[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ضوء 
التاريخ:  القراءات:(7105) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد النجيمي  

تسارعت أنفاس الجميع , الخوف جاثم على صدورهم , ثمة تمتمات تتردد في جنبات المكان : " إنه الليل ! ... إنه النهار ! لا ... إنه النور " . صوت مختنق يجيب : " إنه الظلام ."
أحدهم صاح فزعاً  ": القيامة , إنها القيامة . "

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

سيدة جميلة متلفعة بعباءة من نور , وجهها نور , جثت على ركبتيها أمامنا . كان قد حل الظلام وسكب علينا القمر بعد تجليه دفقاً مبهراً من فضته .حل النهار معها , أو حل بها , لا فرق , فأمامنا تجلى كشف عجيب , شاهدنا المعنى المتجسد للوجود , الليل والنهار في وقت واحد ومكان واحد , يملأ أنفاسنا , أعيننا , وأرواحنا بالحقيقة .
صرخت متوجداً :
_
الشمس والقمر اجتمعا معاً في سمائنا وعلى أرضنا . إنه النهار , إنه النور .
-
مجنون , أنت مهووس , أصمت .
-
اقسم بكل شيء مقدس أنها الشمس , وأن القمر بوجهه الجميل و الذي يطل علينا الآن , ينظر إليها بانكسار .
نظروا لي بسخرية مؤلمة , سمعتهم يتحدثون بعبارات تهكم موجعة , أحدهم قال :
-
هذا سحر , لقد أتاكم بشعوذة الأولين ليطمس الحقيقة , هذا دأبه , وهذه ترهاته لا ينفك يلقيها على صغارنا .
جاوبه شيخ بصوت جهوري , وبنبرة كلها وعيد :
-
يريد أن يجردنا من عقولنا , أرجموه , أو حرقوه , لعل الله يبعد عنا هذا البلاء , ويخلصنا من هذه النازلة .
-
صدقوني , أنا مثلكم مأخوذ بما أشاهد , تأملوا , أنظروا بأعينكم , الكون محبة , الحب منثور في كل ذرة فيه .تنفسوا هذه النعمة , فقد تتلبسكم , تحل بكم . إنه النهار , إنه النور .
شاهدت نظرات الخوف في أعينهم , متلبسة ببؤس وفزع , وحقد يكاد يمزق سكينتي ووجدي . فجأة ! سمعناها تتأوه , أنينها كاد يخنقنا , دموعها الذهبية سالت على خدودها الصافية , قالت بصوت منخفض :
_
أمكتوب علينا الفراق ؟ أقدري معك أن أحترق بأشواقي ؟ في رحلة تأخذني بعيداً عنك , بعيداً جداً , وحين يبتسم لنا القدر , ألقاك على عجل في مصافحة لا تسمح لي باحتضانك , لا تعطيني حتى فرصة الشكوى منك إليك .
جاوبت دموعه الفضية حبات الخرز الذهبية التي جادت بها , نزل قليلاً عن مكانه , تكور , ثم تشظى . جمع ذراته المتطايرة ليتشكل رجلاً , متلفعاً بعباءة سوداء , قبل أن يجثو أمامنا , أمامها , في مشهد لا يتكرر .
أخذت أصيح مذهولاً :
_
لا يعقل , يا الله ...... إنه النور , إنه النهار .

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *


عيون الجميع تتابع المشهد بلهفة , بعض خوف , واهتمام غريب .
جمع يديها بين يديه , قبل جبينها , اتحد معها حتى كانا كواحد , تراجع إلى الخلف , تأمل عينيها بعمق , تخيلت أنه كان يغوص خلالهما , في رحلة منه إليه , منها إليها , ليبلغ عالماً لا ندركه , و كأنه يحدثها بلغة لا نفهمها .قال لها بعذوبة :
-
أنتِ معي هنا . وأشار إلى قلبه , قبل أن يضيف :
أنا بك , تشكلت منك , مخلوق روحه وفكره مسلوبة منه , قلبه ينبض لغيره , عندك ولك .
احتضنها بقوة , كان يرتجف . وضع رأسه على كتفها , وبدأ ينتحب , بكاءه مرير , و الماء ينسكب بغزارة من عينيه .هالة النور التي تشكلت حولهما كادت تذهب بأبصارنا , الليل تلبسه النهار , والنهار كان متجلياً ومتجسداً حول تلك الهالة .
طال عناقه لها , اعتقد الجميع أنهما قد التصقا , كأنهما تحولا شيئاً واحداً , مخلوقاً جديداً كان يتشكل أمام أعيننا .لم يكن بوسعي أن أفرق بينهما , كأنه هي وكأنها هو , كانا في كل مكان .
فجأة , دون سابق إنذار , انفصل عنها , ابتعد قليلاً . كانت صامتة , جامدة , عيناها تتبعانه , معلقة به , وعيناه لا تفارقان ذلك الدفق المتواصل من الضياء والدفء الذي ينبعث من الحياة في عينيها .استدار , خطا بضع خطوات , ثم صعد إلى السماء , دون أن يلتفت خلفه , من دون أن يقول وداعاً .ظلت على حالها , تتبعه بعينها , حتى استقر على عرشه , بعد أن استعاد هيئته الأولى .
انتظرت قليلاً , ثم صعدت إلى حيث يجب أن تكون الشمس , استقرت بعيداً جداً في ملكوت السماء , ثم انقطع المشهد بعد أن أغمضت عينيها , وتلاشت الحياة التي كانت تمدنا بالبصيرة وتغذي أرواحنا بالمعرفة أثناء ذلك الاتصال السحري .

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
**

الصمت عم المكان , الظلام لفنا من جديد , والأشعة المنبعثة من القمر أخذت تضعف تدريجياً , قبل أن يغمض قمر السماء عينيه هو الآخر ويتدثر بالظلمة, ويختفي عن نظراتنا المتطفلة والخائفة .صوت مرتعش يقطع هذه الهدوء متمتماً :
-
أهذا حلم , أو لعله سحر ؟ استعيذوا بالله من الشيطان , ولا تتحدثوا به حتى لا تحل عليكم العقوبة .
ثمة رجل في الطرف البعيد يضحك بصوت عال , كان ضحكاً أشبه بالبكاء , تقدم , اخترق الجمع , وقف في المنتصف ثم أخذ يغني :
-
أنصتوا للريح ,
تحدثوا للسماء ,
فاليقين مخبؤ هناك ,
بعيداً , قريباً , خلف الأفق .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007