[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
البهجة الحزينة 
التاريخ:الاثنين 2 مايو 2005  القراءات:(7049) قراءة  التعليقات:(9) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  

* * *

كان صباحاً مختلفاً حين أطلَّت عليه من فوق عرشها؛ لتبدوَ كلُّ محاسنها ويعبقَ أريـجُها، تكاد تقول له:" هَيْتَ لَكَ" نظر بعين العاشق الذي أضناه الفراق ، رأى فيها معنىً آخرَ من معاني الجمال، تحركتْ نحوها أنفاسُه المتعبة، اقترب منها خطواتٍ وئيدةً، ولكنه تَمَهَّلَ إذ لم يَحِنْ بعدُ أوانُ قِطَافِها .. سيزيدها الوقتُ جمالاً وأريجاً..

ها هي اليوم أجمل منها بالأمس ، لم تستطع عيناه إحاطةً بجمالها، أريجها اليوم يأتيه يَجُرُّ أنفاسَه إليها، خطا نحوها خطواتٍ .. مدَّ يدَه إلى الغصنِ الرقيقِ الذي يحملها، مال بها نحوه وأنفاسه تتلاحقُ سِراعاً.. فجأةً أطلقَ الغصنَ ليتأرجَحَ قبل أن يهدأ ويستقر..

كان منظراً بديعاً، تأرجُحُ زهرةِ البنفسج وهي تبتعد عنه وتدنو.. أنفاسُه المتسارعةُ تذكره كلامَ الطبيب:"لا تقتربْ من الزهور هي التي تثير حساسية رئتيك..

- إلا البنفسجُ يا دكتور..

- البنفسجُ أخطرُها..

- ولكن إلى متى؟!

- حتى تتجاوز الأزمة، وتزول الأعراض .. خمسةُ أيامٍ على الأقل "

آنيةُ الزهورِ في حجرةِ نومِه أمستْ خاليةً من الزهور على غير عادتها، لم يخلُ مكتبه قبل اليوم من رائحة البنفسج، ها هي الأيامُ الأربعةُ الباقيةُ تَلُوحُ أمامَه كالأشباح، طويلةً لا يرى لها نهاية.. يرمق شجرة البنفسج تزهو بأزهارها البيضاء ، لقد أصبح لتلك الزهرة الوحيدة أخواتٌ يضاهينها في جمالها ، منظرٌ لا يُقاوم ، ولكنه عَجِزَ أن يعْقِدَ صُلحاً مؤقتاً بين رئتيه والبنفسجِ.. كلُّ صباحٍ تودِعُهُ البنفسجةُ بأريجها فيودعها بنظرة فيها موعد..

قبل أن يُجَاوزَ فناءَ بيته وقف يتأمَّلُها، ينظر إلى قطراتِ الندى على زهراتها فيعطف عليها ويَهِمُّ بلثْمِها ثم يتراجع وقد أيقن أنها تبكي لهجرانه إياها؛ إنها رقيقة حزينة ، كيف تحتمل هجران الذي أحبَّها، وقاسى من أجلِها عذابَ رئتيه، رغم أنه حبٌ قاتلٌ، ولكن البنفسجة الحزينة متسامحةٌ، أشاحَ بوجهه وهو يتساءل:" كيفَ تُبْهِجُ يا بنفسجُ وأنتَ زهرٌ حزين؟".

ليس يدري أيهما الملوم: رئتاه أم البنفسجُ، غير أنه يدري أن قلبَـه ضحيَّةُ ذلك الصراع.. لم يكن محايداً، فالبهجة تملأ قلبه كلما رأى زهور البنفسج، ويعتصره الحزن أن تحول رئتاه بينه وبين أريجها، كانت رغم حزنها الكظيم تملأ قلبه بهجة، أما اليوم فقد شاركها الحزن، ولم يعد قادراً على أن ينتزع من أريجها البهجة..

انقضتْ الأيامُ الخمسةُ؛ كان صباحاً مليئاً بالبهجة، نفض بقايا الليلِ من عينيه، أخذ نفساً عميقاً ليختبر رئتيه، غادر غرفته باتجاه شجرة البنفسج، ليجدها عارية من الزهور، وقد تناثرت الزهور الذابلة على الأرض، كانت نظراتُه مشحونةً بالدهشة والدموع التي أبَّـنَ بها آمالَه الذابلةَ، لتَنْـبُتَ بنفسجةُ الـحُزنِ في قلبِهِ هذه المرة..

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007