[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مجرد نص 
التاريخ:الأحد 5 ديسمبر 2004  القراءات:(6504) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : طلق المرزوقي  
افترسني القلق, حاولت أن اغني فخانتني حنجرتي, رحت أتفرس في الأشياء التي حولي محاولا تبديد الخوف الذي بداخلي.

الطاولة التي المسترخية أمامي صنعت من شجر الزان الفاخر مطلية بالون الأحمر, سطحها, استقر عليه لوح من الزجاج الشفاف المشطوف بعناية من الأطراف, وعلى الطاولة وضع مصباح قراءة عُمل من المعدن الأسود.

الكرسي الذي خلف الطاولة صُنع من الخشب له مسندان خشبيان مقوسان متجهان ناحية الأسفل وظهره كُسي بالجلد الفاخر الأسود وغرست به أزارير مستديرة الشكل, من نفس نوع الجلد كل أربعة أزرة تشكل مربعا. أمي لكزتني بنظرة غاضبه، أبي انهال على بصفعات متولية، جعلتني أترنح كعود خيزران. لا اعرف لماذ تقفز هذه الحادثة إلى ذهني كلما تلبستني حالة خوف.

في الركن الشمالي من الغرفة انتصب بحياد عمود من الرخام الأبيض استقرت عليه آنية ورد صنعت من النحاس المحروق لونها يميل إلى البني الداكن, غرست بداخله وردتين بساقين طويلتين الأولى حمراء مازال لونها ظاهرا رغم الشحوب منتصبة تغالب الموت.. الأخرى لم أتمكن من معرفة لونها..ساقها انكسر تحت التاج تحديدا وانكفأت أوراقها إلى الأسفل كانت قد ماتت تماما, نوافذ الغرفة توارت خلف ستائر سميكة حمراء قانية, الجدران مطلية باللون الأبيض الكريمي الذي يشعرك بالبرد كلما أوغلت النظر فيه.

صوت الباب وهو يغلق أرعبني, انتصبت واقفاً.

الرجل ذاته الذي قابلته قبل عام يرتدي بزته العسكرية، تقدم باتجاه الكرسي الذي خلف الطاولة دفع الكرسي وجلس, غاص بداخله, كان قصيرا بشكل ملفت لم اعد أرى منه سوى وجهه وكتفيه, لباسه نضيف، حول عنقه شارت حمراء وقطع من نحاس, وجهه جامد كأنه قدّ من ثلج.

استخرج ورقتين من درج مكتبه، ناولني واحدة وأخذ الأخرى عرفت أنها نسخة من الورقة التي معي ، ثم شبك يديه على سطح الطاولة وقال بلغة آمرة:اقرأ.

انكببت على الأوراق:

( كانت بغداد أسلمت عينيها للسهاد, انحدرت بمحاذاة دجلة, استبد بي الحزن, فأسلمت فمي للأنين, الضجر كائن خرافي، اخذ يختال في زوايا المدينة, منذ أن ماتت أمي تجتاحني رغبة في البكاء, التفت إلى دجلة خيل لي انه ساكن لا يتحرك. أمي قبل موتها كانت تمارس العويل كلما ضاع ابي في دروب المدينة, وكانت تجزم بأنه لن تعود. )

استرقت نظرة سريعة إليه، استطلع ملامحه كان وجهه متعطنا وقد غرس يده اليمنى في خده، فظهرت تجاعيد وجهه بوضوح، كان يحدق في النسخة التي أمامه.

رحت اقرأ بسرعة وادغم بعض الحروف ( أمي تعجن الدقيق بالوجع في تنورنا القديم كانت النار تلفح وجهها الوديع فتتقيها بطرف كمها المهترئ.. )

قاطعني بعصبية و قال: اعد واقرأ بطريقه واضحة .

بدأ جسدي ينز عرقا، وصوتي بلله الخوف، رحت أمط الكلمات.

( أمي تعجن الدقيق بوجع وتدفنه في تنورنا القديم، كانت النار تلفح وجهها الوديع فتتقيها بطرف كمها المهترئ, ابي أصاب قدميه الصدأ منذ أن صلب على قارعة الطريق )

عدلت من وضع جلستي ووضعت يدي على فمي إحم إحم إححححححم.

ناولني كوب ماء دون أن يتكلم أخذته، صار يرتعش في يدي، كرعت الماء دفعة واحدة، مازلت اشعر بالظمأ.

صمت برهة أحاول أن استجمع قواي.

قال: ( تذكرت أن جيكور..) اقرأ من هنا...

نقلت بصري على الصفحة بحثا عن بداية المقطع, قرأت ورحت أحز على نهاية الكلمات بأسناني.

( تذكرت أن جيكور تدثرت بالضجر, لملمت جدائلها وجلست على ضفة النهر, مدت قدميها الداميتين إلى حضن الشاعر الذي راح ينسل الشوك من قدمها بتؤدة )

قال بهدوء مخيف من هي جيكور؟

- مدينة عفوا قرية الشاعر السياب 0

- وأشار بيده أن أكمل 0

( حاصره الوجع وراح يرقص على قدم واحدة)

قف قالها بصرامة وتابع لماذا قفزت بعض السطور؟

أعد00أعد00

عدت لقرأة المقطع الذي تركته عمدا

( اخذ الشاعر يضرب جذع النخلة التي أمامه وعبأ فمه با لنشيد:

مطر مطر مطر

وكل عام حين يعشب الثرى نجوع

ما مر عام و العراق ليس فيه جوع

حين فرغ من النشيد حاصره الوجع فراح يرقص على قدم واحدة حتى أوجعه التعب، انسل عائدا إلى المدينة )

باغتنى بسؤال

ما الذي تعنيه بهذه القصيدة؟

تصنعت الهدوء 0

قلت لم اقصد شيئا سيدي هذا يحدث كثيرا مع الناس0

قال بسخرية: وما الذي يحدث كثيرا مع الناس يا سيدي.

- الحديث عن الجوع

وأضفت بلغة مستجدية وبارتباك ظاهر: لا توغل سيدي في التأويل وشعرت أني عاجز عن وقف خياله الجموح الذي سيطوح به بعيدا.

- يبدو انك تمارس الهرطقه0

قلت بصوت تنقصه الثقة: لا والله يا سيدي أنا مواطن صالح لكن التأويل يحمل الكتابة أكثر مما تحتمل.

قال بلغة ساخرة دون أن تظهر ملامح الابتسامة على محياه:

كلام معقول رغم أني أشك في صحته.

- القصيدة للسياب وليست لي 0 لم يعلق وأشار لي أن اكمل0

صوتي بدأ يضعف ويخفت قليلا ( دفنت قدمي في ماء النهر وبصري مازال معلقا في الضفة الأخرى حيث منبع ضوء في البعيد 0 رحت اجمع الطين اللزج وأشكل منه بيوتا لها تفاصيل وجه أمي كنت اصنع لزوايا البيوت أعمدة صاعدة إلى السماء تشبه مآذن المساجد) تسارعت نبضات قلبي، والدماء أخذت تجري في أوردتي محدثة نبضا هائلا، والعرق مازال يسح من جسدي0

المكان بدا يتلاشى أمام عيني، والسطور بدأت تصغر وتتشابك مع بعضها البعض 0

( خبأت رأسي بين ركبتي،تداعي إلى سمعي من أعلى النخلة التي اجلس تحتها هديل حمامة تنوح كان صوتها مزيجا من العويل والغناء الناس يقولون أن الحمام ينوح منذ ألف عام ، أحسست بالفجيعة واعتراني شي من الألم) السطور أخذت تتداخل, دعكت عيني بكلتا يدي وحاولت أن استجمع شتات الكلمات وكنت أقرأ بصعوبة (جموع الناس تحدق في البعيد..) صرخ في وجهي قف, ثم سحب الأوراق من أمامي وبداء الاستجواب.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007