[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عري 
التاريخ:  القراءات:(7154) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد النجيمي  
الحياة مصادفات غريبة , خطوط متشابكة , وأقدار مجهولة مملؤة بالوجع والفقد وبعض فرح .نعيشها بأقنعة متعددة , نتخلص من بعضها ونستمر في استخدام الأخرى وتلوينها وتجميلها وأحياناً تشويهها .

- الجسد عالم آخر يا صاحبي ينتظر منا أن نستكشفه ونتعرف على تضاريسه .

دائماً ما كان رفيقي يردد علي هذه العبارة , ليشرح لي أو لعله يبرر أو ربما يعتذر عن انغماسه في البحث عن المتعة , ورحلته الدائمة في دروب الليل , التي تقوده لجسد ما , أي جسد , وبأي طريقة كانت .

بالنسبة لي بدا حديثه إعداداً مدروساً لطالب معبأ بالأسئلة , يظل غموض الأجوبة يحاصره , ليصنع أسئلة جديدة , تنسى التبرير والأعذار , وينبثق منها خيال جامح , يمتطي صهوة رغبة تصر على اقتحام المجهول , لتعاينه وتختبره , شبه متيقن حينها أني قد أنغمس في هذا العالم العجائبي , وأخوض غمار معركة جديدة كنت أحلم بدور القائد فيها .

* * *

قاد صاحبي خطاي لعالمه , مطيعة , صامتة , ومتحفزة , حتى وصلنا لذلك الحي المزدحم بالشوارع والناس والأنفاس , في مدينتي العتيقة , وبجوار قلبها تحديداً .صعدنا سلالم متهالكة في ما يشبه الظلام , لأجد قدماه تتسمر أمام باب شقة في الدور الرابع .فتح الباب , ودلفنا لصالة لم أرى فيها إلا كرسيين اثنين , يقفان لوحدهما في مساحة شاسعة لا يستر عريها إلا البلاط , وساعة حائط تتدلى بانكسار في الجهة المقابلة للباب .

- مرحباً .

قالتها بصوت كله دفء , قبل أن تضيف موجهة حديثها لصاحبي ونظراتها لي:

- ( جايبه على حسابك .)

- ( أسأليه , للحين ما ني عارف وش يبغى بالضبط .)

امتلأت الصالة بضحكاتهما سوياً بعد كلماته تلك , فيما اكتفيت بابتسامة خجلا , لم تستطع أن تخفي الارتباك الذي كان يغمرني , ولم تقو على أن تبعد عني نظراتها التي كانت تخترقني وأِشعر بها تنفذ عبر مسام جلدي .

* * *

اختفى صاحبي ودلف عالمه , في غرفة ما , في عالم السيدة س , تاركاً أياي معها وحيداً , مرتبكاً , حائراً , وضعيفاً حد الانكسار . اكتفت بالابتسام والنظر إلي , قبل أن تطلق ضحكة قوية وتغادر بعدها لتمنحني فرصة لالتقاط أنفاسي التي أوشكت على النفاد .

عادت وبيدها فنجان شاي , وقد أرخت من قميصها قليلاً , لتمنحني كما خمنت حينها فرصة لاستكشاف بعضاً من معالم جسدها الأربعيني , نجحت في استثارة عيني , فسبقتني عيوني لتلمس الطريق من شفتها وصولاً لتلك الحلمة النافرة تحت طيات ثيابها.كانت رحلة قصيرة ومثيرة ,راكمت من ارتباكي وأعادت لأصابعي ارتعاشاتها .

- ( ودك تلمسها , ترى حلالك . )

قالت ذلك وهي تضحك بغنج , وفي عينيها نداء رغبة جردني من صوتي , جردتني من وقاري المعتاد .كانت شفتاي متباعدتين , وفمي مفتوح على اتساعه , ونظرة بلهاء ترتسم على وجهي . مر بعض الوقت قبل أن أنطق الجملة الأولى بعد عناء واضح وجهد كاد يصرعني :

- لا . أنا أريد فقط أن أجلس هنا .

- ( بس ؟ )

- سأدفع مقابل أن أجلس معك . هل يرضيك ذلك ؟

- ( خيبان ! )

قالت ذلك وأطلقت ضحكة طويلة ومدوية , قبل أن تنظر إلي يتعجب وتضيف :

- ( انته ما تعرف , ولا مالك في النسوان ؟ )

- لا .. ليس الأمر كذلك . أنا هنا فقط مع صاحبي .

نظرت إلي بإمعان , ابتسمت , ثم قالت :

- ( كمل فنجان الشاي , وربنا يفتح عليك . )

كنت أعرف أن فضولي لن ينجدني , وهذا العالم الجديد الذي عاينته ذلك المساء لن يبدد حيرتي وخوفي . وضعت الفنجان قبل أن أرشف منه رشفة واحدة , وغادرت محملاً بخجلي , وخيبة تنامت داخلي فشعرت بالحسرة .

* * *

في رحلة العودة بعد الهزيمة في مواجهة تلك الليلة , تذكرت وأنا ألملم خطواتي وما تشتت من أفكاري , السبب الحقيقي وراء هزيمتي .كان الآخرون يتخلصون من أقنعتهم عند باب الشقة , أما أنا فيا للعبث فقد دخلت معركتي الأولى محملاً بكل زيف الأقنعة التي سكبها كبارنا داخلي منذ زمن الطفولة البيضاء .كان العري هو الوجه الآخر للحقيقة , وظل السرير هو لغة التواصل الصادقة ولو على المستوي الغريزي . ماذا لو كنت عارياً بلباسي ! غارقاً في مستنقع الأقمشة الرقيقة , مسكوناً بالخوف والرغبة المقيدة , غافلاً عن فكرة أن ذلك العالم قد يمنحني الحرية المطلقة , ويخلصني من أغلال العقل واللباس والقيم ولو للحظات قليلة !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007