[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حكيمٌ لولا... 
التاريخ:  القراءات:(6518) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : خالد الصامطي  

لحيتهُ الكثّة الساطعة بياضاً, والتي لا تخلو من غزلٍ رمادي يُعكّرُ صفاءها, كانت كفيلةً بأن تُشعرَ من يراهُا بهيبةِ المسنِّ رغمَ مرضهِ وتهالكه- هذا هو الشعور الذي امتلكني عندما رأيتُه في أولى أيامِ عملي كمشرفٍ اجتماعي- . خبرتهُ الطويلة في الحياة جعلتْ منهُ الشخصَ المناسب لإلقاء الحِكم, حكيم زمانهِ لولا الأمر الذي عكَّرَ عليَّ التشبيه, لماذا يعقّبُ بتلكَ الجملةِ بلا مبررٍ يستوجبُ إيرادها كتقديرٍ واحترامٍ للسامع؟

(لم تكن حياتنا كما الآن, كانت الألفة تجمعُ قلوبنا, إن صحَّ التعبير كنّا قلباً واحداً... سأقولَ لكَ شيئاً يا ولدي, "الرجل" هو الذي لا يسمحُ لأي دخيلٍ يغيّرُ من خُلقهِ, كانت عاداتنا, كنزنا, وفخرٌ نتباهى بهِ كلمّا شعرنا بتميّزنا خلال نظراتِ المسافرين العابرين )

ربما كانت تلكَ الجملة, لازمة, اعتادَ على قولها كثيراً, ولكن لماذا يقولها فقط عندما نتحدّثُ في هذا الموضوع بالذَّات, ولماذا يقرنها فقط مع لفظهِ لكلماتِ محدده؟ ربما أحاولُ صُنعَ حيرتي مع وضوحِ هذا المُسِنّ, كي أمسحَ الوحلَ الذي يتسرّبُ مع انسيابِ كلماتهِ الرنَّانة وحِكَمِهِ, ربما لا أريدُ أن أُهشّمَ صورتهُ الجميلة المعلّقة على قلوبُ من يجاورونهُ الأسرّة, وأنا معهم ..!

ما يعكّرُ عليَّ صفوَ اندماجي مع حكاياتِهِ, وتمسّكهِ بعروبتهِ وشهامتهِ, هو الاشمئزاز المتعلّق في نهايةِ تلكَ الجملة, كلما نطقها, مما يجعلني أنا أيضاً أمتعض وأحاول جاهداً بكلماتي التي لا تجدُ لها متسعاً عنده, أن أغيّرَ مفهومه الخاطئ جداً, المتمكّن منه.. , المفترض أن تكونَ الإيماءة والجمل المناسبة لتكونَ تعقيباً على تلكَ الأسماء, هي نفسُها التي نصدرها عند سماعنا للحنٍ رقيق, أو وجودنا في جوٍّ رومانتيكي يخرجنا من عالم هذهِ المفاجئة التي ساقها لنا هذا المريض..!

( في قبيلتنا كنتُ مثلاً "للرجل" المتمسّكِ بتقاليده, المحارب لأجلها, جميع أهل القرية كانوا كذلك, ولكن لا أحد مثلي عندما يحتدُّ نقاش حول قضيّةٍ تحكمها أعرافنا, كنتُ أذود عنها كما لو كنتُ أحمي أبناً لي...!

المبدأ يا ولدي, هو النبض, إذا تخليتَ عن مبادئك في سبيل إرضاء الآخرين, فأنتَ بلا نبضِ يثبتُ وجودك و استمراريتكَ في الحياة, "فالرجل" يكونُ موجوداً إذا عاشَ في موقعه الذي تحددُه له مبادئه)

أحياناً أشعرُ بأنه ضحّى بالكثير في سبيل إثبات وجوده و مبادئه..!

رجل مطلق, هجرَ زوجته بعد ثلاثينَ سنة من الزواج, لأسبابٍ فشلت ألاعيبي أن تكشفها, زوجتهُ السابقة تقول أنّها لو بينتها لي لبكيتُ ضاحكاً من تفاهتها, لم تبينها, ولكنّها أكدت أنها لم تذنب, هل يكونُ طلاقه إحدى القرابين التي أراقَ دمها من أجل مبدأ؟

(في الماضي لم نكن نستجب لمغريات الحياة إلاّ في حالات نادرة, بعد أن تأكدنا من عدم إخلالها بأسس القبيلة.

الحياةُ يا ولدي, تحكمُ لفَّ حبالها على الأقدام دونَ شعور أصحابها لتجرفَ الغافل منهم بلحظةِ انهماكٍ في تتبعِ الرغبة إلى دوّامتها, الرجل الحريص والفطن هو الوحيد القادر على تجنّب غدرها..)

صحّتهُ المتدهورة, و المشاكل التي يعانيها, تعترضُ سبيلَ تصديقي لما يقول, فمن يملكُ القناعة فيما يفعل – كما أشعر من طريقة كلامه- سيعيشُ حتماً في استقرارٍ نفسي دائم, مما يبعدُ عنهُ كل المعوقات, حتى المشاكل العضوية كما يقول علماء النفس, فكيفَ لمن كان يعيشُ في هذا الكمّ من الاستقرار والرزانة والحكمة والأخلاق –باستثناء جُمل يطلقها معقباً على كلمات محدده- كيفَ تكونُ نهايتهُ وحيداً مهجوراً على السرير الأبيض, ألم يتذكر أحد أفراد عائلتهِ أو أصدقائه شيئاً من حسناتهِ لتؤرِقهُ ليلاً حتى يزوره؟

هل أتقنَ ترديد كلماتهِ ولم يتقن تطبيقها.. لينتج عندي هذا اللبس؟

جملتهُ دعاءٌ جميل إذا أتى لوحده ولكنّه سيئ إذا أصبحَ تابعاً لمثل تلكَ الكلمات, وجملته هي الشيء الوحيد الذي يثبتُ وجود خللٍ ما في مبادئ هذا الشيخ الكبير, أو في فهمهِ وتطبيقهِ لهذه المبادئ وفي كلتا الحالتين يكون الجهل أو الموروث هو السبب!

(لا شيء يجذبني في حياتكم اليوم, كلّ شيءٍ لم يكن كسابقِ عهدهِ, الناس والأشياء, العقول أصبحت تصنعُ التبرير لكلّ شيء ولأي شيء, أصبح الناس يموتون نتيجة عقولهم وفكرهم, في الماضي كانوا يموتون من أجل كرامتهم وشهامتهم, ليرفعوا رؤوس أهليهم وقبيلتهم, وقليل منهم يموتُ من الجوع )

لا تبرير لديّ لوضعه سوى أنّه تعلم الكثير ونسي أو تجاهل تعلمّ العلاقة بين الجنسين وقيمة المرأة في مجتمعه, تلك القيمة التي لا ينفيها الشرع أو المنطق.

ابنتهُ الوحيدة طريحةَ الفراشِ أيضاً, يقال أنها شُلت نتيجةَ ضربٍ مبرح من قبلِهِ, ما أصاب عمودها الفقري بخللٍ عندما كانت في السادسة عشر من عمرها, يقولون أيضاً أنها كانت جميلة إلى الحدِّ الذي جعل شباب القرية يندمون على عدمِ خطبتها قبلَ أن تُدفنَ زهرتها بيدي والدها بتحريضٍ من شكوكه ومبادئه..!

( حاول يا ولدي أن تبني هيبتكَ بقسوة, لا تسمحَ للضعفِ بأن يوهن بناءك, كن صارماً في قراراتكَ, وبخاصة .. مع النساء "أكرم الله السامع", ولا تنظر بمقياس الصح والخطأ معهنّ, فالمرأة "أعزَّ الله السامعين", لا تبالي إلاّ بتلبية رغباتها, ولا تعلم أنَّ عار القبائل مختومٌ على جبينها. تصرفاتها بلا مبالاة, هوجاء, لا تعي أنهّ بالإضافةِ إلى وجودها, بأدنى تصرّفٍ قد تهوي بالقبيلة إلى الحضيض, المرأة " أعزّك الله " لابدّ أن تكونَ رغبتها معلقةً برغبةِ ولي أمرها, فلا تشعرها بوجودها فتتمادى. هي أصلاً ملغيةُ الوجود مادام الرجل موجوداً ومتمسّكاً بموقعه )

قال ذلك, كمن يغرفُ من بئرٍ عتيق, واستطردت عيناهُ بدمعةٍ أكملتْ مشوارَ الصمتِ, ولكنها غاصت إلى الداخل..!

6/ديسمبر/2003

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007