[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الطريق إلى رمدان 
التاريخ:الأربعاء 24 نوفمبر 2004  القراءات:(7383) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : طلق المرزوقي  

(اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب )

سورة ص ـ آية ( 42)

( وقال لي: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة)

النفري

كان موته متوقعا رأيت الموت وهو يتسلل في خفة أفعى، ويقطر السكون في عينين الفتا السهر والحكايا.

لم أكن أعرف أن موت المحياني سيملؤني بكل هذا الفراغ والحزن, نفضت جمجمتي لطرد هذه الفاجعة، لكن صورته تعود إلى ذاكرتي، أحسّ به يحضر مثل فرس جموح لا تمل حراثة الصحراء.

كان يجيء من سفره محملا بالتمر، والزنجبيل، والحكايا، المسالك كانت، ترهف سمعها لوقع خطاه, ويعتريها فرح عميق، فترددت: يا أنت اسمع خفق نعليك!

اذكر صوته، كان يأتي محملاً بحكايا البدو مترعا بالمواويل، والحداء، مازالت صورته في ذاكرتي تطغي على كل شيء، كنت أراه في غبش الصبح وهو يقعي تحت طلحة عالية عند سفح جبل العامرية، يملأ غليونه بالتنباك، ثم يغرسه في فمه، يأخذ نفسا عميقا، يملأ فمه بالدخان، ثم يمجه على دفعات، يظل على هذه الحال حتى الظهر.

ذات صباح بعيد رحت أتأمل الشمس وهي ترسل أشعتها، تلكز فرع الطلحة فينسل الظل رقيقاً ويتمدد بالاتجاه المعاكس لأشعة الضوء، يظل يتمدد حتى يغرق المحياني فيه.

ذاكرتي مطمورة بالوجع وعلى شفتي بقايا غناء..

جآني مثل حلم، هدهدني كأنما أهال على ذاكرتي ماء فأيقضها، شعرت به وهو ينفخ في إذني تعاويذه، قال موعود أنت برمدان وتمتم مهيأ أنت للرؤيا! اعترتني الحمّى ودخلت إلى دائرة الغياب، رأيتني أنصت للريح، فأسمع حكايا الموت والرحيل.

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

بصري أحدّ من عيني صقر، رأيت البدو وسط الرمال يمرون خفافا, مسيجين بالحزن، جمالهم المثقلة بهم وبمتاعهم تنزع خفافها من الرمال بصعوبة كبيرة، جعلت أجسادهم المستقرة على ظهور الإبل تترنح, القافلة تشق كبد الرمال بتؤدة، ما لبثت أن دلفت منطقة العواصف، توارت عن نظري، عزلتها عني سحابة من الغبار، لكن حدائهم مازال يملا الفضاء، كنت اسمعه بوضوح, لحظات ثم انبثقت قافلتهم من خلال العاصفة الرملية مجللة بالتراب، والصبر، وقفوا تحلقوا حول بعضهم وفيما هم منشغلون بإزالة حبات الرمل العالقة بوجوههم، انسل من بينهم طفل صغير، أطبق بأصابعه على أحد أسنانه، خلعه ودسه في راحة يده، أخذ يدور حول نفسه، ثم قذف بيده إلى خلف ظهره، وأرسلها إلى السماء، طيّر بقايا السن عاليا، أحاط فمه بكلتا راحتيه، حدّق في الشمس وراح يصيح: (يا شمس عطيني سن غزال)

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

النبوءة التي عبأتني بها تلك اليد التي هدهدتني، أعادتني إلى فتنة الحياة، أيقظت فيّ حكايات كنت ظننت إنها اندثرت، أيقضت في ذاكرتي تلك الصحراء الساحرة التي تعج بالراحلين خلف الماء والعشب.

ربما هي نهاية البكاء أو بداية الرؤيا!

أولئك البدو عاشرتهم كثيرا، رأيتهم وهم يلوبون الصحاري، حين يوجعهم المسير يغرسون خيامهم في مكان ناتئ من جسد البيداء، يقيمون هناك زمنا وعيونهم شاخصة إلى السماء، ترقب بولع ممض برقا ربما يومض هنا أو هناك، وحين تحل المساءات المقمرة تشع وجوههم بالفرح فيبدؤون ممارسة طقسهم الليلي، يتبادلون الغناء والرقص وإنشاد المواويل، ويستحضرون الحكايات القديمة عن الفرح والخصب.

المحياني يصيح عرج على الأودية...

رأيت في البعيد فتى بدويا يقف وحيدا على طرف الوادي الكبير، يرتدي ثوبا (مذولقا) أكمامه طويلة تكاد تلامس الأرض، اتبعت خطوه المحفور على الرمل، كان أثر خطاه يندثر كلما صعدت منحدرا رمليا ويبدأ في الظهور عند المناطق المستوية من الأرض, لم يكن قريبا بالقدر الكافي، على طرف الأثر استطعت أن أميز تفاصيل وجهه.. كان على شيء من الوسامة رغم أن السمرة غطت وجهه، انفه طويل، وجنتاه ضامرتان قليلا، وعيناه سوداوان يصدر منهما بريق أخاذ، كان يقف على طرف صخرة ذات ارتفاع منخفض معطيا الشمس ظهره، ظله استطال أمامه فبدا لي ضئيلا بالمقارنة مع ظله، كان يحدّق في وجهي، وقفت أمامه, ابتسم لي وشرع يحدثني عن الصحراء. قال: أن رمالها تسافر مثل البشر تنتظر الريح حتى إذا ما هبت رافقتها. وأن أشجار الطلح هذه المتناثرة على أطراف الأودية مثقلة بالحكايا. تابع: لو نبشت تحتها لقفزت إليك أسرار أولئك الذين مروا من هنا، أما قلعة رمدان فقال أنها المكان الذي يؤوي المطاريد الهاربين من الموت، والثأر تحتضنهم مثل أم رءوم. صمت وأجال بصره في الأفق المترامي وقال بلهفة كبيرة: أأنت ذاهب إليها؟

نعم قلت. ولكن كيف أجدها؟ لاذ بالصمت وأخذ يحدق في بعينين يصدر منهما البريق الأخاذ ذاته، حاولت اتقاء نظراته، طأطأت رأسي صوبت نظري إلى جرف كان على مقربة منا، وحين رفعته لم أجده.. ضاع في الفراغ الصحراوي الرهيب.

صوت المحياني مازال يراودني مثل حلم، رأيتني أجثو على ركبتي فوق كثيب من الرمل، الغبار يمارس صلفه المجنون, على مقربة مني، الضما ايبس شفتي، ورمدان حفنة من المنى اعرف إنها بعيدة المنال, انتصبت واقفاً مشيت ناحية الفراغ الرهيب.. لا أحد.. حاولت الحداء لكن فمي عصاني، كل الحداءات التي أحفظها تبخرت من ذاكرتي كبقعة ماء داهمها القيظ فتلاشت، تقدمت إلى الشرق أجاهد في البحث عن أثر للقافلة ولكن لا جدوى... عيناي تتابعان تكويرات رملية صغيرة في منبسط رملي أخذت تبدل مواقعها باستمرار بفعل حركة الريح، تقدمت أجرجر قدمي فوجدت طلل القوم، كانوا هنا لا بد إنهم رحلوا تواً، تناما داخلي أمل كبير, الأمل ذاته الذي راودني في البدء وحفزني على أن اتبع أثر القافلة رأيت أثار ضعنهم في المكان، الأثافي متناثرة، هنا آثار مضارب أوتاد الخيام مغارزها في الأرض مازالت واضحة، هنا بقايا دلالهم، ورائحة القهوة البدوية تعبق في المكان، تعثرت قدمي بشيء متكور ولدن مدفون تحت طبقة رقيقة من التراب، وقفت انحنيت عليه والتقطته نفضت الغبار عنه فظهرت خيوط (الخرج)، خيوط ملونة منسوجة بمحاذاة بعضها بطريقة طولية وتنهي بعقد سوداء صغيرة، أزحت طرفي الغطاء و فتشته، كان داخله حاجيات أنثى ـ مرآة مكسورة, مكحلة, خلخالان من الفضّة، وصرة حناء صغيرة ـ

أوغلت فانكشف المخبوء..

في لحظة سرمدية انكشفت أمام عيني كامل الصورة، شعرت أن المغاليق تكشفت لي وحدي كنت مقابل باب القلعة الخشبي الهائل وهو يتحطم تهاوى تحت قدمي. للحظات تسمرت أمام هذا الدوي الكبير، لكني استجمعت قواي ودخلت كل الأشياء تضيع في رغبة الكشف، حتى الزمان والمكان، يضطربان، يتشكل قانون زمني جديد، لا منطقي، وتجتاحك رغبة عارمة في ولوج أشياء غير واضحة المعالم ولا تعرف كنهها.

رمدان قلعة من طين جدرانها عالية تطاول السماء، تحصّنت بها مع البدو حين هاجمنا الغزاة، صعدت إلى (المرقاب)، رأيت الجيش الزاحف باتجاه القلعة، يتدفق مثل سيل، اقترب حتى أحاط بالقلعة، أدرت بصري إلى داخل السور، أبصرت النخيل وهي تراقص الريح، وقد نثرت ظلالها على الممرات، الرجال مسترخون تحت النخل الذي أسفل السور يثرثرون بصوت منخفض تتعالى ضحكاتهم بصورة متقطعة، ظهر لي أنهم لا يعبئون بالجيش القابع خلف الأسوار، الأطفال يتراكضون بالقرب من الرجال المسترخين وقد أسرجوا من جريد النخل خيولا، وراحوا يمخرون أرجاء القلعة محدثين ضجيجا عذبا، شعرت بسكينة وأمن عميقين، فنزلت السّلم الصخري حتى وصلت إلى أسفل السور، كان ثمة شيء غامض يقودني, عبرت الطريق الترابي المحاذي للنخل إلى أن انتهيت إلى بئر (الطويلة) التقطت حبال الدلو التي طويت على خشب (القامة) أدليت الحبل، سمعت ارتطام الدلو بالماء، أخذ يغرغر وحين امتلأ بالماء، اختفت تلك الغرغرة سحبته إلى الأعلى بصعوبة, حاولت رفعه لأشرب فشعرت بثقله, وضعته على الحافة الحجرية للطي، أملته باتجاه فوهة البئر وسكبت الماء إلى قعرها ثانية محاولا التخفيف منه حتى أستطيع حمله، ثم قربته من فمي وشربت، تناهى إلى إذني صوت عجوز كانت تقف على مقربة مني وهي تصيح بصوت أخنّ خالطه فرح: (ماء الطويييييييله عل يا ظااامي)

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

كنت أرى القافلة رأي العين، وهي تلقي خلفها الجواد المتشابكة، تعبر باتجاه منابع الماء، وأسمع رغاء الجمال، وبكاء الأطفال المثقلين بالجوع, أرى الشيوخ وهم يحدّقون في سهيل حتى لا يضيع منهم الطريق، أحد الشيوخ أتعبه التحديق في النجم, تنحنح، رفع رأسه إلى الأعلى ثم غرس سبابته اليمنى في أذنه وشرع في الغناء, اشرأبت أعناق الرجال إليه، أما النساء فرحن يتمايلن بطرب ظاهر ويهدهدن أطفالهن الجياع.

ذاكرتي مطمورة بالذكريات...

كان ذلك منذ زمن بعيد جلست قربه حدثني عن رمدان، ثم صمت، أخذ يعبث بلحيته, كان منصتاً لشيء لا أعرفه، عيناه معلقتين إلى الأعلى, يحدّق في ألا شيء, كنت أتفرس في تفاصيل وجهه, انفه دقيق, بشرته داكنة مائلة إلى السواد قليلا, من أثر شمس الصحراء, شفتاه طريتان بحكايات كنت أعرف أنه سيتلوها على مسمعي، أذكر جيدا كيف تهللت أسارير وجهه، وبرقت عيناه, التفت إليّ وقال: لابد أنه سيجيء يوما تتبع فيه قافلة البدو تلك الذاهبة إلى رمدان.

تبعت القافلة أو خيل إلي أني أتبعها.... ....

على حواف كثبان الرمل، و بالقرب من المرتفعات الجبلية، وقفت أنظر إلى البعيد كنت أرى جواد الإبل التي مهدتها بخفافها تتداخل مع الرمل، تمتد بعيدا ثم تضيع في الأفق الشاسع، غارسة في رأسي الحيرة.

تساءلت بنزق: أي هذه الجواد، ذاهبة إلى رمدان؟

تهاويت على ركبتي من أثر التعب, واستسلمت لبرودة الرمال. لا أدري كم مكثت حين أيقضني صوت دوي، أعقبه طنيناً حاداً أخذ في الخفوت تدريجيا, ثم صوت حداء خافت ومتقطع راح يتعالى شيئاً فشيئاً، اجتاحني شعور غامر بالفرحة فصحت أنه المحياني، ورفعت صوتي: أين أنت.. أين أنت؟

وصلني صوته من ألا مكان مثقلا بالنشيد:

يا بكرتي درهمي يا بعد طرقتنا البدو شّدوا وأنا فـ المهمه الخالي

* * *
*

كنت أراه مثل طيف.

نشيده أطرب ناقته المحملة به و( بقلال ) التمر فراحت تطوي الأودية على تخوم الحجاز، سالكة الطريق إلى رمدان، تحفّها أسراب طيور ( ألسوادي) التي أخذت تسكب في أذنيه ضجيجها العذب، كان يمضي عبر المنحدرات مثقلا بالشوق، عبر الطريق المحاذي للقطعان المتناثرة في الصحراء، ألقاها خلف ظهره، وحثّ راحلته إلى الغرب، أثاره فارس يمتطي فرسا دهما، يعبر بها الأفق البعيد، فدمدم بأغنية بدوية, وراح يغور في الأفق شيئاً فشيئاً حتى توارى.

رمدان كل الطرق تؤدي إليه.. كل الطرق تخرج منه! هكذا سمعته يقول ذات يوم.

الصحراء قاحلة يعربد في جنباتها طائر خرافي، يوزع الجدب في كل أجزائها.

صرخت بصوت مشروخ: أيها المحياني: انتظرني فالمسير أوهن قدمي.

انبثق المحياني من وسط الرمل مثل إعصار وقال: رمدان قريبة منك بعيدة عنك!

* * *
*

قلت: أرهقني الركض، وأورق في عيني حزن سرمدي، ورمدان بعض رؤيا يصعب القبض عليها قال: تجلد فالقافلة تسير بسرعة كبيرة، ستمر على الوادي الكبير، تقيم هناك زمنا ليس بالطويل ثم ترحل، تمر على جبل العامرية، سيقذفها الطريق إلى الشرق، فتعرج على واحة (مغرق) تتزود بالماء، وتواصل سيرها إلى.... .... ....

دون أن يكمل حديثه ذاب في الرمل، تحول إلى ذرة من تراب، رحت أحدق في الحفرة التي خلفها وراءه والرمل يتداعى إلى داخلها بسرعة كبيرة لم أفاجأ لاختفائه. متيقن أنا أنه سينبثق في مكان آخر، ربما من صخرة سيولد، أو من سحابة في الأفق سيتنزل.

لا أعرف كم مكثت هنا! فالزمن في هذه البيداء اللعينة، كائن هلامي لا أعرف كيف يبتدئ ولا متى ينتهي؟

لا أعرف إن كانت رمدان المكان الحلم حقيقة أم أن المحياني عبأ ذاكرتي بالأوهام فرحت أركض في الفراغ!

* * *

لست أدري إذا ما كنت أهذي أم أن الحلم هدم حدود الواقع.

كل ما أذكره أن المحياني قبل موته كان يئن بتتابع رتيب فمه كان ينز ألغازا وأحاجيا.قال أشياء تشبه الطلاسم جاهدت كثيراً في فهمها.

مازلت أتذكر جيداً آخر الكلمات التي قالها. قال: إن الطرقات والمسالك وجواد الإبل تنمحي، تنمسح، تندثر بفعل الريح وحركة الرمل الدائبة، وقال أيضا: إن الطريق إلى رمدان مربوط في مؤخرة خفّ آخر جمل في القافلة، كان آخر شيء فعله أنه حرّك جسده بتثاقل واقترب مني ثم أسرّ لي: إني سأرافق القافلة، وسأرى تحت ساقي أول جمالها قلعة رمدان وهي تنبجس بأسوارها الحجرية من باطن الأرض.

اختلط عليّ الأمر، لم أعد متيقنا هل رمدان المكان الذي أشغلني طويلا واقع أم وهم!

موت المحياني رغم انه كان متوقعا بسبب مرضه الطويل إلاّ أنه ملأ أهل بيتنا بالحزن وبالأخصّ أنا، وفجّر بدواخلنا حكايات تشبه الأساطير عن القلعة اعتقدنا أنا نسيناها، لكن حكاياتها أخذت تهمي مثل رذاذ شحيح، سرعان ما تلاشت، أمام عناد الموت الذي عاود شحننا بالحزن ألممضّ.

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007