[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ابنُ أخي يتقيَّـأ والدَهُ 
التاريخ:  القراءات:(6962) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : خالد الصامطي  

« ابنُ أخي يتقيَّـأ والدَهُ»

أن تنسى نفسكَ, رامياً خلفكَ كلَّ الوساوسِ والشكِّ والفضول الذي قادكَ إلى موعدٍ مع طبيبٍ نفسي, ناقضاً لوعودٍ سكبتَها قبلَ جُرعةٍ من لحظات, بعدَ مسافةِ تقليبِ الأدوية وإيداعِها جيبَ ثوبكَ, وتعديلِ "غترتكَ", فهذا يعني أنّكَ رأيتَ الأعظم... وعُدتَ لشخصيتكَ التي لا ترتاح إلّا أن تعرفَ الحقيقة!

تَشنُّجهُ وحركتهُ المنتفضة وإلقاؤهُ لأقدامهِ جُزافاً على قطعةٍ خشبيّة, أشياء لا يُمكنُ استيعابها ومعرفةُ سببها بِسهولة.

بجانبهِ على الحائطِ يتكئ واقفاً رجلٌ يبدو في منتصفِ عقدهِ الخامس, لم يُبدِ اهتماماً بالعابرين, يُبحلقُ في الشَّابِ بهدوءِ صيَّادٍ عرفَ البحر, واعتادَ الانتظار, يَعرفُ متى يُنزلُ الصنَّارة, وفي أيّ وقتٍ يسحبها. بفضولِ الأمِّ اقتربتُ منه, وسلّمتُ عليه, لم أكن مُتوقعاً ردَّة فعله وأريحيتهِ, لم أسألهُ عن شيء فقط اكتفيتُ بالنَّظرِ إلى ذلكَ الجسدِ الذي هدأت حَركتُهُ وتقوّسَ على نفسهِ مُصدراً حشرجةَ مقهور, حينها ابتسمَ الرجلُ وسحبني جانباً:

- يبدو أنَّكَ تستغربُ الأمر!

-جداً !!!

- مُنذُ طفولتهِ بدأت أعرضُ هذهِ الحالة النفسيّة, لم نمنحها اهتماماً, حَسبنا – أنا ووالدهُ- أنَّها مجرّد شغبٌ طفولي, لكنّها تضاعفت وها أنا أتحمّلُ إهمالَ والديه!

- وما الذي فعلتهُ قطعةَ الخشبِ هذهِ, حتى يفعل كلّ ذلك؟ هل حالتهُ متعلّقة بالخشب؟

- ابنُ أخي يتقيَّأ والده.. الحكاية تطول, والوقتُ لا يخدمني, أمَّا أنت يبدو أنَّ الفضولَ بدأ يغلي في رأسك, لذا سأستغلّ وقتَ حالتهِ حتى تهدأ في إخباركَ بعضَ القصّة.

أطواقٌ من الكبتِ وسوء تقديرٍ للسنِّ تلاقفتْ براءةَ طفولتهِ في بِضعِ سنواتِهِ الأُوَل, لا تَلعب الكرة, لا تَخرج, لا تُقبِّل مها ابنة خالتك, لا تسهر, لا تترك الصلاة, لا تغب عن المدرسة, لا تُشعل النار, لا تُغنّي, لا تَذهب معهم, لا تتسلّق الشجرة, والكثير من اللاءات التي تجمَّعت لِتكوِّنَ الوصايا المائة!!

أذكرُ ذاتَ مرّةٍ دخلتُ فناء المنزل وهو يحرقُ فنيلةً كُتبَ عليها " لا.... للمخدرات", لم أنكر عليهِ شيئاً, كنتُ فقط أصمت, وهو يخبرني مبتسماً كلّ الحقيقة, كم كانَ رائعاً هذا الفتى!

عندماَ كانَ والدُهُ في المستشفى قبلَ وفاتِهِ, كانَ منصور في العشرين من عُمره, كنّا نذهبُ سويَّاً لزيارةِ والده, ذاتَ مرّة, كنتُ جالساً في غرفةِ الانتظار قبلَ بدء الزيارةِ بربعِ ساعة, كنتُ متمتعاً بتقليبِ تلكَ المنشورات والتعليمات الطبية بين يديّ, أما هو نظرَ إلى ساعتهِ وخرجَ إلى الممر العام في المستشفى, لم أسمع سوى صراخ الممرضات وامتعاض كبار السنّ, عندما خرجتُ كانَ قد هاجَ وبدأ بتكسيرِ لوحاتٍ عُلّقت على الحائط, بعدَ أن سحبَ أحد المسئولين السيجارة من يدِهِ وأطفأها!

إذا أتتهُ الحالة, لا أحد يستطيعُ إيقافه, التصرّف السليم هو تَركُه حتّى يهدأ, لأنّهُ لن يؤذي أحداً, وهذا ليسَ بكلامي, بل نصائحُ طبيبهِ النفسي الذي أفادنا كثيراً منذُ أن بدأنا نُراجعهُ قبلَ أسبوعين.

عرفتُ أنَّهُ يُعاني من مشكلةٍ نفسية, عندما كانَ في التاسعة من عمره. ذاتَ عطلةٍ أسبوعية ألحَّ بأن يركبَ معي في السيارة, مُتحججاً بأنَّ والدهُ لا يسمحُ لهُ بالخروج من البيت كثيراً, حتى في الأجازات, عندما ركب قالَ: أرجوك يا عمّي أن تُسرع, تعذّرتُ لهُ بأننا في وسطِ المدينة والسرعةُ هُنا ممنوعة! ما أن أنهيتُ جملتي حتى صرخَ بأعلى صوتهِ وانتفض –في البداية ظننتُ أنَّ مسّاً أصابهُ- وعندما أسرعتُ إلى المستشفى, هدأ وقال "أسْرَع".. "أسْرَع" وابتسم! ثمّ بدأ بالضحك, منذُ ذلكَ الوقت عرفت, وعندما أشرتُ على والدهِ بأن نعرضهُ على طبيب, قال "ابني ليسَ مجنوناً, أنا أعرفُ عِلاجه" , لمدّةِ شهرٍ لم أرهُ بعدَ ذلك, كلما سألتُ والدهُ عنهُ, يقول: إنهُ يذاكر, يمرّ بفترةِ امتحانات.

قطَع كلامهُ صوتُ الجالسِ على الرصيفِ هامساً " عمي يوسف" , فأسرعَ إليهِ مُخرجاً قُرصاً من الدواء, أعطاهُ إيّاه ومضيا يسيران, حتى أنّه لم يلتفت لتوديعي, ندمتُ على الوقتِ الذي قضيتهُ مع هذا الرجل البارد, دونَ أن أعرفَ سرّ هذا الفتى, أخرجتُ دوائي بعدَ أن ذكرني بهِ المنظر, ألقيتُ بقرصٍ في فمي ومضيتُ راكلاً في طريقي لوحَ الخشبِ فتدحرجَ كاشفاً عن جهةٍ أخرى كُتبَ عليها:

"ممنوع الوقوف"

12 سبتمبر 2004

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007