيرة جداً بإجادة فنية هم في الأصل كتاب قصة قصيرة وروائيون , أي أن المهارة السردية بمجملها هي طوع أيديهم وتتأتى لهم بسهولة , أي أنهم مهيأون ذهنياً لشيء اسمه قص طال أو قصر !!

لقد قال الجاحظ :" إنما الشعر صناعة وضرب من الصبغ وجنس من التصوير " فالقص صناعة وكحال أية صناعة فيها الجيد وفيها الرديء , فيها من أحكم نسجه وصبغه وفيها من لم يحكم نسجه وصبغه, ونقاد كل عصر أدبي تقع عليهم مسؤولية الفرز الأدبي, والكلية في النجاح البشري محالة فلا بد من أخطاء فنية والأخطاء تكبر عند كتاب , وتصغر عند كتاب آخرين , وكتاب القصة القصيرة جداً لدينا واعون ومثقفون جيداً ولكن ما ألاحظه هو وجود خلط في الكتابة بين قصيدة النثر وبين القصة القصيرة جداً وحيرة لدى بعض الكتاب في تسمية ما يكتبونه لدرجة أن بعضهم يجبن من أن يصنف شكل إبداعه !!

وفي مجموعته القصصية الخامسة المعنونة ب"" الزجاج وحروف النافذة "" ينحو القاص السعودي فهد المصبح منحى صعباً في الكتابة القصصية حين اختار الكتابة في آخر أجناس السردأ وآخر ما ابتكره القاصون في تجريبهم المستمر نحو الوصول إلى غاية اللذة الفنية وأقصى درجات الإمتاع ومنتهى الحرفية ,فقص في هذه المجموعة اثنتي وعشرين قصة قصيرة من النوع الأحدث فنياً والمصطلح على تسميته بالقصة القصيرة جداً والمرموز له بـ ( ق. ق. ج ) ليسجل لنفسه ريادة في هذا الجنس من أجناس السرد الأدبي المتعددة على مستوى وطنه المملكة العربية السعودية , حيث لازال القاصون السعوديون الآخرون يتهيبون الخوض في غمار هذا الجنس الأدبي الجديد ويحذرون الحذر الكبير من إشكالياته النقدية ووتبعاته الذوقية المتعددة , ولم يزل أيضاً نقاد السرد الأدبي وقراء القصة العربية في تذبذب وتأرجح حول الاتفاق على جمالية هذا الشكل الأدبي ومرد تذبذبهم وتأرجحهم عائد إلى تناهي هذا الشكل الأدبي في الحجم أو الصغر, وإلى أركان وخصائص هذا الشكل التي قد تدفع بهم إلى وضعه في خانة من غير خانات القص وتحديداً في خانة الشعر, و ساردنا الذكي فهد المصبح وعى ذلك كله , فهيأ قلمه لهذا التحدي الكبير, وأسس نفسه تأسيساً نقدياً عالي القيمة باستيعاب ماكتب من نظريات ودراسات حول هذا الشكل الأدبي, وأشبع ذائقته إشباعاً واضح الأثر بقراءة ماكتبه الكتاب العرب والأجانب في هذا الجنس السردي المتسم بعدم الثبات تقنياً . فقدم بعد ذلك هذه المجموعة الفريدة فنياً والتي تعد نموذجاً صالحاً للتعليم المدرسي وللشرح والتطبيق في كثير من قصصها !!

وحين نقرر فرادة هذه المجموعة فنياً وصلاحية بعض قصصها للتعليم المدرسي وللشرح والتطبيق والاحتذاء وللتقليد الكتابي فلا بد من أن نبرر ذلك تبريراً موضوعياً يبعدنا عن الانحياز إلى مؤلفها, وعن أن نوسم بأحكام نقدية أقلها ضراوة وسم الغلط في تشخيص شكل الكتابة , فالمؤلف اعتمد القص التقليدي المتفق عليه بين جمهور النقاد إطارا عاماً في أغلب قصص هذه المجموعة ,وشغف كثيراً بإبراز عنصر الحدث القصصي وهو العنصر الذي اهتمت به القصة القديمة على حساب سواه من العناصر القصصية الأخرى, وتلى ذلك في الشغف إبراز عنصر الشخصية الإنسانية حتى لا يفقد القص محوره الأساسي , ولم يعن المؤلف إلا قليلا بالعنصرين المكاني والزماني ولكنه لم يهملهما الإهمال المخل بقواعد الفن القصصي, وفي داخل هذا الإطار العام إطار القص التقليدي أدخل وطبق بمهارة فنية يشكر ويحسد عليها في أغلب قصصه أركان وخصائص القصة القصيرة جدا, فجاءت أغلب نصوص هذه المجموعة نسيجاً قصصياً محكماً احتوى على عناصر القصة القصيرة بمفهومها القديم عند النقاد و القراء وعناصر القصة القصيرة جدا بمفهومها الحديث الذي لم يكتمل عند النقاد والقراء أيضا , ومن أركان وعناصر القصة القصيرة جدا التي اعتنى المؤلف بإظهارها عناية قصوى في قصصه تلك التي استخرجها الدكتور أحمد جاسم الحسين في كتابه " القصة القصيرة جداً " الصادر عن مشورات دار عكرمة بدمشق في العام 1997 م, ورتبها من حيث الأهمية كالتالي :

1- القصصية 2- الجرأة 3- وحدة الفكر والموضوع 4- التكثيف

5- خصوصية اللغة والاقتصاد 6- الانزياح 7 – المفارقة 8 – الترميز

9- الأنسنة 10 – السخرية 11 – البداية والقفلة 12- التناص

وقد تقصيت وتتبعت وجود هذه الأركان والعناصر في مجموعة " الزجاج وحروف النافذة " فألفيتها متحققة بوفرة فيها , ولم يسقط المؤلف منها إلا عنصر التناص وربما لصعوبة التحقق الفني لهذا العنصر الإشكالي المشاكس بطبعه, وأوغل المؤلف إيغالاً حسناً في تحقيق عناصر مثل القصصية, التكثيف ,المفارقة ,الترميز , السخرية , البداية والقفلة .

وليس من الصواب أن يسعى أي مؤلف في هذا الجنس الأدبي إلى اتخام قصصه بهذه الأركان والعناصر الأثني عشر كلها , إنما لا بد من وجود نصفها على الأقل في القصة القصيرة جداً الواحدة, وله مشروعية الاختيار في الأركان و العناصر التي تلائم قصته دون إلزام بعناصر و أركان محددة على أن العنصر والركن الأهم وجوداً في أية قصة قصيرة جدا هو عنصر القصصية , ولاننسى احتفاظ المؤلف وحرصه على وجود مكونات القصة القديمة ( الشخصية + الحدث + المكان + الزمان ) في أية قصة يؤلفها, و من قصص هذه المجموعة التي تجذب لب القارئ وتصيبه بالدهشة وتخلف في نفسه عمق الأثر وتدعوه ملياً إلى التأمل والتفكير قصتان اثنتان نراهما جديرتين بالتقديم إلى القارئ , الأولى قصة " يداه تقطران حبراً " والثانية قصة " الزجاج وحروف النافذة " والتي حملت نفس عنوان المجموعة القصصية وختاماً فإن هذه المجموعة القصصية تطرح أسئلة كبرى حول العلاقات الإنسانية, وحول الإنسان نفسه, وحالاته الشعورية, وتناقضاته, وأنماطه في التفكير والعيش, ودعوات عدة للتفكير والتأمل في هذا المخلوق الذي قدمه مؤلفنا على أنه كائن لم يكتشف جيداً بعد .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007