[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حب برائحة المطر 
التاريخ:الأحد 2 ابريل 2006  القراءات:(409) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فائزة مصطفى  

تساقطت تيجان زهر "الجيرانيوم" وانسابت مع الخيوط الماء نحوي، وظلت الكؤوس الكريستالية نظيفة على الطاولات المصطفة في باحة الفناء، لم تنكس أعلام العرس المتدلية بشرائطها الحريرية الملونة من أعالي النوافذ بضع أسابيع ونيف، والمطر ظل يتهاطل، بعدما طرد المتبقين من المدعوين، لملموا حينها كل ما حولهم.

أنا لم يجرأ أحدهم من مخاطبتي ببت شفة. تصاعدت رائحة المطر المنبعثة من البراري القريبة، ولامس قطرات الماء المرتطمة على أرض الفناء حذائي ذي الكعب العالي وهو يغرق رويدا، كانت قطرات سوداء تقطر من أسفل وجهي وترتسم بأشكال دائرية مشرشفة على ثوبي.

هرب جدي من حزني الذي بدا يكبر ككرة الثلج بداخلي وقال مازحا:

- إنك "ربوحية"، فهذا اليوم ممطر.

ثم أردف غير متيقن مما يقول:

- طالما نصحتك ألا تأكلي من القدر...

وقال كلاما كثيرا أو ربما صمت.

مضى زمن لا ينتهي ..وظل لباسي والحذاء الجديد يستندا سجادة غرفتي طويلا، احترنا كيف نتخلص من الصناديق المليئة بالعطور الفرنسية، وعلب الصابون والمناديل من الدونتيل، والدولاب الممتلئ بالألبسة التي نسجتها لي بالخيوط المذهبة جارتنا" خالتي فطومة"، والأفرشة المزركشة، والزرابي الملفوفة، وكل التحف الفضية والأواني والمرايا والحلي الذهبية، ظلت في انتظاري أن أعاود مداعبتها كل حين، أن أرقص بملابسي الجديدة التي أعددتها من أجله.

فظل كل ما اقتنيته وحيدا مثلي.

انتهت الحياة، وقد كسفت الأقمار عن مجرتي، وإجتاح السواد كل دجى الدنيا، كل الملامح صارت رمادية غارقة في برزخ قاتم. أدمنت الليل الذي أبى أن تنتهي ألامه وأنا أحاول شدّ حواسي كلها لأمزق عنها طيفه الحائم على أرصفة الجرح.

أما جدي الذي لبس برنوسه الأبيض المنسوج من خيوط الوبر، فظل يقابلني كراهب، يسائلني بعينيه الغائرتين وقد أضاع حكمته فخر صامتا.

حين اجتاح غرفتي المظلمة- لم يسب ضعفي وهزيمتي- فقط رمقني بنظرات شفقة وهو يستطرد رائحة الدواء. كانت تلك آخر مرة أرى فيها جديّ، أستذكر ما قاله لي أيضا:

- من قال أنّي مذنب؟

وأضاف بصوت تسرب إلى أذناي المغطتين بكفي راحتي:

- سيعود، حينها أتمنى أن لا أراكما معا.

كان جدّي صديقا كبيرا، كان يصطاد كذباتي البيضاء كلما تمكنت من إقناع والدتي بالذهاب إلى جارتنا القديمة، فيغمز ويهمس لي:

- لما نحرم أنفسنا من عيش اللحظات الجميلة إن كانت في متناولنا؟

لم يمانع قط من أن يعقد لنا موعدا في ضيعته البعيدة عن أعين الحارة وأفراد الأهل، حيث كنت أحوم فوق برك المطر الموحلة كفراشة برية ألعب بحبات البرد المتجمدة وهي تقرع الأرض وزجاج السيارة ونحن نجوب الطرق الملتوية، كان الحب يلمع في مقلتينا المليئة بالعبرات، تفيض كلما تهامسنا مفترضين يوم الفراق، تنكرنا لموعده وتحديناه باتحاد أرواحنا بسلاسل لففناها على أعناقنا بحلقات من أحلام لا تنتهي.

- ما معنى أن أعيش من دونك في العمر المتبقي؟.

أتذكر لما كنا نهرب من السؤال نحو البحيرة المتجمدة، نلف حولها راكضين كالأطفال وأصطاد بشفرات العين حبات المطر الكبيرة ونحن نرقبها نازلة من السماء، أتخيل أن المطر دمع الإله وألتقطه بعيني. ما إن ألتقطها بعيني حتى أتصور أن أمنيتي ستتحقق: إني أكرر لعبتي البلهاء في هذا العمر، مادام باقيا بطيفه في داخلي كموقد الطفولة الباردة، يبعث لي من عشر سنوات دافئات المدى القادم.

ظليت أرتقب ولوجه الروح كل ربيع يزهر شبيبتي بدون موعد، يقرع أبوابي و يمسح قسمات خريف الأيام ويبعث لي مع نسمات السنونو تغريد ذاك اليوم الجميل:

- ما رأيك أن أعيرك معطفي؟

- لكن..

- يمكنك أن تعيديه إلي، هذه بطاقة مكتبي.

- شكرا لك...

وابتسمنا. أنا ظليت أرقبه من خلف نظرات المتقاطعة وهو يهم مبتعدا بين حشود الناس المغادرة لقاعة المؤتمر، صرت حينها في دائرة مظلمة يقتحمها نور خافت ينبعث من اتجاه يخلفه ورائه، وهو يهم بالابتعاد عن أرصفتي وقد تدلت على حدائقي وهج هذه الصدفة:

- ترى ما الذي يعتري جوانحي، ويحفر في داخلي هذه الممرات ؟ .

وأصبح طارقا يجوب فتوحاته إلى أندلسي، ليسقط عرشي بعدما خانتني لغة الهوى واعتراني جحيم بعده عن شغف اللهف إليه.

كنا نتلاقى كل عشية تحت الثريا الدامعة المضيئة في حنو على مطر يتهاطل خلف زجاج النوافذ يحاول مداعبة الستائرالحمراء الحريرية، نطبخ الشاي ونعد الكعك الطري بمربى الكرز، نعد وجبة ساخنة من الجبن، حيث كان جدي يهدينا قشدة الحليب كلما زرناه إلى المرعى، كان يعجب باهتمامه بي، وكان هو يبادله الاعتراف بوفائه للأرض. كم مرة يفيض الحليب عدة مرات ونحن لاهيين بإعداد الطاولة، وكم مرة نسينا الكعك في الفرن، رقصنا على أغاني فيروز، لن أنسى حينما أرتديت فستان السهرة، كان من الستان أسودا وعاري الكتفين، نصحني أن أرتدي أساور ماسية وألف شعري كأميرة ونزلت عليه من السلالم، حرص أن تظل عيناه مغمضتين حتى دنى منه عطري، وراقصني كأمير وأنا أتعثر بكعبي العالي فوق السجاد الفارسي، وظلت فيروز تنشد لنا حتى لامست أحلامنا الأرائك المغربية والتحف العتيقة في بيت جدي، حيث أفتقد صدى صوتكما ورائحتكما المعبقة على حيطانه.

كانت زوايا البيت تشهد ذكرياتي معه، وكل زبق من روحه ملكا لي وحدي، كنت أستيقظ الرابعة صباح، أسبق جدي في صلاته الفجر، أعد حقائب سفرنا على زفير إبريق القهوة المنبعث من رواق، ما إن يقبل علينا ونحن نرتشف كأسا القهوة بالحليب ونختار على عجل موعد الرحلة واسم المدينة، كان جدي لا يكاد يفهم شيئا. يعز عليه فراقنا لكن يهمم مداريا حزنه بتأنيبنا:

- يبدو أن التكنولوجيا جننت أولاد اليوم، وجعلتهم كسلاء أيضا!.

وزرنا جبال الثلج وعانقت بهجتنا شجر السرو والصنوبر، وكان دائما الغيم والضباب يخيفني وأنا في حضرته، وظل المطر دائما رفيقا لنا في كل مكان وفوق القمر.

والتقينا كل موسم، في كل الأحينة، في الفرح والشدة، لا أحد علم بحكايتنا إلا المطر وورق الكينا وجدي.

يعود المطر كل عام وتتناثر أوراق الكينا والصفصاف والسرو والصنوبر. تعاود لبسها إلا هو لن تعود.

أذكر يوم توسلني أن يراني بلباس "القفطان" وهو ينتظرني خلف الزقاق في آخر الحارة، هددني إن لم أنزل إليه يقترب أكثر بسيارته تحت شرفة العمارة ويعلي أغنية فيروز " شايف البحر"، حتى تطل كل صبايا الحارة، خفت عليه من شتمات عجائز الحارة، و تلفعت حايك "يمى الكبيرة" ونزلت إليه متخفية حتى آخر الممر وابتعدنا خلف الشجر في الجنينة القريبة حيث يمكنني المشي فوق الأرصفة الغارقة بأوراق الشجر وبقايا تيجان الياسمين، لكن المطر بدأ يتهاطل وتبلل لباسي وغرقت عجلات السيارة في الأتربة وأقبلت الساعة الثانية موعد إقبال موكب العرس ، كانت أمي قد أيقظت أهل الحارة ولم تقعدها بحثا عني، ومرت الساعة الثالثة فالرابعة، وأنا أحاول مساعدته في دفع السيارة وتخليص العجلات من الوحل ، ولم تفلح محاولتنا والوقت مضى.

بدأت أجهش بالبكاء حتى تعبنا ضحكا برؤية لباسي الفاخر ملونا بالوحل. قد رشتني العجلات بالماء الموحل.

ما حدث بعد عودتي وما تهامسه الجيران لم يهمني، وإن كانت جارحة ثواني انتظاره. ظل كرسيه فارغا بجواري وأنا أرتدي فستانا أبيضا مبللا.

دائما رائحة الغيث المتهاطل على الأتربة يبعث على حضوره في ذاكرتي، استنشقه مشبعة جوارحي الظمآنة إليه، فهل ترى الآخرون يعلمون بأنها رائحة ما مضى من أيامنا معا؟.

غادر الشتاء وجاء الصيف وظليت أمتطي نفس الشوارع وظل خياله دافئا يرافقني على أرصفة العمر، ومازلت أزور شجر الجنينة كل ربيع، وأراه يرقبني خلف بسمات الأطفال الغارقة في غواية المرح.

ولازال الثلج يشرع بياضه على دافئات ذكرياتي، تعوضني ما أنفلت مني ذات انتظار على مرفأ موعد لم يظهر له أي أثر، وإني في فصول العمر انتظر إلا " سبتمبر" لأترقبه للمرة العاشرة عساه يطل مع المطر.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007