[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الغبار 
التاريخ:الجمعة 18 نوفمبر 2005  القراءات:(7303) قراءة  التعليقات:(10) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  

 

بلا اتجاه  تسير بي سيارتي، توقفها الإشارة فتزداد حيرتي أيّ الطرق أمامي أسلك، يأخذني الطريق المؤدي إلى المستشفى، لم يطل انتظاري على بوابته، فالحراس الذين ألفوني يرفعون الحاجز لمجرد رؤيتي كعادتهم عندما كنت أتردد عليهم في كل الأوقات، فأقضي داخل أسواره ساعاتٍ أركض خلف الأمل الذي يفر مني في الدهاليز والردهات، حتى إذا أوشكت أمسكُ به فلتَ مني، وقبل أن يغيب يمدُّ لسانه ساخراً، فأركض من جديد ولا أعثر له على أثر..

داخل الأسوار تقف بي سيارتي أمام النخلة الفارعة، أرقبُ  سعفها الطويل تلهو به الرياح؛ تحتَ أشعة الشمس الساقطة على جهتها الغربية، بنفس الاتجاه الذي كانت أمي ترقبه كلما دنا الغروب، حينما تعجز عن  الالتفات جهة الساعة المعلقة على الجدار، كانت تحبها، وتفصح عن ذلك في ساعات إفاقتها، :"هي صديقتي، تؤنس وحشتي، وتشي بقرب زيارتكم، وكلما أفقت من غيبوبتي قدَّرتُ في أي ساعة أنا" تعلقت عيناي بالنخلة أتذكر حديث أمي عنها، هي الأخرى ترمقني بنظراتٍ لها معنى..

        فجأة اقتحمتني وحشة قاتلة، داهمتني من كل الجهات، ذكَّرتني أن أمي غادرت هذه الأسوار؛لم يكن المكان موحشاً عندما كانت هنا، ألفته كما لو كان بيتنا؛ هكذا هي دائما تجعل مكانها مألوفاً، برغم الحراس والأبواب التي تحول بيني وبينها، أجلس في كل مكان أقرأ وأشرب الشاي، وأتحدَّث مع الأطباء، مع الزائرين، مع عمال النظافة، مع الحراس، أشاركهم أحاديثهم وهمومهم، لا أتضجر من طول الانتظار، بمرور الوقت أصبح الحراس أصدقائي، ذابت تجاعيد جباههم، يبتسمون، يقترحون أن أدخل لأراها وأخرج على الفور، تستخف الفرحة الطفل القابع في داخلي، لا ألتفت إلى المصعد، أقفز صاعداً الدرج إلى غرفتها، تدير عينيها في وجهي؛ هل عرفتني؟! تريد أن تقول شيئاً ولا تقول، أستنهض لسانها؛ تقول شيئاً؛ أتظاهر بالفهم، أُقبِّل يديها، وجهَها، أمسح جبينها خدَّها الذابل، أصطنع شيئاً لأفعله، أعلم أنه بلا أهمية، أتذكر تحذير الحراس وتجاعيد جباههم، وحاجتي الدائمة إليهم، أستأذنها تومئ بالموافقة، أنصرف مهزوماً، أتهادى على السلم وقد تبدَّدت الفرحة التي ملأتني منذ قليل..

        كنت أتمنى أن أكون صادقاً كلما قلت لها:"أنتِ بخير، وستخرجين من هنا قريباً" صدَّقْتُ كذبتي تلك مع أنها أصبحت لا تكترث لسماعها، تكبر الكذبة؛ تصبح أملاً أتشبث به.. أسوق بحضرتها نكاتٍ مصطنعة فتشرق ابتسامتها على دنياي المعتمة، فيبدو الأمل حتى أكاد أراه بعيني..

        منذ شهور عندما شخَّص الأطباء حالتها، قفزتْ إلى ذهني جملة قرأتها لكاتب شهير، يزعم فيها أن السرطان وصيوان العزاء توأمان، ملأت هذه الفكرة رأسي، أفقدتني صوابي، عشت بخيالي مراسم تشييع أمي وعزائها، كنت أرثي إشراق وجهها كلما ضحكت، عشتُ يتيماً وأنا أمشي بجوارها، وأُقبِّل يديها..

في السوق تتلفتْ في المعروضات، بينما أقف خلفها في موكبٍ جنائزي يحيطني فيه الموت من كل مكان، أتذكَّر حين كنتُ أمشي خلفها في طريقنا إلى بيت جدتي، فأضع قدميَّ الصغيرتين في مواضع قدميها، فيلفني الأمان، فلم لا أشعر بالأمان إلى جوارها اليوم؟!

        ضاق صدري من أسوار المستشفى، تركتُ النخلة صديقةَ أمي خلفي، لم تنتابني الحيرة هذه المرة؛ فطريق المستشفى يؤدي إلى المقبرة، ترى أهي المصادفة؟ أم أنه يؤدي إليها حتماً؟! لا فرق، فالنتيجة بالنسبة لأمي كانت واحدة.

لـم تكن طريقها بهذه السهولة، فقد أضناها ركضنا في المطارات، وعلى طرق المشافي، لمستُ بقلبي مللها من حياةِ الانتظار على أبواب العيادات، ومواعيد الأطباء، كنا نركض خلف الأمل؛ حتى إذا كان الإمساك به وشيكاً، إذا نحن نركض خلف الموت الذي يعبث بنا ويتسلى بدهشتنا وغبائنا..

        دقائق وتغيب عني  أشباح المستشفى التي أرقبها خلفي عبر المرآة، لا حراس ولا أبواب للمقبرة، الشواهد تحدِّقُ فيَّّ، وكأنها تشي بما ترى لمن وراءها، من الجنوب أقطع المقبرة إلى أقصى شمالها، عند الصخرة الباركة على جذع شجرة السَّـيَال ترقد أمي، لا بدَّ أنها تحسُّ وجودي، وتشعر بدموعي، ترى هل تريد أن تقول شيئاَ ولا تستطيع؟

شهر مضى منذ غاب عني وجهها هنا، يومها غبت عن الوجود أو هو غاب عني، لم أكن باكياً ولا حتى حزيناً، كنت بلا مشاعر، كنت فقط أريد أن أذودهم وهم يهيلون التراب عليها، فيثيرون الغبار حولها،  وكأنهم لا يعلمون أنه يؤذي رئتيها المنهكتين، ومع ذلك يعلو الغبار..

أغادر المكان المكتظ بالمشيعين منذ قليل، أتركها خلفي هنا، يملأ نفسي شعور بأنها الآن سعيدة، بأن آلامها غابت عنها كغيابها عن دنيانا،كنت أشعر أنها لا تحتاج إليَّ ولا إلى صديقتها النخلة، فالوقت لم يعد يرهقها، كنت متأكداً أني سأراها ثانية، برغم الغبار الذي يجلِّل المكان..

سأراها ثانية برغم المعزِّين الذين يصرون على إقناعي أنها ماتت، فأتقبَّل تعازيهم ببلاهة مع أني سأراها، يقول لي جرس الباب:"جاءت تسبقها ابتسامتها وتعاويذها" أفتح الباب فيدخل المُعَزُّون، يرن الهاتف يقول:"أجبها" فيملأ صوتها الدنيا وهي تسأل عن الأولاد، فيقطع صوتَها، تلكؤ أحد الـمُعَزِّين..

رحلتْ أمي كما ترحل الشمس، وتعود الشمس ولا تعود أمي، ويطول غيابها، أرفع سماعة الهاتف لأحدثها، لأبشرها، لأخبرها، لأسألها، فتصفعني ذاكرتي، ويندلق الغبار على وجهي، فتموت البشارة، وتحار الأسئلة ولا إجابات، ويأتي شهر رمضان، ولا تأتي، ويأتي العيد، ولا يأتي عيدي الذي كنت أراه في وجهها، وتغيب البهجة وأمي، وتغيب رائحة الطيب الذي يُضمِّخ رأسها، وتُقفر أحواض الرياحين، وتذبل ورودها في كل زوايا الدار، وتيبس الزهور في أوانيها ولا من يبدِّلها، ويعلو الغبار، وتغيب ملامحها، ويخبو الجمال، وأعيش بنصف وجه، وتهطل الدموع فيسكن الغبار، وتتماهى صورتها في سحابة بيضاء تملأ السماء، تبدو واضحة كلما سكن الغبار تحت وَشَلِ الدموع.

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007