[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
التراكمات 
التاريخ:  القراءات:(8408) قراءة  التعليقات:(23) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
عينا ركبتي تطالعان السقف في ارتخاء وإعياء وعيناي تحت الظلام تطفحان تعباً وقنوطاً والصبح سيل من الشعاع يأتي..ناقلات الأسمنت العملاقة تركض على شوارع المدينة وحنينها يهد الباقي من هدوئي.. وأسياخ الحديد السمراء اللامعة تنمو في قوالب الأسمنت متدثّرة بالخشب.. هذا النمو يزعجني وعصافير الصباح التي لا تتغير تحاول أن تفرض لونها البني بأقدامها القلقة على الأغصان الرمادية بين الأوراق الخضراء.. براميل قمامة الليل المسكونة بذكور القطط التي تحتكر الطعام لتحافظ على فحولتها تطرد قطة مهزومة وتدفع بها إلى باب غرفتي وهي تموء.. ماءت القطة كثيراً عند الباب.. كان مواؤها يغيب أحياناً في حنين الناقلات العملاقة.. قطعت عليّ القطة بموائها الذليل اللحوح التفكير في النافذة المفتوحة التي أغلقت دوني غلق القبور.. كنت أتذكر كيف كان الصدر يطل منها في حياء وشموخ وارتجاف.. كانت إطلالة الصدر قلقة مثل أقدام العصافير على الأغصان الرمادية.. فتحت الباب للقطة فأخذت تدور حول قدمي المُجهدتين تشمهما وتحتك بهما.. مشيت فانقادت خلفي إلى سريري.. عادت عينا ركبتي تطالعان السقف وعيناي عادتا في وسط الظلام تطفحان تعباً وقنوطاً.. صرت أتخيل أسياخ الحديد برؤوسها الناهظة تمتد في جسدي ولكن القطة تقطع الخيال بنومها لصق خاصرتي وطلبها التمسّد.

طوت القطة ذيلها بين قدميها وماءت موءة واحدة تثاءبت بعدها ونامت ويدي تمسّد ظهرها.. تمسيدي ظهر القطة أظهر لي أفكار العجز.. الخروج بالسيارة والركض بجانب ناقلات الأسمنت العملاقة ورؤية النافذة المغلقة وأسياخ الحديد النامية مغامرة صباحية ملوّثة ولحظة انتظار انكشاف الكعب الأبيض عند ركوب الحافلة لحظة هزيمة واعتداء على القلب المحفور بالذل.. قررت ذلك ويدي تنزلق بنعومة فائقة على ظهر القطة الأبيض.. فكرت في عرقي المهدور أوقات انتظار نهوض الصدر في النافذة وفي لحظة قطف النور من وجهها وفي العيون الطافحة ريبة وشتائم وهي ترصدني أرقب اللحظة الجبرية لانكشاف الكعب فأُلقي بنفسي في أحواض العذاب وأترك القطة بلا ممسد.

حاولت أن أطرد العينين الجسورتين المتسعتين الناطقتين من الذكرى ولكنهما تأتيان مثل الموت..تقفزان أمام عيني الطافحتين تعباً وقنوطاً فانتفض في فراشي مذبوحاً بالذكرى الجبرية وأجد نفسي سائراً بجانب الناقلات العملاقة.

شوارع المدينة مُختنقة بكثبان الرمل المحمولة وأذيال أسياخ الحديد المُتهدلة مثل ألسنة الكلاب ومكعبات الطابوق الطرية الراقدة في الأسطح المكشوفة للناقلات..

الخوف يشاركني المسير وعرقي ابتدأ يتحفز والعيون أخذت ترصد وصباحاتي موعودة بالفجيعة والهزائم.. مذيعات الصباح يمثلن الابتسام ومذيعو الصباح يُضفون التأثر على أصواتهم وهم يقرؤون النشرات الإخبارية وأنا سائر بالعجز والذكرى..درت حول النافذة والخوف يأتيني من كل مكان وعرقي المهدور يصل بي إلى حد القرف والدوار والحافلة التي تكشف الكعب تأخرت وأفكار الإيهام والتضليل نفذت والشارع لا يحتمل أكثر من فتح صدر السيارة أو إصلاح إطار سليم.. درت كثيراً حتى خرجت من الباب مثل روح كافرة ملعونة.. أطل البطن منها في انحدار وتهدل وانتفاخ والصدر أطلّ ثقيلاً في خنوع وانكسار والعينان أطلتا تحترسان من السقوط تسندها ذراع غليظة تضغط على الكتف المستدير.

سرت مطعوناً بالحقيقة فاصطدمت بناقلة أسمنت عملاقة تفرغ مخزونها بسقف منزل وتفرغ حنينها في أذني.

12/11/1993م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007