[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الميزان 
التاريخ:  القراءات:(13780) قراءة  التعليقات:(9) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  
وسط المدينة : حيث تعج الساحةالعام بالسيارات ، و الناس ، و ضجيجهم ؛ و بالقرب من المسجد الكبير المرتفعة مآذنه بعلو شاهق ، حيث تقع هناك عمارات كبيرة : حديثة و لامعة الزجاج ، و هي أماكن لأكثر من دائرة حكومية ، إذ يدخل رجال كثيرون ، و يخرج كثيرون من أبوابها : موظفون هم أو مراجعون .

كالمعتاد ، كنت وسط هذا المكان ، أقف ، و تقف المرأة أمامي ، و قد وضعت خشبة تشبه الميزان ، إحدى كفتيه ناحيتي ، و الأخرى ناحيتها .

نظرت إليّ بثبات و قالت :

- أنت .. لا تسمح لي أن أخرج من البيت !

إصبعها كان يتجه نحوي : ( هذه زوجتي .. زوجتي الحبيبة تقول لي هذا ! ) .

قلت لها :

- نحن الآن وسط المدينة !

( ربما أدركت أنني لا أريد بحث الموضوع ) .

صاحت :

- ولكنك تمنعني أن أخرج من البيت !

( هذه المرة وجه أختي الحبيبة ) .

قلت :

- لا تقولي هكذا .. فالأمر ليس عندي !

( أحسست بالحزن و الخذلان ) .

ردت :

- بكل الوسائل ـ أنت ـ تغلق علي الباب .. باب الغرفة ، و تأخذ المفتاح .

( وجه حبيبتي المشرقة ، عيناها واضحتان ) .

قلت مازحاً :

- و لماذا لا تكسرين القفل ..مثلاً !

و ضحكت ضحكة صغيرة ، لكنها قالت على الفور :

- و لماذا تضع القفل ، و تغلق الباب أنت ؟!

( أنت ) .

إصبعها كان يتجه نحوي كالسهم ..

( عاودني الإحساس الأول ) .

لم أردّ ..

واصَلَت بصوت حاد :

- و لماذا يغلق أصلاً ؟!

( كانت حروفها تخترقني ) .

سكتُّ قليلاً ، و لما لم أتكلم ـ سوى بحركات مضطربة من عيني ـ قالت بصراحة :

- أنت .. أنت لا تعطيني الفرصة ، أنت تلغيني .. أنت تقتلني إذاً !

إصبعها كان يتجه نحوي كالسهم ..

( هل أقول بأن الأشياء لا تأتي هكذا .. مجاناً ؟ ) .

صمتنا ، و كنت أنكس رأسي .

( عيناها كانتا مسلطتان .. على داخلي بالذات .. ) .

التفت إلى المبنى الكبير ، و انفجرت بالضحك ـ لمحت دهشة عينيها أثناء ذلك ـ استمر

ضحكي بشكل هستيري يشبه البكاء .

( و حقوقي أنا أيضاً ! ) .

شعرت بمرارة فمي ..

( وظيفتي هنا .. ربما فهمت ذلك ، تباطأت حركة كفتي الميزان ، حتى استقرتا معتدلتين ) .

مددت يداي لها ، و مدت يديها لي ..

( يا للفاجعة : فهي ـ أيضاً ـ بدون وظيفة !! ، بدون وظيفة أصلاً !! ) .

أخذ الدوار برأسي ، ارتفع صوت المؤذن ، و اندفع أناس صدم أحدهم الميزان دون أن يدري ، فارتبكت الكفان و الكفتان ، كان بسيط الهيئة ، لكنا سقطنا ـ أنا و هي ـ في كفتي الميزان ، و قد أغمضت عيني في تلك اللحظة .

أقبل شاب و شابة ، لها وجه مثل الصحراء يضيء ، و وجه الشاب يشبهها ، ربما هو أخوها ، أو حبيبها ، أو هي زوجته ، انحنيا علينا ، و أخذانا إلى صدريهما .. و انطلقا بنا .. حيث اتضح لي أنني أنني أنا الذي يتكام ، و أن الصوت المسموع صوتي ، و أنها هي التي تطالبني ، و لست أنا ، أو ليس أياً منا ـ أنا و هي ـ يطالب الآخر بما له ، و يطالب .. له .

( هذا الجو الربيعي يظهر فيه قوس قزح ) .

و عندما فتحت عيني ، كانت عيناها مفتوحتان ، صارمتان ، تحدقان في ، و تذكرت أنها ـ هي ـ و أثناء حوارنا ـ كانت ـ تتصلب قسماتها أحياناً ، و تنبسط أحياناً ، و أحياناً تبتسم .

( رجل و امرأة يعيشان في مكان واحد .. معزولان عن بعضهما ! ) .

هالني هذا ، أخذ الدوار برأسي ، و عادت الصورة للوضوح :

المباني اللامعة ، الساحة ، الميزان ، و الجامع ، الرئيس وعمله المستمر .

أحسست أن الشابين يبتعدان ، لمحت بسمة مضيئة تنطلق من ( عيونهم ) ، و هما ينعطفان مع شارع جانبي مترب .. بدا الضوء فيه باهتاً ، و البيوت طينية . نظرت إلى المرأة فرأيت عينيها .. لا تزالان تحدقان فيّ .

( سرجان يضيئان الليل ) .

أغمضت عيني .. فيما صوت المؤذن قد أخذ يتلاشى ، بصوت حزين ، و طويل عبر المئذنة .

الظهران 12/2/1400هـ ـ 31/12/1979 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007