[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بلح القرى* 
التاريخ:الأربعاء 6 ابريل 2005  القراءات:(12905) قراءة  التعليقات:(13) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  

في قريتنا تتلاصق البيوت في مساحة محددة من جلد الأرض ، تحيط بها النخيل من كل جهة :

نخيل صغيرة تثمر بلحاً أحمر . يأكل منه الناس طوال أزمنة.

الكبار، يحذرون الصغار من الاقتراب من سور عظيم يحيط بالمزارع .. فننصاع ولا نقترب .

يتكرر ذلك في كل خطبة أو مناسبة ، إذ يردد الإمام تلك التحذيرات فيلتفت الناس بحذر و يهزون رؤوسهم .

* * *

في ظهر يوم حار وصل مسافر فوق دابته إلى مدخل قريتنا ، وكانت مفاجأة خاف منها المفتشون وهم يجدون عذق بلح أصفر في متاعه . ألقي القبض عليه بسرعة، وقيّد ، وتم تحريز العذق ، و وضعه في كيس متين و مختوم ، وأرسل مع رجلين جسورين .. سبقهما صياح نذير فزع إلى حيث مجلس الكبار .

جيء بالرجل المقيد وأركع على ركبتيه وسط دائرة ترابية كبيرة . وبالقرب منه وضع كيس البلح الأصفر بكل حرص ، و أحاط بالرجل وكيسه أربعة أشداء لا يطرفون . تجمع أناس كثيرون تملأ عيونهم الصرخات .

تقدم كبير .. وأشار بيده إلى الجموع الزاعقة . فصمتوا . قال بما يشبه الضحك المقيت :

ـ أيه أيها الجاسوس .. ها أنت هنا . قل من أرسلك؟ و ما الذي كنت ستفعله في هذه القرية الآمنة؟

ولكز الرجل المقيد في خاصرته . فتلوى متأوها . لكن آهته غابت وسط زعيق الناس .

رفع الكبير يده بجذل فصمت الناس .

ـ قل أيها الحقير . أخبرنا عن قصتك كاملة قبل أن ندحرج رأسك أمام جسدك هنا .

رفع المكبّل عينين مذعورتين ، وقال بصوت أشبه بالبكاء :

ـ أنا رجل مسكين مسافر !

زمجر الكبير ، وأشار للأشداء :

ـ اقلعوا عينيه . واقطعوا رقبته .

و فيما الأشداء يذودون عن الرجل المقيد المنكمش من صخب الناس ، حائلين دون الوصول إليه وتمزيقه . شق الضجيج صوت صارخ ، وصل صاحبه إلى وسط الدائرة . التفت الكبير وسأل بدهشة :

ـ أهذا أنت يا غسان ؟!

ـ نعم

ـ لم نرك منذ فترة أيها الشاب . أين كنت ؟

ـ سأقول لكم . لكن دعوني أخبركم أن هذا الرجل لم يخطئ .

علا الضجيج، وارتفعت اليد، وساد الصمت :

ـ أوضح لنا ؟

ـ ما يحمله هذا الرجل بلح أصفر يؤكل!!

ـ لا . لا يوجد ما هو صالح غير بلحنا الأحمر . لكن ما أدراك عن ذلك يا غسان ؟

ـ كنت أغيب في المزارع أياما . فكنت أخرج إلى الفضاء و أمشي إلى تلك القرية خلف التلال البيضاء . و أقابل أصدقائي هناك فيقدمون لي بلح قريتهم الأصفر .

تعالت أصوات كثيرة :

ـ إنه يأكل بلحاً آخر.. لقد سحر الفتى أيضا !!

ـ اقتلوه وساحره ...

سمع صوت ينطلق وسط الناس :

ـ ربما يكون ما يقولانه صحيحا !

هدأ الناس قليلا وتلفتوا ، لكنهم لم يعرفوا من قائله.

ـ اقتلوهما هنا .. الآن !!

اقترب الكبار من بعضهم . هزّوا رؤوسهم . و خرج رجل يشبه قطعة أرض وقال بوضوح :

ـ دعوا البلح الأصفر هنا . فكوا قيد الرجل وزودوه ببلح أحمر وأرسلوه إلى القرية الأخرى . وانظروا ما يحدث !

هز كثيرون رؤوسهم . ابتسم الكبير و قال :

ـ نفذوا ذلك . وليستعد المقاتلون تحسبا لأي طارئ .

صرخ غسان :

ـ سأذهب معه .

تعالت أصوات كثيرة :

ـ ساحر مع ساحر!

* * *

في أطراف القرية تم اعتقالهما و إخضاعهما لاستجواب مرير :

ـ هذان جاسوسان .

ـ ساحران .

ـ يجب أن نقتلهما .

و فيما هما يقيدان وسط دائرة ترابية كبيرة جاء صديق غسان ، وقال :

ـ مهلا يا كبار . هذا صديقي من قرية البلح الأحمر .

ـ لقد سحر هذا الفتى !

ـ اقتلوه معهما .

ـ مهلا : فما يقوله الاثنان صحيح . لقد زرت صديقي غسان في قريته المجاورة !

ـ وكيف تخطيت سور قريتنا ؟

ـ تقولون أن سورا عظيما يحيط بنا . لكنني لم أجد أي سور . ذهبت إلى القرية الأخرى مرات ومرات ، وأكلت من بلحها الأحمر !

ـ أتأكل بلحا غير بلحنا ؟

ـ الفتى مسحور . اقتلوه !

يسمعون صوتا هادئا :

ـ ربما يكون صحيحا ما يقول !

الفتى يقول:

ـ يا كبار ، على مسافة غير بعيدة عن تلالنا البيضاء توجد قرية ثالثة مليئة بالنخيل التي تثمر البلح الأصفر والأحمر .

يضج الجمع حول الدائرة :

ـ لا يوجد غير بلحنا الأصفر .. اقتلوا السحرة . اقتلوهم .

يشق الصفوف رجل نذير . يزعق :

ـ يا كبار : رأيت جيشين يقتربان !

ـ وجيشنا ؟

ـ يرابط في الفضاء أمام القريتين .

غسان وصديقه يقولان :

ـ يا قوم . لا داعي للحرب . دعونا ننطلق مع هذا الرجل المقيد إلى حيث صديقنا من قرية البلح الأحمر والأصفر . سنقابله في الأرض الواسعة بين الجيوش الثلاثة . سنأكل من بلح القرى أمام أبصاركم . إن أصابنا شيء تقاتلوا ....

ــ ... لا تصدقوهم ..

ـ هي فكرة ...

ـ ربما يكون صحيحا ما يقولون .

تزاحمت الجموع الهائجة على الأرض الواسعة من جهات ثلاث ، يتقدمها المدججون بالرماح والسيوف والعصي .

تحلق غسان وصديقاه و الرجل المسافر، حول عذوق النخل وبدؤوا يأكلون بهدوء ..

الجماهير تترقب صامتة .

يلتفت القادة والكبار إلى بعضهم . يهزون رؤوسهم . وينقلبون إلى القرى مشيرين إلى الناس بالعودة .يعلو ضجيج هائل :

ـ لا بد أنهم سحرة .

ـ كيف خدعونا .

ـ ربما يكون صحيحا ما يقولون .

ـ أنت معهم

ـ أنت ضدي ..

تنكفئ الجيوش إلى قراها ، مشتبكة مع الناس .

بينما يتوافد إلى الأصدقاء الثلاثة المتحلقين حول عذوق البلح عدد من الشباب وهم يضجون بالضحك .

‏12‏/03‏/2005 الدمام


*ملاحظة : الألوان الواردة بالنص ليس لها أية دلالات إيديولوجية ...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007