[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
العـودة إلى ساندونـي 
التاريخ:الخميس 31 مارس 2005  القراءات:(317) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فائزة مصطفى  

عقارب متوقفة عند التاسعة و النصف منذ زمن... ربما منذ عشر سنوات أو يزيد.. كلمح البصر تبخرت من العمر.

تأمل الساعة القديمة المعلقة فوق رأسه، يتحسسُ دوران الوقت المتبقي، قد يغدو الزمن ملموساً إذ ما تعلق الأمر بتغيير المكان.. تنهد بعمق، أدار وجهه ناحية الحقائب المرزمة ، .. يسافر غداً .

أثقله القرار الأليم، و بد له أن يتخلص من كومة الملابس القديمة، إلاًّ البرد الكائن في الشمال يعدله عن الأمر، قال له "بوزيد" يوماً:

- "ليس هنا دفء مثل الوطن.. في الغربة برد صقيع".

في الحقيبة الصغيرة تلك، زيتون و بلح و قهوة عربية.

- "سأشتاق لقوة أمّي و خبز أمّي.. " : تمتم في سّره، يستعيد ما يحفظه من أغاني شرقية التي يبعثها له صديقه "غسّان"، كتب له في آخر رسالة :

- "يا صديقي.. لا وجهة لي اليوم إلا الشمال، فالشرق تحول إلى بركة وحوش آدمية، سواء المتعشعشة فيها أو النازحة إليها...".

يهرب بعينيه السوداويين إلى سقف الغرفة المتشقق بجروح المطر، تضمد بالجير الأبيض إلى حين الشتاء القادم، حيث يترقبون بيتا جديدا..تأتي الأشتّية و تمضي الأصيفة، و يأبى البيت إلا أن يظل قديماً..

يتقلب الأخ الصغير النائم إلى جانبه، كأنه يطارد كوابيس الفراق، فيهرب هو ثانية من ألم ليل يسرع بالانجلاء.. بقدر غربته العتمة إلا أنه الجامع الاضطراري لأهل بيتهم... يحارب العبوس بمعانقة الضوء الخافت للمصباح الصغير، حتى تتعلق أهدابه النديّة بأولى أشعة الفجر...

يمتطي الحافلة المركونة صوب الميناء، تصطاد عيونه شلّة الشباب المصطفة على طول مرافئ الشاطئ، لا يهربون صوب الأزرق الهادئ إلى ما وراء البحر، إلا لاستراق خطط الاختفاء في صناديق البواخر أو التسرب في ظلمة دهاليزها، ريثما تتبيّن لهم شمس الضفة الأخرى..

تمخر الحافلة بالإقلاع نحو المطار، و تنجلي المدينة البيضاء فتقطع الطرق السريعة البراري الواسعة، بينما البحر يترائ على اليمنة قد اجتاح أرزقه ليلبس اللون الزبرجَّدي، و الأرض ما عادت خضراء بل مصفرة بوهج مضيء يتراقص مع الندى و الشمس...

يشعر كمن يكتتشفه الزائر لملامح بلد جديد، فيتردد اللحظة على مسامعه ما قاله جاره "بن زيَّان" ،عندما التقيا بعد غياب، و تناولا الشاي الدافئ على حافة مقهى شبه مهمل بجبال "الشريعة" الثلجية:

- "لما أمتطي الجنوب إلى عملي، يسحرني لون الصحاري، فأشعر برونق الشمال أنَّه أجمل من سهول سويسرا".

على بعد أميال قليلة، تتراءى هوائيات المطار المعلقة، تنبئ بدنو الوصول، تستفزه طيور النورس المتعشعشة هناك...كما زارتهم ذات ليلة كئيبة خالتهم "ربيعة"، لتدرك شجار والديه شبهت بيتهم بعش النورس، التي تبني أعشاشها في الأعالي، فتأتي الريح و تشتتها في ثوانٍ.

- "جاهدت أمّي في سبيل تماسك عائلتنا.. لم أحتمل أن أظل بطالاً خمس سنوات.. أخي أوشك على إنهاء دراسته، ... أنا لازلت عاجزا على تغيير مجرى حياتنا العسيرة...

- "قررت الهجرة...": قال لأمه ذات يأس..

تتلبَّد السماء باللون الرمادي، حزينة مثله لتأهبه الرحيل، الوطن يحزن كما الأم على فراق الابن، إلاََّ أنه أشًّد المنافي قسوة.

يتفقد للمرة الألف رسالة "بوزيد" في جيب سترته ، يكرر قراءة العنوان:

"... حي "ساندوني"، باريس... لن تهرب منّي العبارة المألوفة، مدينتي كانت تدعى "ساندوني" أيضا في حقبة الاحتلال الفرنسي...".

ينفض جيوبه، ينقب بين أوراقه، فتظهر صورة والدته بالأبيض والأسود ... تغرورق عيناه.

يحيط نفسه بحقائبه ينتظر إعلان المذيعة لموعد الرحلة، يضم الصورة إلى صدره الملتهب بالحزن، منذ بزوغ صبيحة هذا اليوم التراجيدي... يطارد صورتها المحمضة على الورق، ويميز الأخرى المتحركة المقتحمة لحشود الناس، تهرول متعكزة كتف ابنها الصغير، المبتسم بالحزن، تثاقلت خطواته إليها، وأفكاره تنبت الفشل لقدميه، هان عليه منظرها، وهي تأبى إلا أن تراه لآخر اللحظات، لم يكن ليصل إليها لولا أنها أسرعت إليه، تحتضنه بعنف إلى صدرها، وتبتلع البأس الأليم، وتطارد غيوم الدمع العاصي من على عينيها العابستين بالشقاء والصبر.

"... ولكن ...": قال لها مقبلا يديها، كأنّما يعدل عن السفر المعلن اللحظة:

" أيها السادة والسيدات المتوجهين إلى باريس...تقدموا...".

أمسكت فمه بيديها الدافئتين وأردفت:

" في الحياة أشياء أهم ... يا بني".

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007