[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أولاد الحيوان 
التاريخ:  القراءات:(15427) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  
كنا نظنها الغيوم ، و هكذا بدأت عيوننا تتطلع إلى الأعلى ، و قلوبنا ملئت ، و هي ترقص ، بالأفراح الزاهية ، وقد ركبت الأطفال موجة فرح صاخبة جعلتهم : يدورون ، و يدورون ، و هم يزعقون . النساء كن ينظرن بسعادة ، و قد وقفن ، و تحركن ، و أخذن بالتصفيق الخفيف … أما كبار السن ، فقد نفضوا عنهم فبار التعب ، و نهضوا آخذين بتفحص السماء ؛ و قد سمع أكثر من صوت يرتفع قائلاً :

- الغيوم … الغيوم !!

و لم يلتفت أحد إلى من قال ، مهمهما ، للواقف بجانبه :

- قد يكون جرادا ؟!

و هكذا ، اتسعت العيون إلى أقصى ما يمكنها ، و السماء تظلم ، و الأطفال يتوقفون بوجل ، و قد أخذت الأرض ترتج ، و بدأت كل الأشياء واضحة تماما و طفل أخذ يلتصق بأمه ، جاذبا ثوبها و هو يصـرخ دون أن يسمع ، فقد غطت عليه أصوات الطائرات التي أخذت تنزل :

إنها طائرات لينة ، سوداء ، مبقعة ، ما أن تمس الأشجار و الأرض حتى يتوالد منها الآلاف من الكائنات الراكضة ، ليسوا جنوداً ، و لكنهم يشبهون الجنود ، و يأخذون بالأكل : أكل كل شيء ، و أي شيء : أخضر و يابس .

في هذا الوقت ، كان الجميع لا يستطيعون غير التنفس ، وقد هالهم هذا الكم الهائل من هذه الأشياء الكبيرة النازلة عليهم من السماء … و هذه الكائنات الخارجة منها ، الراكضة ، الآكلة … و لما لم نر من قبل مثلها ، أو شبيها لها ، فقد أخذنا نلتفت ، خائضين في حيرتنا ، و نحن نتساءل ما هي هذه الأشياء !! و وسط ذلك كانت عيوننا تحاول أن تلتقط أي شيء يشبهها حتى نعطيها اسمه … لم تكن تشبه النخيل ، أو الأشجار ، آو البيوت ، إنها مثل الصخور … و لكنها خفيفة ، تتحرك ،و تطير ، لم يكن يليق بها أن نسميها طيورا ، و كان البعض قد أخذ يقول إنهم " النمل "، لدأبهم و تراصهم ، و انتظامهم ، و عملهم الجاري أمامنا ، و الذي لا يتوقف ؛ و لكن هذه الأشياء ضخمة و لذلك سميناها بـ " الحيوانات " ، حيث كان أمامنا في الفلاة الكثير من حيواناتنا ترعى غير عابئة بشيء ؛ أما الخارجون من " الحيوانات " فقد صار الأطفال يطلقون عليهم ، فيما بعد، " أولاد الحيوانات " .

هكذا ، بعد أن تم تحديدهم بهذه الاسماء ، ترك الأطفال أثواب أمهاتهم ، و راحوا يجرون مقتربين من " الحيوانات " الكبيرة ، متطلعين إلى أولادها الراكضين أبداً . أما النساء ، فالبعض ما زالت تضع يدها على فمها ، و البعض وُجَمْنَ ، و أخريات انصرفن ، أما الرجال ، فقد ظلوا جامدين مثل الصخور ، و قعد بعضهم كنسور سود ، و تهيأ كبار السن للذهاب إلى المسجد ، ، فيما كان أولاد الحيوانات يحطون . بحيواناتهم في فناء المدرسة ، و يقيمون لهم مطبخا في المستوصف ، أما المسجد فتركوه ، فقط كانت تحوم حوله واحدة من حيواناتهم .

و أخذنا بعد ذلك ، نهمس عن سر نجاحهم :

فقال قائل : إنه العمل ، و قال آخر : إن نجاح الإنسان في تحريك دماغه ، فهؤلاء لهم عقول متطورة ، بيضاء ، نظيفة ، و سخر منهم آخرين قائلين : إن أولاد الحيوانات ليسوا إلا بشرا مثلنا ، و لكن غناهم جعل كل هذه الحيوانات الطائرة ، تقف في خدمتهم ، و هز آخرون رؤوسهم قائلين : إن ذلك هبة من الله .

و تفرقنا إلى بيوتنا ، و نحن نرسل نظراتنا الوجلة إلى أرضنا الواسعة ، الخصبة ، الخضراء ، ذات الأشجار ، و العشب ، و الماء ، و الصخور السوداء ، الطرية ، صخورنا ، ذات الرائحة النفاذة ، الصخور الممتازة ، و التي من كثرتها تسيل كنهر أسود ، يذهب بعضه الى البحر … كانت علاجا نافعا للبرد و الحر ، و هي تقضي على الفقر ، و تجلب الراحة ، و الآن هاهم يأكلونها … هكذا تساءل الكثير منا في البيوت … و نحن ننظر إلى أولاد الحيوانات هؤلاء …

في البدء علا ضجيج بأنهم : جاؤا لمساعدتنا ، و لكن بعد أن أخذوا يأكلون أشجارنا ، و يطعمون حيواناتهم الجديدة السوداء من دماء صخورنا ، و نحن نرى ، بعد ذلك بدأ الشك يتسع في عيوننا ، ممتداً كصحارينا ، و قد تيقن عندما خرج بعض فتية لنا ، ليمنعوا أولاد الحيوانات من أكل أشجارهم ، فما كان من أولئك إلا أن أطلقوا عليهم أذرعتهم النارية ، الرصاصية ، السريعة ، فخر الفتيان في أرضهم ، و تخبطوا في أحلامهم ، و همدوا … فأكلهم أولاد الحيوانات .

و هكذا ، اتخذنا مواقف متباينة ، فيما بيننا ، لكننا ، في الظاهر بدونا و كأن شيئا لم يحدث ، أبداً ، باستثناء أول الدهشة ، حيث تهارعنا حاملين أكياس الرز و الزيت و الدهن و اللحم و الدجاج و الصلصة و الحليب و البصل و الطماطم … و غيره … و غيره ، و ملأنا به ، ثلاجات ، و مخازن بيوتنا ، ثم ابتسمنا برضا ، و نحن نمرر أكفنا على كروشنا ، المستديرة البارزة … و ننام … و نضحك … و كقرويين ، نسينا هذه الحيوانات ، أو كدنا كذلك ، ومن ثم انصرفنا إلى شؤوننا العادية ، و إلى مشاحناتنا مع الأصدقاء ، ومسئولينا الصغار في العمل ، أو جيراننا ، و كأن شيئا لم يحدث .

لا ندري بعد ذلك ما ابتلانا ، لقد ترهلت عيوننا ، صحيح أنها بقيت متسعة من دهشتها الأولى ، لكن أجفانها ارتخت ، و لم تعد ترى فيها ذلك البريق لانعكاس الأشياء ، غادرها ضوء القلق و الحيرة و الأسئلة ، و غدت رؤيتها خافتة كالمساء ، و كان الناظر إلينا يخالنا دون عيون : لم يعد في الواحد غير فمه المفتوح داخلا معه الطعام و الهواء و الغبار و الكلام و الصور و الصحف و نشرات الأخبار ، و الكثير من الأجهزة … نعم هذه إحدى الحكايات التي حصلت ، إنها حكاية غريبة جداً ، فقد تناقلت الجارات ، أن واحداً من أهل الحي - شوهد من قبل مراراً ينام و هو يحضن مذياعه - عندما قلب مذياعه ذات اليمين و الشمال ، و دار به إلى الأمام و الخلف ، و لم يكن غير الضجيج ، خلفه ، و لفه ، ثم دسه في فمه ، و ابتلعه دون مضغ ، و ضحك ، قافلا فمه ، ثم قام نافضاً يديه … و انتظر أهله و جيرانه ما يحدث ، فلم يحدث شيء ، كل ما في الأمر ، أنه قد صار مذياعاً ، يخبر ، و يبربر ، و يوشوش ، و يشوش ، و يحكي ، و يغني ، و أحيانا يملأ الحارة بالضجيج الفارغ ، و التافه ، و السطحي ، و أحيانا يصمت … ، فما كان من أهله ، و جيرانه ، و حارته غير أن لفوا ، هم أيضاً، "مذاييعهم " و أكلوها ، كل بطريقته … في اليوم التالي قيل أن آخرين أخذوا يأكلون الصحف و المجلات ، بعضهم يمضها و هو في طريقه إلى عمله ، و بعضهم يلتهمها و هو يقود سيارته ، و الموسرون في الوقت يضعونها شرائح مع سلطاتهم … و قيل أن بعض الشباب جربوا شيها ، بجانب البحر ، أو في البر ، و لكنها تطايرت مع الأثير … و حتى الصغار كان لهم نصيبهم ، فأحد الأمهات أزعجها ابنها الحابي بصراخه ، فغسلت له جريدة من عدد اليوم نفسه : طازجا طريا ، وأزالت عنها بعض الأصباغ و الأخبار و الأخبار ، و تعليقا كان في أولها، ثم حشتها في فم الطفل ، فكف عن صراخه و حبوه ، و أخذ يخلطها بلعابه و مخاطه و الرمل و يبتلعها … من يومها و الخبازون يبيعون " المذاييع " و الصحف الطرية الطازجة ، و المستعملة ؟، مما حدا بالصحف الواسعة الانتشار إلى مضاعفة أرغفتها ، و تسميك أغلفتها ، وإغراق البقالات و الصيدليات و المطاحن و الخبازين ، و باعة المفرق ، و المطاعم و غيرها … و غيرها … بأعداد وفيرة ، و بأسعار منافسة في متناول يد المواطن … و ينتظر أن تعمد بعض دور الصحف المشهورة إلى الإعلان عن بيع صحفها البروتينية و الدهنية ، الخالية من الكلسترول ، إلى المواطنين ، بالتقسيط المريح ، نظراً للظروف الطارئة التي تدعوها للاضطلاع بهذا الدور العظيم .

في تلك الأثناء ، كنا هكذا ، و كان تواجد أولاد الحيوانات بيننا قد أصبح مألوفا و طبيعيا كحلول الليل بعد غياب الشمس كل يوم ، و كان توافدهم ، متدفقاً ، مستمراً من كل ظلمات المياه ، و من وراء الجبال العالية ، و من أصقاع الاراضي الباردة البعيدة ، و من فوق الغيوم يأتون ، و من حيث لا نرى أو نعلم ، بل كنا نسمع أخبارهم من خلال أجهزتنا التي لم تؤكل ، كان عالم خارج أراضينا ، يصورهم ، و يحدثهم ، و يكتب عنهم ، و يهتم بجميع أمورهم ، بما فيها أحاسيسهم ، و أشياءهم التافهة ، أما نحن ، كلنا ، فلم نكن مدعاة لاكتراث أي ، إلا بقدر ما نحن أشياء تثير فضولهم أحياناً .

و هكذا ، فقد نُسينا ، نحن ، و لم يعد أحد يذكر شيئاً عنا ، أو عن هوائنا الذي أخذ يتعفن ، بعد أن تكاثرت فيه الحيوانات ، و هي تلد و تلد و تلد ، حيث يأكلون ، و يأكلون ، و يأكلون ، و كنت ترى أحياناً ، لقطة يبثها قمر صناعي - لا نراه - في الشاشات الفضية ، و فيها طفل يلعب في شارع طيني ، ضيق و مترب ، و يخاطب نفسه قائلاً :

كنت ألعب ببعض الأحجار ، على التراب ، فتوقف قربي اثنان من أولاد الحيوانات ، كانا يسكنان في حارتنا ، و هما ينظران لي و لا ينظران ، حيث ليس لهما مثل هذه العيون البشرية ، بل ثقوب تلمع كخرز بارد ، تراءى لي أنها عيون ، و نطقا عني ، و لم ينطقا ، حيث لا فم لهما ، بل كنت أرى أن كليهما فم ، و مما سمعته : و احدهما ، ابن الحيوان ، يقول لزميله ، ابن الحيوان الآخر :

- ماذا يفعل هذا الطفل ؟

قال : أما سمعته يقول : إنه يلعب ببعض الأحجار ؟

قال الآخر : هل نأكله ؟

:- هيا … ياله من طفل … انظر ما أكثر الشيب في لحيته !!

و كنت حجرا صلباً ، فمرا من جانبي يأكلان الشجر !

الدمام 1/3/1411هـ 20/9/1990

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007