[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وهج الحنين 
التاريخ:  القراءات:(5183) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
اللهفة المترقبة للحظة بزوغ إطلالتها المشرقة عليه في قاعة المحاضرات أو الكافتيريا أو باحة الكلية ظل واقفا أمام مدخل العمارة المكتظة بالعيادات منتظرا خروجها لفترة لا يدري إن كانت لساعات أم لسنوات طويلة, لا تكاد أن تمر عشرة دقائق على رميه لعقب سيجارة حتى يهم بإشعال أخرى متناسيا تعليمات الطبيب الذي أدخلته عليه بأن يقلل من التدخين ما يستطيع , بل إنه لم يعي كلمة مما قالها عن حالته و لا عن الأشعات و التحاليل الجديدة التي طلبها منه رغم وفرتها في ملفه الذي سوف تقوم بإعادته بعد ذلك إلى أحد الأدراج الكبيرة القريبة من مكتبها في غرفة السكرتارية التي ازدهت لأول مرة في عينيه بجلوسها وراء مكتبها , مفارقة غريبة أن يلاقيها بعد أكثر من سبعة عشر عاما في ذلك المكان المقبض الذي يبدو له كمرآة تعكس كآبة انتظاره الملول على وجوه بقية المرضى و همهماتهم و تذمر عيونهم المفرغة من المعاني و كأنهم محتجزون داخل زنزانات قصية عن الحياة الماجة بحركة السيارات و المارة التي يبصرونها بنوع من تحسر الأنفاس المخنوقة عبر الشباك الكبير المطل على الشارع , هذه المرة جلس متراخ ِ الحواس بالكامل أمام تألقها الجميل خلف المكتب , يرقب كل حركة تؤتيها و كل تعبير يرتسم على محيا وجه عصي عن الزمن أن يمسسه إلا بسحر من نوع خاص , بل إنه زاد من توهج أنوثتها أكثر فأكثر , حتى مسحات الشجن و التعب التي وجدها تشوب عسل عينيها الواسعتين كانت كاللمسات الأخيرة التي لا بد أن يضيفها الرسام للوحته حتى يكتمل زهو بهائها ..

كم من سؤال لجوج تقافز إلى رأسه و تمنى أن يسمع إجابته منها في الحال لو لا انشغالها طوال الوقت بعملها وسط زحام المراجعين و الاتصالات الهاتفية التي كانت ترد عليها بذات الصوت الدافئ المغرد في أذنيه منذ تلك سنوات.. ما الذي أتي بك إلى الأردن و منذ متى ؟ .. وحدك أم مع زوجك ؟ .. و كم صار لديك من أولاد و بنات , و كم أعمارهم؟ .. و إلى متى تنوون البقاء ؟ .. و هل أحوالك جيدة من كل النواحي .. أقصد , هل أنت مرتاحة و سعيدة في حياتك ؟ و ..

ضحكت بوداعة و قالت : و الله لو كنت كدام محقق ما حضر لي كل هذه الأسئلة .. كنت أعرف إنك رح تكون بانتظاري , تعال نمشي و نتكلم .. تعرف إني تزوجت و آني بالكلية ..

كتم تنهده القوي ( و كانت تلك أكبر صفعة وجهتها لي الحياة رغم كل ما لقيته فيها ) ..

بعد انتهاء الحرب في الواحد و التسعين سافر زوجي نافر من ضيق العيش حتى يشتغل هنا , فجأة جاني واحد من أصحابه يخبرني بأنه حصل على لجوء في السويد .. كتمت هي حينئذ آهة مقهورة طويلة .. المهم , جيت ويا بنتي نورا حتى نقدم طلب لم الشمل هذا و نسافر له و نجتمع أخيرا كأي أسرة ..

قاطعها كمن يكلم نفسه : نورا .. حلوة .. مثل أمها ؟

انطلقت ضحكاتها بعفوية شابة في العشرين من عمرها و هي تنظر إلى ارتباكه أمامها رغم ما يحاول إكساب نبرة صوته من رزانة تنسجم مع خطوط الشيب المتطاولة في شعر رأسه و التغضن الذي يكسو ملامح وجهه حتى بدا و هو يسير إلى جانبها كما لو كان يكبرها بعقد من الزمان على الأقل : ماكو فايدة منك أبدا , العمر ما غير بيك شي .. ( العاشق الخجول كما كن يسمينه صديقاتها ساخرات من نظراته الشغوفة لها في استحياء )

ساخرا : تتصورين ؟

أسماء : تزوجت ؟

سعد : و طلقت ــ مستبقا سؤالها التالي ــ و ما عندي أولاد .

سارا معا لمدة من الوقت لا يدريها و لا الوجهة التي يتوجهان إليها بالتحديد متنقلين من شارع لآخر في ليل سربت نسماته برطوبتها و برودتها المنعشة مع عبق أنفاسها الدافئة خدر مريح في أوصال جسده المريض تمنى ألا يفارقه أبدا..

ــ شنو مرضك ؟

ــ ماكو شي ــ اصطنع ضحكة بدت باردة جدا ــ تأوهات هرم مبكر ..

شعرت بمحاولة تهربه من الإجابة فاستدركت : تعيش لوحدك ؟

ــ تعودت من يوم ما جيت لعمان قبل سنوات حتى أشتغل بشركة قريب لي .

ــ ما فكرت تتزوج من جديد ؟

مال برأسه نحوها : عندج عروس إلي , شرط أن يكون بيها شي منج على الأقل..

ضحكت بسعادة واضحة و كأنها ما سألته ذلك السؤال إلا لكي تسمع منه إجابته تلك لترضي كنظراته بعضا من غرور الأنثى داخلها لا سيما بعد كل ما مرت من سنوات , وقفت فجأة أمام باب عمارة قديمة تتكون من طابقين : هنا أعيش آني و نورا .. الحمد لله إن العيادة قريبة.

ــ مرتاحة بالشغل لو تريدين ألكالج شغل غيره , نره صار لي الكثير من المعارف هنا .

ــ لا شكرا , ماكو داعي .. الدكتور رجل خلوق و يكفي إنه رضي بأن يشغلني من غير ما يكون عندي رخصة عمل .

دعته للدخول و التعرف على ابنتها فوافق على الفور متهلل الوجه , دخل من بعدها إلى الشقة الصغيرة و البسيطة الأثاث و في داخله شعور غريب كمن يدخل بيته من بعد تيه سنوات طويلة , كان عنفوان الأنوثة يسابق رقة الصبا في جسد ابنتها ذات الستة عشر عاما , سرعان ما أدرك انتثار تقاطيع وجه والدتها ذاتها تقريبا في وجهها المنمنم الملامح و المتوج بعينين ذات سواد أدهم جذاب.. حتى كركرات ضحكاتهما الرقيقة كانت أشبه بموج الشطآن ما أن يتدفق من بين شفتي إحداهما حتى يجده منساب بتهادِِ من بين شفتي الأخرى ..

حاولت أول الأمر التصدي لمحاولاته المستمرة للتقرب منها و من ابنته و كأنهما عالمه المفقود الذي وجده أخيرا , إلا إن قلبها أخيرا و مع عناد حاجته المتزايدة لوهج وجودهما في مغارات حياته المظلمة صار يرنو إليه بنوع من الإشفاق على وحدته .. سألته ذات يوم عن سبب تطليقه لزوجته فقال بصوت كسير : ما أدري شنو اللي كرهها بيَ أكثر , فقري لو .. عقمي .

لم ينتظر أن يرى أي تعبير يرتسم على قسمات وجهها أو في عينيها فقام من الكرسي المواجه لها في العيادة حيث اعتاد أن يزورها في فترات الاستراحة , سار نحو الشباك و أشعل سيجارة و راح ينفث أدخنتها في الهواء الطلق مع حسراته , لم تحاول النطق بأي كلمة يمكن أن تواسيه بها , أرجعت رأسها إلى الوراء و أغمضت عينيها حتى سمعته يقول من دون أن يلتفت نحوها: تعرفين يا أسماء , أكثر ما تمنيته بهالدنيا أن أتزوجج و يصير عدنا بنية تكون صورة مصغرة منج , بنعومتج و دفئج , مثل نورا بالضبط , ألاعبها طول الوقت و أضمها إلي بقوة شوقي إلج لما تكونين مشغولة عني , لو تزوجنا ما كنت تركتج مهما كانت الظروف .. بس أرجع و أحمد الله إننا ما تزوجنا , ما كنت أكدر أحتمل فقدانج أبدا لأنج طبعا مو مثلها بالنسبة لي , و بنفس الوقت ما كان ممكن أسمح لنفسي أتعسج ويايَ أو أكون سبب حرمانج من شي ..

ظلت متراخية في جلستها شبه مخدرة بعد مغادرته بعينين ملبدتين بظلال الدموع من غير أن يقوى على نطق كلمة .. لم تعرف كيف يمكن لها التصرف مع شبق ذلك العاشق الذي لا يزال يفيض من عينيه و كلماته و كل انفعالاته أمامها , شبق قلق محتار , يرتعد رعدات الموت أضعاف ما كان عليه قبل أعوام ليتجدد خفق الحياة في شرايينه مع كل رعدة .. ( لو تزوجنا ما كنت تركتج مهما كانت الظروف ) .. لو , لو , لو , راودت شفتيها ابتسامة ساخرة من كثرة اللوات المستحيلة في حياتها .. لو لم تحب بكل ذلك التوق العاصف منذ أن كانت في الثانوية.. لو لم يغب عنها زوجها بأشواقه المتذمرة طويلا ما بين الحرب مع إيران تارة و الحرب مع كل دول العالم بعد غزو الكويت تارة أخرى , لو لم يستنزف قصف المعارك و دمارها من عمر حبهما و عنفوانه ما استنزف , لو لم يغتربا عن بعضهما كل تلك السنوات, لو وجد كل منهما الآخر كما تركه في آخر لقاء بعيد و سريع متشبث بالوله المجنون القديم .. الآن صارت تشعر بأن صوته يأتيها عبر الهاتف متدثرا بصقيع يلف كل شيء من حوله هناك , و كأنها مسافرة باتجاه القطب الشمالي لتتزوج من جديد برجل تكاد ألا تعرف عنه شيئا , لا هي و لا حتى ابنتهما , وعليها أن تجبر نفسها على التعود على طبائعه كما عليها التأقلم مع كل تفاصيل حياتها المستقبلية في تلك الأرض الغريبة عنها حتى صار كلما يقترب ــ نسبيا ــ موعد رحيلهما إليه كلما ازدادت وساوس المخاوف في داخلها..

عاودها السؤال عن لقائهما الحميم الأول بعد كل هذه الغيبة , و لكن بصورة أكثر إلحاحا من كل المرات السابقة منذ أول وصولها و ابنتها ــ برفقة أخيها كمحرم ــ إلى عمان , فقد أمست الخيالات تستبيح برأسها بشكل شبه يومي كلما آوت إلى فراشها ليلا كفتاة تترقب بشوق يمتزج باضطراب عذري ليلة زفافها .. طال تجوالها و كأنها ودت إمضاء الليل كله مسلمة نفسها لتيه الشوارع , تترنح بين شتات أفكار كثيرة تتجاذبها في كل اتجاه , تغيم بعقلها فلا تخلف فيها سوى شعور مقبض بالوحدة و الخواء في داخلها .. جلست على أريكة حديدية على أحد الأرصفة في شارع شبه خالي من مرور السيارات و المارة , الريح المتعالية تداعب بشراسة موج شعرها الأسود المسدل على كتفيها , تخترق ملابسها في تحدِِ وقح يغزو جسدها بقشعريرة خفيفة تسترخي لها أعصابها المشدودة لسبب لا تستطيع تمييزه عن سواه .. بوغتت بحسام جارها العراقي يقف بالقرب منها : أم نورا , ليش كاعدة هنا بمثل هذه الساعة المتأخرة ؟ خير إن شاء الله ؟

ــ يعني لازم يكون أكو شي ؟ .. ما مر بيك يوم حسيت إنك زهكَان من كل مكان تكون بيه فانتهى بيك المطاف للتسكع بالشوارع ؟ ..

ضحك ضحكته الطافحة بالحيوية : و ما أكثر مثل هذه الأيام ..

جلسا متجاورين تتلاشى في لجة الريح أدخنة سيجارتيهما , مر على الجانب الآخر من الشارع شاب و فتاة متأنيين في مسيرهما , يبسط ذراعه حول كتفيها و يهمس لها بكلمات تطفي النشوة على قسمات وجهها الباسمة فأبصرت صورتهما هي و زوجها جالسين في مكان منزوي من كورنيش الأعظمية بعد عقد قرانهما أثناء حرب إيران .. يسترقان قبلات ناعمة سريعة متوارية عن العيون بالعتمة و أغصان الأشجار العالية , يلف ذراعه حول خصرها ليجذبها إليه أكثر فتصدر عنها ضحكة مجلجلة يكتمها بقبلة قوية تهصر شفتيها ( إش , رَح تفضحينا ) .. يبتعد عنها و كأن هناك من يرغمه على ذلك و ينظر إلى ساعته ( يللا أرجعج للبيت لأن ما باقي وقت , القطار يتحرك الساعة عشرة و نص ) ..

تشعر بالبرد فتلف ذراعيها حول صدرها لتسمع أنات أضلعها المتخشبة , تنظر ناحية الشاب الناعم الملامح الجالس إلى جوارها , الشارد في ملكوت أفكاره الخاصة فلا يمد ذراعه نحوها لاحتوائها بآهاتها الحيرى و يصفف بأنامله أطراف خصال شعرها المتطايرة في الهواء تارة و المنتثرة على قسمات وجهها محاولة إخفاء ارتباكها عنه تارة أخرى, رغبة عابثة تهربت منها بمحاولة فتح أي حديث معه .. راح يتحدث عن أمور شتى دون كلل و كأنه ما صدق أن يجد من يكلمه.. كانت تجيبه بهمهمات و كلمات لم تتبين معانيها بينما كان كل تركيزها ينصب على نور عينيه المتألق و الذي يعكس وضوح شخصيته و عمقها بقوة غريبة عجزت عن التحرر منها.. ارتباك شديد استولى عليها جعلها تهب واقفة لتسلم عليه سريعا و تهرع بجنون هواجسها إلى شقتها بأسرع ما يمكن و لكنه أخبرها بأنه هو أيضا عائد إلى شقته .. كان يجتازان الشوارع الخالية في صمت موجع يثرثر بأسى الفراغ الموحش المستوطن داخلها, استولى عليها إنهاك شديد فجأة بسبب مسيرها الطويل , لف ذراعه بسرعة حول خصرها بقوة هصرتها إليه , فقد كادت أن تقع متعثرة بحجر عاقها زحام أفكارها عن الانتباه إليه , في تلك اللحظة أطلت من عينيه نظرات سعد التي تدرك مدى تولهها إليها رغم دوام محاولاته الفاشلة بحجبها عنها , ابتعد عنها في حياء ثم استأنفا سيرها في ذات الصمت .. أوَ يمكن إنها قد تعمدت التعثر بالحجر بتأثير من اللا وعي الكامن داخلها لينتشلها من السقوط بذراعه القوية فتدب عنفوان الشباب بين حناياها في حرارة كانت بأمس الحاجة إليها .. ( إن كان ذلك صحيح فأية لعبة غبية أنسل إليها .. من يعرف , ربما سوف يبدأ المطر بالهطول لتكتمل الأجواء الرومانسية لحلم من أحلام مراهقة في سن ابنتي ) ..

لم تستطع كتمان ضحكاتها المتعالية مع تزايد غزارة زخات المطر المنهمرة عليهما حتى بدت له كصدى للرعود المنبثقة من السماء , صار يراها تركض متمايلة أمامه نحو مدخل العمارة التي باتت قريبة كما لو كانت راقصة في أحد المعابد القديمة تمارس طقوسها الخاصة ابتهاجا بنعمة هطول المطر الغزير من بعد جذب طويل , البلل يغمر ملابسها فيكمشها على جسدها الضاج بالأنوثة راسما لعينيه لوحة غاية في الجمال تلهب الدماء في عروقه و تحفزه للحاق بها لولا ما منعه من احترامه لخصوصيتها في لحظاتها المشحونة بالتوتر تلك , كم ود لو إنها أطالت حضورها الحاني إلى جانبه , كان يحتاجها بشدة لا يستطيع تفسيرها لئن يدفن بين حنايا صدرها المكتنز بعضا من مخاوفه و توجسات أحلامه من خفايا طريق مشقي بطول تعرجاته المسكونة بأشباح المجهول, لعله حينئذ يستشعر بشيء من الهدوء و الأمان الذين يفتقدهما منذ أن ترك العراق .. لئن يقبلها قبلات تحمل في ثناياها خوف و وحشة و اضطراب و ليس مجرد شهوة هوجاء كهوج الأمطار النازفة من السماء من دون توقف ..

دخلت إلى الشقة فوجدت ابنتها تتكور في جلستها و قد أدركها النوم أمام التلفزيون كما كانت عادتها منذ صغرها , وقفت تتأمل وجهها الطفولي الغارق في سبات ملائكي يغترف من الجمال و الحيوية ما يروي سحر بكرة شبابها الغض , و كأنها لأول مرة تنتبه لفوران جسدها و تماوج أجزاءه , و إنها غدت فتاة يمكن أن تأسر لب أي شاب تقع عيناه على وهج فتنتها الندية .. قبلتها لتوقظها و تحثها على الذهاب إلى الفراش .. ضاقت عليها الصالة التي بقيت جالسة وحيدة بين سكونها يفترسها خاطر غريب ليمعن في تشتيت أفكارها أكثر فأكثر , أيمكن أن تكون نورا مغرمة بحسام دون سواه , و إنه الآن يغزو أحلامها بوسامته و طريقة كلامه الرقيقة الدافئة !!! .. شعور جد طبيعي بالنسبة لفتاة في مثل عمرها خاصة و إنه أمامها على الدوام , و لكن الجنون كل الجنون هو فوضوية المشاعر التي تزعق فيها كلما أبصرته عيناها أو ميزت صونه عن أصوات أصحابه المقيمين معه في الشقة المقابلة لشقتها .. أحاسيس ضبابية تعتصرها بأهوائها المضطربة لا تعرف لها اسما , و لا تريد أن تعرف حتى , أخذت تتوالى عليها من وقت لآخر من بعد سفر زوجها, و لرجال كل منهم كان يملك في ثنايا شخصيته ما يجذبها إليه , و لكنها ما كانت لتجرؤ على أن تربطها بأي منهم علاقة صريحة أو واضحة المعالم, أحاسيس كان يستمر عتوها في داخلها لفترات متفاوتة حتى يبدأ حماها بالتلاشي شيئا فشيئا و كأنها قصة من القصص العاطفية التي كانت تشغف بقراءتها قبل أعوام طويلة , تسخر بعد وقت من شدة تأثرها بها , و لكنها هذه المرة أكثر عصفا بها من كل نوباتها السابقة و مع شاب بالكاد يستطيع تدبر أمور حياته , هنا بالإضافة إلى إنه يصغرها بأكثر من ثلاثة عشر عاما ..

علت رنة هاتفها النقال , تثاقلت من الإجابة أول الأمر إلا إن إلحاح سعد أجبرها على الرد في تكاسل : ألو .. شلونك سعد ؟

بصوت مترددا مخمورا : جنت نايمة ؟ .. آسف على الإزعاج , بس ..

ــ بس شنو ؟ أكو شي ؟ صوتك تعبان .. أنت بخير ؟ ..

ــ بخير , بخير .. بس ما ردت أنام كبل ما أسمع صوتج , جنت ناوي أجيكم اليوم ..

ــ و ليش ما جيت

ــ ............

ــ سعد , شبيك ؟ لا توترني أكثر , آني ما ناقصة الله يخليك ..

جاء صوته هائما بعد صمت : صدكيني ماكو شي بس آني .. ردت أطمئن عليج و على نورا .. تصبحين على ألف خير .. يا أحلى إنسانة بالدنيا .. أقفل الخط بسرعة من دون أن ينتظر إجابة منها ..

أطلقت ضحكة صاخبة زفرت معها تنهد مكتوم طويل .. ( كلنا مجانين في بحثنا عن المستحيل ) ..

أغنية مدرسة الحب في التلفزيون جذبت انتباهها , فراحت تبصر من بين تلألؤ دموعها و اختناق ضحكاتها المستمرة بهستيرية لا تتمكن من التحكم بها سعد بهيئته المجهدة يشدو لها بصوت كاظم الساهر العذب :

(.......... علمني حبكِ أن أخرج من بيتي لأمشط أرصفة الطرقات

أن أراقب وجهكِ في الأمطار و في أضواء السيارات

و ألملم من عينيك ملايين النجمات

يا امرأة دوخت الدنيا .. يا وجعي يا وجع النايات

...............................................

...............................................

................................................

يا امرأة قلبت تاريخي .. إني مذبوح فيكِ

من الشريان إلى الشريان ...................... )

0 0 0

اتصلت بسعد و دعته لزيارتها عصر يوم الخميس ــ عطلة العيادة ــ لأمر هام تود محادثته به .. في داخلها كان يمتزج غضب صارخ مع حزن عميق يبكي عاشقها الولهان المهزوم من قبل أقداره على الدوام .. سرطان في المعدة .. ذلك ما أخبرها به الطبيب لما ساقها الفضول للسؤال عن طبيعة مرضه بعدما وقع ملفه أمام ناظريها بالصدفة : مرضه بيتطور بسرعة و هو مش بيبالي كتير و لا بيداوم على العلاج , و كويِس إن بتربطك بيه علاقة عائلية قديمة علشان تنصحيه يهتم أكتر بصحتُه ) ...

جاء متلهفا كعادته للقائها , سألها عن نورا و كأنه أب يستفسر عن أحوال ابنته , أخبرته بأنها في الخارج و إنها تريد استغلال ذلك لتحدثه بحرية عن مرضه , كانت منفعلة في كلامها معه كما لو كانت تؤنب ولدها الصغير على إحدى حماقاته .. أدهشتها ابتسامته الباردة التي ارتسمت على وجهه المصفر و هو يقوم من على كرسيه المواجه لها ليجلس بقربها على الكنبة , فاجئها باستلاب كفها من على حجرها ليحتجزها بين كفيه : منو كال إني ما متمسك بالحياة , و شتسمين إصراري على التواجد وياج كل يوم تقريبا و كل ساعة لو أكدر ..

ــ بس تواجدك ويايَ ما رح يشفيك , لازم ..

قرب وجهه منها : كان لازم تكونين إليَ من البداية , حتى من قبل ما تنشاوف بالكلية .

ــ أرجوك بطِل هذا الكلام , أحنا كبرنا على هذا ..

التصق بها فهبت للقيام , تشبث بها : أنطيني فرصة وحدة حتى أكون بقربج بلا ما تحاولين الهرب مني , تعبت من لهاث سعيي وراج العمر كله .. اخترقت نظراته وسع عينيها : تعتقدين إن لقائي بيج بنفس المكان اللي إنفجعت بيه بحقيقة مرضي و بنفس الفترة تقريبا مجرد صدفة ؟

قلَب يدها مرارا على نار قبله الملتاعة و لفح أنفاسه المتعالية , تحسس وجهها بكل حنو تقاطيعه وقع شفتيه و كأنه قد اختزل فيهما كل حواسه , كاد أن يخترق خطوط رقبتها العاجية لهاج روحه المنهكة نزولا و صعودا بهوس لم يستطع مكابدته أكثر نافضا عنه تخوفاته من ردة فعلها الغامضة لحد الآن تجاه غزو أشواقه لشفتيها في شبق جارف أفضى بكبت آلاف الكلمات الحيرى التي لم يستطع بوحها لها على مدى سنوات طوال .. لم تعرف أي جمود أصابها ما بين حمى عناقه و اعتصارات أحضانه , كانت تنصت لهمهمات زوجها الغائب حينا و تلمح في ظلام عينيها المغمضتين ملامح وجه حسام المشرقة كشمس يوم وليد حينا آخر و آخر .. تركها مبتعدا عنها فجأة نافثا أنفاس مطعونة بحراب الحسرات المسمومة على حلم لا يستطيع الاستمرار باستراقه و إن كان يساوي لديه عقود عمر عاشه من غير أن يدرك له معنى .. أرادت أن تصفع من خلاله نفسها , أرادت أن تبصق صراخ غضبها في وجهه الشاحب : أيام الكلية و مراهقاتها الصبيانية قد انتهت و ناس ولدوا و أكثر منهم ماتوا و تغربوا و تشردوا و أنت كما أنت تحصر كل أفكارك و أمانيك و تخيلاتك في دنياك المغلقة على حب أبله ليستمر كل هذه السنوات من جانبك وحدك .. أرادت و أرادت و أرادت و لكنها لم تقوَ على فعل شيء سوى الذهاب نحو باب الشقة و فتحتها بحركة عصبية و عينين ناريتين و ملامح متصلبة تنتظر خروجه من غير أن تنطق أية كلمة ..

خرج بانكساراته محنى الرأس بملامح ميتة و خطوات ضعيفة من غير أن يلفظ حرفا كما لو إن الخلايا السرطانية الجاثمة في معدته قد انتقلت بهلاكها إلى لسانه فشلته عن الحركة .. فوجئت بحسام يقف على مقربة من باب الشقة ــ و قد كان آتيا لتوه من الخارج ــ بوجه يستفسر عن سبب الغضب الشديد البادي في نظراتها المسلطة على ذلك الرجل الذي اصطدم به من شدة اضطرابه في طريقه نحو مخرج العمارة فلم يجبه سوى دخولها السريع للشقة صافقة الباب ورائها ...

وقفت لصق الباب من الداخل ممتقعة الوجه توشك على صك وجهها لولا سماعها لصوت ابنتها تتحدث إلى شخص آخر و كأنهما يتفقان على موعد من قبل أن تصدر عنها ضحكة خافتة , سارعت لفتح الباب حتى تستطيع ضبطها معه , و لكنها لم تجد سوى ابنتها تهم بطرق ذلك الباب فيما كانت باب شقة حسام و أصحابه المقابلة تغلق , جذبت نورا من يديها بعصبية حتى كادت أن تخلعها ثم أغلقت الباب ورائهما و كأنها تود تحطيمه , ذعرت الفتاة من عصبية أمها الطاغية : هذه آخر تعبي عليج كل هذه السنين وحدي ؟.. تصادقين و تواعدين و أنا مثل الحمارة ما أعرف أي شي , سمعتج كلش زين تحجين وياه لا تنكرين ــ أخذت تهزها من ذراعيها بقوة كبيرة جعلتها تتمايل بين ذراعيها كغصن شجرة تعصف به ريح عاتية : كولي لي , شصار بينكم بالضبط و إلى أي حد وصلت علاقتكما ؟ لمسج ؟ .. باسج ؟ .. كولي لي .. فهميني

وقعت الفتاة مترامية على الكنبة من بعد أن أفلتتها قبضات والدتها المؤلمة منفجرة بالبكاء : أنت شدَ تكولين .. شدَ تكولين بس؟ .. و الله و الله ما صار شي من اللي ببالج و لا يمكن جنت أسمح أبدا بيه, ما أدري من وين جبت هالأفكار السودا و كأنج تتعرفين عليَ اليوم ..

ما إن سيطرت الفتاة على انفعالاتها حتى بدأت تحكي عن العلاقة التي وهبتها إحساس جميل آنس وحدتها و تغربها عن كل شيء ألفته في بغداد و إن كانت متشوقة أكثر من أمها للسفر : صدكيني علاقتي بيه أبعد ما تكون عن خيالاتج , كل واحد منا شاف بالثاني اللي يخفف عنه سأم حياته و حيرته من المستقبل, لأن كل واحد منا ما عنده أقل تصور عنه و لا شلون رح يكون, كل ما نعرفه إن واحدنا محتاج الثاني إلى أن ..

ــ إلى أن شنو ؟

ــ إلى أن نتفرق من جديد و كل منا يضطر يروج للمكان اللي يكدر يتشبث بيه ..

ــ هيج , بهذه السهولة ؟

ــ اطمئني , ما رح أحبس نفسي و أظل أبجي حبه طول الليل , دَ أحاول السيطرة على مشاعري على كد ما أكدر لأني أعرف زين إننا التقينا بمحطة سفر , اللي يفترقون فيها أكثر من اللي يلتقون ..

كانت تصغي إلى ابنتها و كأنها تستمع إلى امرأة تكبرها بكثير : غريب كلامج , شنو هالفصاحة , أنت شكد عمرج حتى تتكلمين بمثل هذا المنطق , كأن المشاعر عندج فرن تكدرين تتحكمين بدرجة حرارته .. غير جيل واعي هذا .

قالت هازئة : آخر أجيال الغربة ..

ــ أتذكر إني لما حبيت والدج ما جنت أكدر أفكر بأي شي غيره, و كأنه ملكني من أول كلمة حب كالها إلي و ما تصورت من بعدها أكون لواحد غيره ..

ــ و شنو النتيجة ؟ تركج تقاسين كل شيء وحدج , بس الحزن ياكل سنين شبابج المحروم ـــ رمقتها الأم بنظرات حادة فأردفت من بعد تلعثم : آني لا يمكن أربط حياتي إلا برجال أكون متأكدة بأنه يكدر يحقق لي الاستقرار من كل الجوانب .. بعدين علاقتي بإبراهيم تشبه قصة رومانسية , يمكن أتأثر بيها , لكن بعد فترة أنساها و يمكن أضحك من تأثري بيها ..

ضحكت من تشبيه القصة الرومانسية ذاك الذي ورثته عنها و لكن بصورة جد مبكرة .. و لكن , علاقتها بإبراهيم ؟!.. إبراهيم ؟ ..

ــ أي , شاب مؤدب و يخاف عليَ.. اطمئني يا أمي , حياتنا وحدنا ببيت جدو من دون وجود بابا علمتني أتحمل المسئولية وياج من جنت صغيرة ..

أقبلت ابنتها نحوها فجئت على ركبتيها أمامها واضعة رأسها فوق حجرها : ماما , أحس بتعب و ارتباك كلش قوي بداخلي , أريد أبقى نايمة بحضنج يمكن أرتاح شوية ..

أحست بدموع ابنتها المتساقطة على خديها و كأنها تتسلل إلى أحشائها فيما ألم بها دوار ثقيل كدوامة من الآهات المتطاولة عربدت داخل رأسها على مدى ساعات ندر خلالها الكلام فيما بينهما فآثرت نورا المبيت لدى إحدى صديقاتها المقربات لتفضي لها ما لا تستطيع أن تسهب في حكيه لأمها الساهمة أمام الشباك في صمت مقبض رغم تأكيدها لها بأنها لم و لن تفعل ما يمكن أن يمس شرفها أو حتى يسيء لسمعتها

نورا : ماما رح أروح , بعد ربع ساعة اتصلي بشقة أهل شيماء و تأكدي إني عندهم ..

ــ لا تصيرين سخيفة و لا تحاسبينني على كلام كلته بلحظة غضب مجنونة , آني متأكدة من أخلاقج أكثر من أي شي , إنت كل ما يحتسب لي بهذه الدنيا .

ــ لعد شبيج ؟ و كأنج تعاقبيني على صراحتي .

ــ هذه الصراحة هي اللي خلتني اطمئن أكثر و أعرف إن بنتي كبرت و صارت تعر ف شلون تفكر و تتصرف بعقلانية تعجبت منها بصراحة ــ افتعلت ضحكة مطمئنة لقلق الفتاة ــ المسألة ما لها علاقة بيج أبد , صدكيني ..

ــ تريدين أبقى وياج ؟ .

ــ لا حبيبتي بالعكس , أنت محتاجة للتغيير و آني محتاجة أكون لوحدي ..

ــ أنت بهذه الطريقة تقلقيني عليج .. بس كولي لي شنو اللي صار ؟

ــ نورا لا تكونين لحوحة .. أنا هَم يجوز أروح أزور وحدة من صديقاتي إذا مليت .. يللاه روحي كبل ما يتأخر الوكت ..

أرادت أن تتصل بزوجها علَ صوته يبعث في نفسها بعض الهدوء الذي تتوق إليه من بعد كل الأحداث المتوالية التي حاصرتها كوحوش تتنافس لافتراسها, و لكنها لم تفعل .. سوف تسأله عن موعد سفرهما إليه و كأن الأمر بيده , و سوف يحاول أن يصبرها بذات الكلمات التي لم تعد تطيق سماعها من كثرة تكرارها حتى باتت تتصور في آخر مرة قالها لها بأنه يتعمد معاملتها كطفلة صغيرة يريد فقط التخلص من إلحاحها , و سوف تصر على مجيئه إلى عمان لرؤيتهما و لو في زيارة خاطفة كما لو كانت إجازة من الإجازات العسكرية القديمة , أيام ما كان يتحين أية فرصة ليهرع إلى بغداد لرؤيتها و التنعم بسحر جنانها كما كان يقول و لو لعدة ساعات يسترقها من عمر الحرب الملعونة من غير أن يهتم ما يمكن أن يواجهه بعد ذلك من عقوبة , أما الآن فسوف يتعذر بظروف العمل الذي لا يتمكن من تركه يوم واحد و بأسعار التذاكر الغالية و هو بحاجة لتوقير كل مبلغ يتحصل عليه إما لكي يبعثه لهما أو ليدفعه للمحامي المتولي قضية لم الشمل أو حتى ليوفره لحياتهم المقبلة .. لن تتفهم شيء مما يقول و سوف تتهمه بالبخل و بأنه لم يعد يحبها أو حتى يهتم لأمرها و إنه لا يتعجل سفرهما لأنه بالتأكيد يواعد كل فترة فتاة أجمل من الأخرى بينما هي تقاسي وحدة و حزن يأكلان سنين شبابها المحروم كما قالت ابنتها و كأنها تستقرئ ما في داخلها , و في النهاية سوف تغلق بعصبية ثائرة و تجهش ببكاء طويل و هي في غنى عن أي انفعال آخر في مثل هذا اليوم بالتحديد ..

نامت في ثيابها و كأنها قد عادت تركض متلقفة الأنفاس من مشوار بعيد جدا وقعت خلاله مرات عدة من غير أن تتلاحقها ذراع حسام الفتية , قلَبتها أحلامها على الفراش الذي اعتادت تقاسمه مع ابنتها لساعات و لم تستلبها من متاهات أضغاثها سوى رنة هاتفها النقال , أفاقت مرتعبة تنطق اسم ابنتها فيما يشبه الهذيان , أتاها الصوت بعيدا غريبا عنها و إن كان يتكلم باللهجة العراقية: ألو .. السيدة أسماء أم نورا ؟

ــ نعم , نعم .. منو حضرتك ؟ نورا بخير ؟؟

ــ عفوا آني صديق سعد .. الحقيقة إنه كلش تعب و نقلته للمستشفى و أول ما وصلنا ظل يلح علي أن أطلبج و أبلغج , آسف جدا على الإزعاج ..

ــ حالته خطيرة إلى هذا الحد ؟!!

ــ ما أعرف , علقوا له المحاليل و أنطوه بعض المهدئات , و لكنه ما يكف عن سؤالي عنج , بصراحة بالبداية ما كنت أنوي أتصل بيج غير الصبح بس خفت تحصل له مضاعفات و أظل أحس بالندم بعدين ..

ــ رح أجي حالا , إنطيني اسم و عنوان المستشفى من فضلك , زين سويت باتصالك بيَ ..

بدلت ملابسها على عجل و ركضت نحو الخارج , كيف لها أن تجد سيارة أجرة في مثل هذه الساعة حتى في الشارع العام : أفِِ منك يا سعد و من حبك المجنون اللي ابتليتني به ..

وقفت ملتفتة نحو الصوت المترامي إليها من بعيد , أقبل عليها حسام راكضا من بعد أن لمحها عبر شباك الصالة : أم نورا .. خير ؟

ــ أحد معارفي نقلوه للمستشفى بحالة صعبة و لازم أروح أشوفه بسرعة ..

ــ رح أروح وياج , مستحيل أتركك بمثل هذه الساعة تروحين وحدج ..

ــ لا , ماكو داعي تتعب نفسك , ارجع أنت ..

قال في حماس و كأن الأمر محسوما : ادعي بس يمر تكسي .. المستشفى بعيد ؟

في المستشفى وجدت سعد يغط في نوم عميق تحت تأثير المنوم , سألت صاحبه عما قاله له الطبيب فأخبرها بأن حالته لا زالت حرجة و إن كانت مستقرة و قد كانوا على وشك نقله إلى غرفة الإنعاش : خلي ندعي له يكوم سلامات .. سعد إنسان طيب لأبعد الحدود , أحيانا أتصوره طفل بهيئة رجل نال منه الهرم قبل الأوان ..

لا تدري لمَ شعرت بأن صديقه هذا يحاول تزكيته أمامها و إن لم يقل سوى بعض الحقائق التي تعرفها عنه أكثر من سواها : الله أعلم ما يكون قد أخبره عني بطريقته الشاعرية المهووسة ..

عادت إلى حسام الذي كان يجلس على أحد كراسي الانتظار القريبة : حسام , ارجع أنت و ألف شكر على تعبك ..

ــ آني ما عندي شي أرجع له و أتركج ــ نظرت له باستغراب ــ أقصد .. اليوم جمعة يعني ماكو شغل وإنت أو المريض يمكن تحتاجون لأي شي , و صاحبه يبيِن عليه التعب , شوفي شلون غفا على الكرسي بآخر الممر أول ما كعد عليه ..

ــ بس ..

ــ لا تحاولين يا أم نورا , أنا ما رح أتحرك من هنا حتى نطمئن عليه , و لا تنسين إنه عراقي و واضح إن أهله مو وياه , و أحنا هنا لازم نحتوي بعضنا و إلا ما يمكن نكدر نتحمل مرارة الغربة ..

أذعنت لإصراره على البقاء بنظرة مبتسمة يؤطرها الإعجاب .. لم يسألها إن كان الرجل المريض هو ذاك الذي رآه يخرج لا ينظر أمامه من شقتها , و لم يسألها كذلك عن طبيعة معرفتها به , المهم كل المهم لديه أن يبقى إلى جانبها أكثر ما يمكنه , و كأن لمحه لخروجها في تلك الساعة من السحر كان بمثابة طوق نجاة ألقي إليه في رحمة قدرية لينجده من بحور يأسه الغريقة , في ذلك الوقت الملفوظ من الدنيا كان في أشد حالات وهن طفل صغير مخنوقا بعبراته المترامية الحيرة بقدر تيهه عن بيته , و هو لا يقوى على فعل شيء و لا حتى البكاء خوفا من أن تسوقه دموعه إلى مزيدا من الضياع و الأسى ..

أراد إشعال سيجارة فنبهته إلى القطعة المعلقة على الجدار المواجه لهما ( التدخين ممنوع ) زفر نفسا عميقا ضجرا فاقترحت عليه أن يخرج إلى باحة المستشفى ليدخن ..

قال : و أنت , ما تريدين تدخنين ؟

ــ آني ما أدخن بصورة مستمرة .

ــ و آني هَم جنت ما أدخن هوايَ لحد ما جيت للأردن .

ــ بس لا تتعود عليها , بعد كدامك الطريق طويل .

تنهد عاليا : أعرف و هذا ما ..

ــ يخوفك من المستقبل؟ .. يخليك تتشكك بكل شي حتى اللي تريده فعلا , و يجيك وقت تتمنى ترك كل شي و ترجع لبغداد مهما كانت النتائج و مهما أكلك الندم بعدين ..

نظر إلى عينيها مليا ثم قال : جنت أظن إني الوحيد اللي يفكر بمثل هذه الأفكار ..

وجد كفها يضغط على يده المحتوية لركبته في رفق حان ِِ دافئ أضفى عليها أكثر منه دفقا من الأمان أبعدهما لبعض الوقت عن أجواء المستشفى الخانقة .. قطع أحاديثهما المتقطعة دخول الطبيب و من خلفه إحدى الممرضات إلى غرفة سعد فانتظرت خروجه بقلق كبير و في وساوس خاطرها أنه سوف يخرج ليعلن لها عن وفاته , و لكنه طمأنها إن حالته شهدت بعض التحسن و إنه قد أفاق و سأل عنها كما يظن , دخلت بمفردها عليه مصدومة بوجهه المطعون بزرقة شاحبة تركن إلى السواد , عدا إن صوته أنبأها إنه بخير و إن كان واهنا : تعالي يا أسماء بقربي .. بشنو دعيتِ عليَ بعد خروجي من شقتج ؟

ــ لا تذكرني حتى ما أتركك و أروح و ما أرجع أبد .

ــ و لو متت رح يبقى ضميرج يعذبج طول العمر .

اصطنعت ضحكة رقيقة : لا , لا تخاف , عنيد مثلك ما يمكن يموت بهذه السهولة .

ضحك على قدر ما يستطيع : يعني ما يهون عليج تكولي لي و لو كلمة مجاملة بمثل هذه الظروف .. مو يمكن أكون بمرحلة الاحتضار و الله ينطيني هذه القوة بس حتى أكلم أعز إنسانة عليَ بهذه الدنيا ..

ــ لا تحاول استغلال الوضع بهذه الطريقة , الدكتور طمئني على حالتك بس طبعا بشرط أن تلتزم بالعلاج ..

ــ لا تخلينا نحجي بهالموضوع هسه ..

ــ بس ..

ــ شلونها نورا ؟

ــ بخير , باتت عند صديقتها و إلا كانت جت ويايَ ..

ــ لعد جيت وحدج ؟

ــ لا , ويا شاب جاري عراقي , لح يجي و يبقى ..

ــ يا بخته ..

قالت بدهشة غريبة : ليش , يا بخته على شنو ؟

ــ لأنه جارج و يكدر يشوفج بكل وقت بلا ما يضطر لاختلاق الأعذار مثلي .. اسأليه يقبل يتبادل بالشقق ..

ضحكت عاليا هذه المرة : أنت ماكو شي يأثر بيك أبد , بس كلي شأسوي بيك .. أخنكك و أرتاح منك ؟

ــ يا ليت حتى ما أحس غير بحنان إيدج حول رقبتي ..

ــ سعد , ليشَ تصر تحملني مسئولية حبك ؟ يعني ما يكفيني الهموم و المشاكل اللي عندي؟

مد يده بطيئا حتى احتوت كفها : حــ .. حبيبتي ــ نظرت إليه باستغراب و كأنها لتوها ما تدرك هذه الحقيقة ــ إذا ما متت بالسرطان رح أموت من كثر ما كبتتها بصدري , بعد ماكو وقت طويل , أعرف إنج تحسبيني مراهق أو مجنون , بس آني ما أطلب منج شي غير أن تسمحين لي أحبج و أغازلج مثل ما أريد , هذا أمر يخصني ليش تغضبين و تريدين حرماني منه ..

بعينين عاتبتين : و اللي صار البارحة , كان أمر يخصك وحدك ؟ .. تعرف إنك أول رجال يلمسني عدا زوجي ؟

ــ أعرف و متأكد.. لكن اعتبريها غلطة أو زفرة كبت سنوات طويلة ما كدرت منعها , أنت ما تعرفين مقدار جاذبيتج و سطوة أنوثتج عليَ ..

ــ ما أعرف شأجاوبك ..

ــ يبين عليج التعب , آسف جدا بس خفت أموت قبل ما أشوفج و أتأكد إنج ما تكرهينني و إن كنت أعرف إنج ما تعرفين معنى الكراهية ــ بعد صمت ــ نادي على الشاب حتى أشكره ..

لم تدري لمَ لم تشأ أن يجمع الاثنين مكان واحد: لا , ماكو داعي.. أنت تعبان , حجيت هوايَ و لازم ترتاح .. رح أرجعلك بس أرتاح و ترجع نورا حتى أجيبها ويايَ , تريد أجيب لك شيء من شقتك ؟

ــ لا , لا تتعبين نفسج .. هاشم , صديقي اللي اتصل بيج رح يجيب لي اللي أحتاجه .. نادي له لو سمحت ..

ــ بالمناسبة , شكِلت له عني ؟ ..

ضحك ثم قال بخبث : إنج ... أسماء .

خرجت مطمئنة صاحبه الذي دخل إليه بينما سارت و حسام نحو باب المستشفى الخارجي, ركبا سيارة أجرة مرت في شوارع مغتسلة بشمس الصبح الفتية و لسعات برده المندى المنعشة حتى إنها تمنت ألا يعودا مباشرة , بل أن يأخذها في نزهة تستمر لساعات طويلة كما كانت تفعل مع زوجها منذ بداية حبهما بينما كان والداها يحسبانها تمضي الوقت في المدرسة أو الكلية .. كان يجلس جوار السائق يمعن النظر طوال الطريق في ملامح وجهها المجهدة في مرآة السيارة الجانبية التي أمامه مشفقا على نفسه من لحظة دخول كل منهما إلى شقته , تبادلا نظرات تمناها أن تطول بلا أن تنهيها بكلمة شكر موجزة انتزعتها من داخلها انتزاعا بدلا من الفكرة التي برقت في خاطرها لحظة ترجلهما من سيارة الأجرة بأن تدعوه لتناول الفطور معها كتعويض بسيط عن تحمله عناء السهر معها في المستشفى لتسنح لها الفرصة بالتحدث معه عن أشياء كثيرة لا تستطيع لملمة تناثرها في خبايا عقلها المتعب , فكرت بعد دخولها لشقتها بأن تعود و تطرق عليه بابه لتطلب منه تناول الفطور معها أو أي شيء آخر , كأن يساعدها في تبديل جرة الغاز مثلا , و لكنها عادت و عابت على نفسها مثل هذه الفكرة الصبيانية السخيفة , استحمت و قررت أن تنام لعل ذلك يعيد لها بعض توازنها المفقود .. سمعت طرق الباب فظنت إن نورا قد عادت و لم تستطع فتحه بمفتاحها لأنها قد نسيت سحب مفتاحها من خرمه بعد دخولها الساهم , كان هو بعينين محمرتين من أثر السهر تسألان الحب دون سواه ..

حسام : ما جاني نوم , و إنتِ هَم ؟

محاولة تدارك ارتباكها: أخذ حمام دافي يعينك على النوم ..

ــ ما نكدر نسولف سوية , مو هنا .. بأي مكان ..

ــ بأي خصوص ؟

ظل يتأمل تورد وجهها المنتشي بآثار الماء الحار و جسدها الملتف بالروب الصوفي الأزرق من غير أن يجد ما يقوله ..

قالت في تلعثم : حسام أنت تعبان و آني هَم , روح و حاول تسترخي ..

من غير أن تنتظر سماع جوابه أغلقت الباب و أخيلة خاطفة تنهش أعصابها و كأن قبَل سعد المحمومة تندس بين مسامها من جديد , و لكنها تنبعث من بين شفتي حسام المرهفتين غيثا ناعما تتساقط قطراته رويدا رويدا على جبينها العريض كأمانيهما المهاجرة , و على خط أنفها العاجي تتهادى كحبات لؤلؤ متقاطرة لا تلبث أن تنتثر على جانبيه فتتراشق على خديها الناعمين , تنزلق إلى شفتيها .. تداعبهما .. تتدثر بهما و تعتصرهما كغمامتين ينهمر منهما سيلا جارفا لا يجبره على التوقف سوى دخول نورا المفجَع عليهما ..

في المساء ذهبت و لم يغادرها شيء من الإنهاك مع نورا لزيارة سعد في المستشفى , حاولت أن تبدو أمامه بالذات في أفضل حالات تماسكها عدا إن ذلك لم يخدع عاشقها القديم فانتهز أول فرصة لمغادرة ابنتها الغرفة ليسألها : البنية الحلوة ليش حزينة ؟

ضحكت : البنية الحلوة ؟

ــ على الأقل بنظري , لأني دائما أشوفج مثل ما جنت بالكلية بالضبط , الحلوة المليانة بحيوية و إثارة غير مقصودة و هذا هو سر فتنتها , حنانها يفيض على الدنيا كلها , و بنفس الوقت عدها قوة جانت تخليني أوكف جامد مثل الأهبل كدامها بلا ما أكدر أكول كلمة واحدة , بنية ..

ــ بس , بس ــ ضحكت ــ يعني أنت ما يصير تفوت فرصة بلا ما تمطرني بشعرك الغزلي ..

ــ يعني ما تحبين تسمعين مثل هذا الحجي .. و لا تشوفين نفسج بعيني ..

ــ خبيث , اعقل يا رجال ؟ بنتي صارت شابة ..

ــ و أكيد صار لها أكثر من عاشق , بس يا ريت ما يتعذب أحد بحبها مثل ما تعذبت بحب أمها ..

ــ بصراحة آني ما مقتنعة , يصير يبقى الحب بداخل الإنسان مثل ما هو على مر السنين بنفس الدرجة ..

ــ أفهم من هذا إن حبج لزوجج مو مثل الأول ؟

أرادت عيناه غزو كيانها ليستخلص الإجابة منه , قالت بارتباك : حبي .. حبي لزوجي شي مختلف , كان بينا حب متكامل و حياة مشتركة بكل تفاصيلها الحلوة و المرة , و نورا طبعا ..

ــ يعني هذا العقل الحلو مثل صاحبته ما فكر بغيره أبد ؟ ..

جاءت إجابتها حازمة : أبدا , أبدا ــ بانفعال ــ أنت من وين تجيب هذا الخيال ؟ ..

ضحك رغم ما تكابد من آلام حادة : و ليش صايرة عصبية ؟ أحنا دَ نتكلم بس ..

ــ شوف لنا موضوع غيره الله يخليك و إلا رَح أتركك و أطلع و ما أرجع أبدا حتى لو كالو لي إنك بالإنعاش .. يا مراهق .

اتفقت رغبتاهما على أن تتجولان في الشوارع و بين الأسواق حتى يدركهما التعب من بعد أن تتناولان العشاء في أحد المطاعم البسيطة فلا تعودا إلى الشقة إلا من أجل النوم, تمنت نورا لو إنها تستطيع التبرؤ من ترددها فتسألها عن سعد و عن مشاعره المفضوحة ــ لديها ــ تجاهها , و عن طبيعة مشاعرها تجاهه لا سيما و هو يصارع مرضه الخطير .. أن تسهب في تفاصيل الحب الشبق الذي جمعها بأبيها , ذلك الأب الذي لم تره منذ أن كانت في العاشرة من عمرها و لما تفكر به تجده شخص غريب عنها تتذكر عنه أمور صارت تذوي من عقلها شيئا فشيئا و بوتيرة متسارعة تتحدى لهفة ضمها إلى صدره أولما تراه لتتلمس أمانا كثيرا ما افتقدته رغم حنو أمها الجارف و قوتها المبهرة لها دوما في مجابهة عناد الأيام , طالما سألتها عن شتى صفاته , أكان عصبيا .. أكان حاد المزاج في أغلب الأوقات , أكان .. أكان .. أكان ؟...

من ناحيتها أرادت أن تستوضح من ابنتها باستفاضة أكثر عن علاقتها بإبراهيم و بصورة أعمق , أن تلج قلبها لو استطاعت لتعرف ما تفكر به تماما , و لكنها لم تسألها أي سؤال بخصوص ذلك الموضوع , فالأسرار عادة ما تكون جزءً من زهو المرحلة التي تعيشها لا سيما فيما يخص الحب أو حتى بوادره الأولى , حتى و إن كانت عقلانية المشاعر تلك التي أظهرتها أمامها إدعاء أكثر منه حقيقة لتطمئنها على صلابتها و قدرتها على التحكم بعواطفها فلا تحاول ممارسة الضغوط التي كثيرا ما نفرت منها قبل أكثر من عشرين سنة عليها ليزداد خفق قلبها نحو حبيبها أكثر فأكثر ...

حلم مجنون أيقضها فزعة من النوم يرطب العرق البارد جلبابها.. سعد يناديها بصوت صارخ التأوه مستجدا بها فلا تجيبه سوى همهمات جسدها العاري المتدثر بالكامل بشبق جسد حسام الضاري على الأرض قرابة سريره في المستشفى , و كأنهما يودان الانصهار معا في حميم من الشهوة الأبدية , تشتد عليه سكرات الموت فيعظم هياجهما أكثر فأكثر .. تفارقه الروح أخيرا لحظة تدفق ماء الحياة بغزارة داخل أحشاءها المسحوقة في التياع ..

أطل عليها من مرآة الحمام وجه مصفر شاحب و عينان يترقرق داخلها دمع عصي على الانهمار , رشقت وجهها بالماء البارد مرارا بأنات رتيبة لم تملك القدرة على إيقافها إلا بعد حين .. دخنت في الصالة ثلاثة سجائر شبه متلاحقة فجثم على روحها اختناق قاسي مع غثيان .. راحت تتنشق عميقا الهواء البارد في الشرفة و في يدها هاتفها النقال تتردد بالاتصال بسعد لتطمئن على حاله في قلق لا بد أن تحسن مواراته عنه , بالتأكيد إنه نائم في مثل هذه الساعة نوما عميقا بفعل المنوم و المهدئات التي يأخذها و حتى إن نجحت في إيقاظه فسوف تسبب له الرعب الذي يمكن أن يقتله فعلا .. أخيرا اهتدت إلى الاتصال بالمستشفى لتطلب من الممرضة الخفر أن تطمئنها عليه , فوصل بها الأمر إلى حد التوسل حتى رضيت الممرضة أن تذهب إلى غرفته لتعود و تبلغها إنه يغط في النوم بشكل طبيعي و يرسل شخيرا منتظما .. زفرت نفسا عاليا ثم أخذت تبكي بنشيج متقطع مخفية وجهها بين كفيها كما لو كانت تلطم متمنية نفي بشاعة ذلك الحلم من ذاكرتها إلى الأبد .. إن كان هذا يحصل معها فكيف هو الحال مع ابنتها , أوَ تعود إلى المراهقة من جديد فيما هي تودع عقد الثلاثينات من عمرها ليثبت جزء خفي منها إنها لم تزل تتمتع بذات وهج الأنوثة الذي لازمها لما كانت في العشرينات من عمرها ؟ ألا يكفيها تغزل سعد بها طوال الوقت ؟ أم إنها تريد معرفة تأثير مفاتنها على شخص آخر غير مدمن عشقها ذاك , و يا حبذا لو كان شاب في مقتبل العمر مفعم بالحيوية و بأحاسيس كثيرة استلبتها منها الحياة شيئا فشيئا.. عادت إلى الصالة لتتأمل مليا في وجهها المنتفخ من أثر البكاء و قلة النوم في المرآة المعلقة قرب باب الشقة .. ( أيعقل إني قد كبرت إلى هذا الحد لتساورني مثل هذه الأفكار الغريبة و الشيطانية ؟ ) ..

ميزت صوته من جديد عن صوت رفاقه و هم يدخلون إلى شقتهم فسارعت بالعودة إلى الفراش و كأنها تتوقع اقتحامه لشقتها بكل ذلك الشبق الذي كان يستبد به في حلمها المهووس ..

0 0 0

أخبرها الطبيب الذي تعمل لديه بأنه سوف يسافر لحضور مؤتمر في الخارج , اتصلت بالمراجعين لتأجيل مواعيدهم لحين رجوعه بعد أسبوع , إجازة أتت في وقتها تماما بالنسبة إليها وسط حرب الأعصاب التي تنهكها .. شيء ما جعلها تقف متسمرة في مكانها أمام باب شقتها ترقب عبر بات شقته المفتوح انهماكه في كنس أرض الصالة و ترتيب أثاثه القديم , ندَت عنها ضحكة لم تستطع و ربما لم تشأ كتمها لينتبه إليها بوجه متهلل كمن وجد أهم ما يفتقده دون سواه : أهلا أم نورا ..

ــ شنو اللي تسويه هذا .. تنظف ؟

ــ على الأقل شي ألهي بيه نفسي ..

ــ ما عندك شغل اليوم ؟

ــ لا , صاحب ورشة النجارة استغنى عني .

ــ ليش؟

هزأ متنهدا : يكول عمالة زايدة و ماكو شغل يستحق , مع إني آخذ أقل الأجور .. عادي , مو أول مرة و لا آخرها .

ــ الله كريم ..

همت بإخراج المفتاح من حقيبتها فعاجلها بقوله : شفت نورا خارجة ويا صديقتها .. ممكن تتفضلين نشرب الكهوة سوية ؟ أرجوج ..

كان يستحوذ على نبرة كلامه رجاء حار كان من الصعب عليها معاندته و في ذات الوقت أرادت بوجودها معه لوحدهما في شقة أوصدت بابها تحدي جنون حلم الليلة الماضية .. عرضت عليه أن تعد هي القهوة , فوافق من غير تكلف و كأنه أمر معتادين عليه , أكمل تنظيف الصالة على عجل ثم دخل عليها المطبخ , كان محرجا فأدركها بعض التوتر , قال بعض تردد : أ .. عندج ؟

ــ شنو .. حسام شتريد ؟

ــ جكارة .. جكايري خلصت ..

ضحكت من ظنها و من تحرجه : نعم .. بالجنطة ــ وقف جامدا لا يؤتي بحركة ــ روح و افتحها و طلع الباكيت منها , أخاف تفور القهوة إذا تركتها ..

ــ بس ..

ــ بس شنو , لا تصير خجول لهذه الدرجة ..

ذهب تشيعه بابتسامة جميلة منها من غير أن تود التفكير بشيء يعكر صفو شعورها الغامر بالارتياح , وجد في حقيبتها مجموعة صور لها من تلك التي تستخدم للمعاملات فلم يستطع مقاومة رغبته بأخذ واحدة منها و دسها في جيب قميصه ..

رن هاتفه النقال فترامى صوته العالي إلى المطبخ : ألو زينة , شلونج أختي ؟ .. طمنيني شلون صارت أمي .. أي , أي ابنج كال لي , اتصلت ببيتكم بعدما قتلني القلق , ما حد جاوب علي البارحة أبدا , شكو ؟ .. ليش نقلتوها للمستشفى .. أزمة قلبية !! ليش , شصار ؟ حالتها خطيرة ؟ الله يخليج كولي لي .. آني هنا يحركني الخوف عليها ........

لم تشأ الخروج من المطبخ إلا بعد أن أنهى مكالمته المتألمة .. كان ثائر الأعصاب , مكفهر الوجه بصورة لم تألفها فيه من قبل , جلست إلى جانبه على الكنبة ترقب انفعالاته المضطربة , هذه المرة هي من كابد رغبة عارمة لضم ذلك الفتى المذعور و المتحير في أمره أمامها إلى حنايا صدرها بقوة تهزم كل المرارة المحتبسة بين ضلوعه , و لكنه أجهض رغبتها التي أرادتها أن تكون منفلتة من مدار وعيها بصبه جام غضبه على أخيه الكبير , سبب كل شقاءه و شقاء أهله منذ هربه من العراق قبل أكثر من خمسة عشر عاما : لعنة الله على السياسة و اللي يشتغل بيها .. طالب بالكلية شنو اللي يدخلك حزب محظور بزمن حرم كل الأحزاب غير الحزب الحاكم , هو نجا و سافر و حصل على لجوء و بقينا أحنا نعاني جرائر أعماله على مر السنوات الماضية , ما أريد أدوخج بيها لأن الحجي بهالموضوع يطول لساعات , انتهت أخيرا بيَ و من أيام ما جنت بالكلية .. تحقيقات أمنية سخيفة و مضحكة و كأني على اتصال بيه و آخذ تعليماتي الحزبية منه .. أيام طويلة مرت علي و آني مذعور كلما أتصورهم ممكن يجون بأي لحظة حتى يعتقلوني أو حتى يعدمونني ......

ظل ينفث غضبه من أدخنة السجائر بنبرة سريعة منفعلة و كأنه يريد بوح أكثر قدر من الشكوى بأقل وقت ممكن , جلبت له قدح ماء ليهدئ من أعصابه , شربه برشفة واحدة ثم أردف كلامه عن طالب .. المسئول الحزبي في منطقتهم , عدو أخوه و منافسه القديم على خطبة فتاة تزوجها بعد رحيله مباشرة , و كأن أخيه بات يتجسد أمامه في صورته من جديد : بين يوم و آخر كان يجينا للبيت و بعيونه و طريقة كلامه غل و حقد ما يخلصون , طبعا ما عدا الاستفزاز و الغطرسة و الاحتقار , يجمع عنى معلومات غبية مثله إلى أن فلتت مني أعصابي و تعاركت و ياه فهددني بأن يدمر مستقبلي اللي ما شفت منه شي بعد .. توسط الجيران بينا إلى أن تكرم عليَ بمكرمة مسامحته بس أمي ما كدرت تتحمل أن أبقى حتى يدبر لي ورطة تنفيني عن الحياة يجوز للأبد .. سافر و اتصل بأخوك و خليه ياخذك عنده بألمانيا , مر فراكك أهون بألف مرة من ما أفقدك للنهاية , وبعدين هذه مو أول مرة , المهم أعرف إنك بخير و أمان .. و جيت لهنا و ما حصلت أي شي, رفضت مفوضية الأمم المتحدة طلبي أكثر من مرة , و هو ما كدر لحد الآن يسوي لي شي غير كلام صرت أملَه من كثر ما يعيده و مبلغ كل كم أشهر ما يكفي حتى لتسديد غرامات الإقامة , يعني صرت مثل الفار بالمصيدة , محاصر من كل الجهات من غير ما أكون أفتهم بالسياسة أي شي ...

أخذا يرتشفان القهوة في صمت لا تعرف بأي كلمة يمكن لها اختراقه , سكنها حزن عميق , عميق جدا رغم إن قصته واحدة من بين آلاف القصص التي ألفت سماعها منذ أن جاءت إلى عمان .. في وهلة غريبة من بين ملامح وجهها بهي الطلعة أطل وجه والدته بخطوبه و التجاعيد المحيطة بمحيط عينيها الدامعتين بآلام فراق أصغر أبنائها لحظة ركوبه السيارة التي أقلته إلى الأردن , يداه تحتضنان جواز سفره و كأنهما تتشبثان به لتواليان تأكيد حصوله عليه بشكل اعتيادي دون معارضة الجهات الأمنية : تدرين إنج تشبهيها ؟

ــ منو ؟

ــ أمي , بوجهج نفس ذاك الحزن و القلق و التوتر .. و نفس القوة و الإصرار و إرادة الصبر , لأن الصبر يراد له إرادة مو أي واحد يملكها..

سمعها تضحك : ليش تضحكين !

ــ ماكو شي , بس كلامك ذكرني بكلام واحد أعرفه من سنين طويلة , هو هَم كلما شافني يصفني بمثل هذه الصفات .. قوية , صلبة , مثابرة ..

نظر إليها بعينين زاحم الصفاء توترهما : و أكيد إن هذا رأي كل من عرفج أو حتى تمعن بعيونج ..

كفتاة خجولة أرادت التهرب من تسلط نظراته على وهج عينيها المتلألئتين قامت بسرعة : رح أسوي كهوة ثانية ..

سمعت رنة هاتفها النقال في الحقيبة فأعادت وضع الصينية على الطاولة و راحت لترد و هي تشعر بأن عيناه لا تفارقاها أبدا : ألو سعد , شلون صرت هسه ؟ ... شنو ؟ و ليش طلعت بهذه السرعة من المستشفى ؟ .. زين , رح أجيك .. أي هسه , لأن الطبيب رح يسافر لحضور مؤتمر .. مع السلامة ..

التفتت نحوه ففوجئت بوقوفه على مقربة منها : هذا اللي كان بالمستشفى , المجنون ما طاق البقاء بيها أكثر فطلع و رجع لشقته .

ــ يعني لازم تروحيله هسه ؟

في ارتباك : أي , لأنه وحيد و مريض و يحتاج اللي ..

كطفل غيور : لهذه الدرجة هو مهم بالنسبة إلج ؟

ــ هو صديق قديم ..

ــ يا ريتني جنت مثله , يا ريتني جنت و لو جزء صغير من حياتج من زمن طويل يمكن جان لكيتلي مكان بهالكلب الحنين ..

ـــ لما تعارفنا كنت أنت يمكن بعدك بالابتدائية ..

سقطت نظراته على الأرض و تراجع خطوات إلى الوراء من بعد اقتراب أخذ يعظم مع كل كلمة من كلامه , خرجت من الشقة كاتمة اضطراب أنفاسها لا تدري أي جنون ــ أم تعقل ــ دفعها لقذف كلماتها في وجهيهما معا و ليس في وجهه وحده .. ( و لكن .. كان يجب أن أجلده بتلك القسوة ؟ أما يكفيه ما يعاني من خوف و رعب على حاله و حال والدته المريضة البعيدة عنه , لمَ أحمله عبء هواجسي المضطربة أيضا ؟ ) طفرت الدموع من عينيها في منتصف شارعهم فتوقفت و كادت أن تستدير لترجع إليه و تعتذر منه و ... و لكنها لم تفعل بل استأنفت مسيرها نحو موقف الحافلة في ثبات يسحق كل نية لها بالرجوع ...

لا حظ سعد بهوت حمرة وجهها المألوفة و اختناق وهج عينيها فسألها في قلق : أكو شي ؟ يعني إنت بخير ؟ .. و نورا ..

وضعت المعجنات التي اشترتها له خلال الطريق : ما بيَ شي , و نورا بخير .. ليش إنت متوتر لهالدرجة ؟

ــ شوفي نفسج و أنت تعرفين , جتِ تركضين ؟

ــ لا .. بس كنت كلش خايفة عليك , ليش تركت المستشفى ؟

ــ ما بقت فايدة من وجودي هناك , كلت أطلع حتى أرتب أموري كبل العملية ..

ــ عملية !..

ــ رح يحاولون يصلحون ما يمكن إصلاحه, و إن كنت أعرف إن تعبهم ما له أي نتيجة بس كلت ما أفشلهم... ضحك .

ــ صاير تحب تحول كل شي لضحك حتى بالأمور الجدية ..

ــ مو أحسن مما أبقى أبجي و أندب حظي بهذه الدنيا استعدادا لمفارقتها ــ بعد صمت : البارحة فجأة لكيت نفسي كاعد من النوم و أنت ببالي , ردت أتصل بيج بس حتى أسمع صوتج ..

استغربت من توارد الخواطر هذا , أيكون قد حلم بذات الحلم و يخجل من البوح به , حاولت استقراء الحقيقة من عينيه المكحلتين بالوهن من غير جدوى , كان صمته عميقا و غامضا أضاف إليه عمرا آخر فوق عمره ..

ـــ شبيها حبيبتي القوية ؟

استفزتها الكلمة : أوف .. آني مو مثل ما يتصوروني الكل يا سعد , وحدة قوية كلها عنفوان ماكو أي شي ممكن يهزمه , آني إنسانة عادية جدا , مرات كثيرة أحس بالضعف من الداخل و حتى لو كنت ما أحب أبين ضعفي لأحد حتى لا أنكسر كدامه , لكن الكل يعتبرني الأمل اللي يستنجد بيه حتى ينتصر على مصاعبه , الكل يحملني مسئوليات و يتوقع مني المزيد و المزيد .

اقترب منها و أخذ يمسح وجهها بكفيه : اهدئي .. اهدئي , إنت تعبانة , واضح إن الضغط عليج قوي .. احجي لي شنو الصاير ؟

حاولت التخفيف من حدة انفعالها : ماكو شي .. يمكن لأني بعدني ما تعودت على حياتي هنا رغم إنه مر عليَ شهور من تركت بغداد ...

ــ تحنين للعودة ؟

ــ و كأن عندي خيار .. المشكلة إني ما دَ أعرف اللي أريده بالضبط , بنتي الشابة أكثر استقرار مني بكل شي .

ــ حتى بعواطفها ؟

ــ أي عواطف ؟ إنت ما تفكر إلا بهذه الأمور ؟ منين أجيب اللي يفهمني ..

ــ إذا أنت نفسج ما تعرفين اللي تريديه مثل ما كلتِ و آني ما أريد ألح عليج حتى لا تزهكين مني .. ليش ما تحاولين تنامين و ترتاحين , عندي غرفة جاهزة للضيوف اللي يجوني من بغداد و ما أكثرهم , ادخلي و نامي و رح أتركج إلى أن تكعدين وحدج ..

نظرت إليه نظرة فهم معناها فضحك : لا يا حبيبتي , آني مو الذئب اللي يريد يتحين الفرص لالتهام ليلى ــ ابتعد عنها قليلا و أردف في جدية مباغتة : شي غريب , جنتِ أبعد ما يكون عني و إنت بين أحضاني , يبين إني تعودت أعشقج بس بخيالي, خيال ما أريد أشوهه بالواقع من جديد ..

ــ لا , ما أريد أنام .. أريد أبقى أحجي وياك ..

ــ و آني ما أريد أبقى هنا أكثر , تعالي نطلع لأي مكان , هذه الحيطان الكئيبة صايرة تخنكني , أظنها وسيلة الموت لقهري كبل ما يشرفني بزيارته الخاطفة..

خرجا و تمشيا طويلا ثم جلسا في إحدى الكافتيريات , و برغم ما يلم به من شقاء كان هو الذي يعمل على الترويح عنها و تبديد قلق هواجسها , إلا إن حسام بملامح وجهه و نبرة صوته المترجية منها البقاء ظل مهيمنا على تفكيرها طوال الوقت , و كأنها تسمعه يناديها لئن تعود إليه بأسرع وقت ..

سعد : بيمن تفكرين ؟ ..

ــ ............ بنورا .

تعمق في عينيها : نورا ؟ اتصلي بيها ..

ــ لا , لا .. الأحسن أروح , يلا إنت هَم تحتاج للراحة ..

ــ لا , تفضلي إنت .. آني رح أبقى , ماكو شي ينتظرني بالشقة حتى أرجع له .

ــ سعد , لا تخليني أقلق عليك .. تعال ويايَ , ما يجوز أتركك وحدك بعد, أنت تحتاج للي يعتني بك و بأكلك طول الوكت ..

ــ أرجوج لا تحسسيني بهذا الضعف , آني بعدني أعرف أدبر أموري , مع إنج أحلى و أحن أم أكدر أحظى بيها .. اطمئني , جيراني محاوطيني و يهتمون بي و كأنني فرد منهم , بالمناسبة سلمي لي على جارج اللي جا للمستشفى وياج و أشكريه بالنيابة عني

ــ مسكين , أمه بالمستشفى و صاحب العمل استغنى عنه , تصور إنه كان يعمل بورشة نجارة مع إنه مهندس معماري ..

( لم َ قلت له كل هذا عن حسام ؟ و كأني ما صدقت أن استغل أية فرصة للحديث عنه )

فكر قليلا ثم قال : مو مشكلة , رح أحاول أوجد له عمل يناسبه أكثر ..

شهقت فرحا : صحيح ؟ .. تكدَر ؟..

ــ بسيطة ياما سويت واسطات و ساعدت ولد عراقيين, بعدين طلباتج أوامر .. بس شنو هذا الحماس و الفرح اللي بيَن على وجهج ؟ و كأن الأمر يخصج ..

حاولت مداراة خجلها : لا , لكنه شاب مكافح و مؤدب و فعلا يستحق المساعدة ..

ابتسم : و تسأليني ليش أحبج ..

بادلته بابتسامتها الواسعة المعبِرة : رَح أطمئن عليك بالتلفون , أوعدني إنك ما تتأخر بالرجعة للبيت ..

بعينين يعتصرهما الظمأ القديم ذاته ظل يتأمل خطاها الرشيقة كحمامة بيضاء تخفق بجناحيها نحو الشارع , تطير .. تطير .. متوارية عنه في عنان السماء البعيدة , كان يبحث عنها بأعصاب متوترة و قلب مأزوم في كل مكان , في باحة الكلية , في الكافتيريا , في المكتبة فلا يجدها إلا بصحبة من يأتي باستمرار لينزوي بها قدر ما يستطيع عن أنظار الجميع .. حبيبها, خطيبها, زوجها, عيناها تتعلقان بكل تفصيلة في وجهه , تحنو عليها بقبل آسرة تضطرم لها أوصاله مهما حاول التغاضي عنها ..

بوجهها الملائكي الجميل أرادت الدنيا أن تكون آخر إطلالاتها عليه و هي توشك على طرده منها إمعانا في قهره , و ليس كما كان يخادع نفسه بأن لقاءه بها وسيلة قدرية تحمله على التشبث بالحياة و تحفزه على محاربة مرضه , إنه الآن يحادثها .. يمازحها خانقا عبراته بين أضلعه كما خنق عشقه من قبل .. يغازلها بكلمات تراكمت بين جوارحه على مر سنوات و سنوات , و لكن التباعد بينهما يتزايد يوم بعد الآخر مع انتشار الخلايا السرطانية في جسده بتسارع مجنون يستلبه من الحياة شيئا فشيئا بقسوة و جبروت طاغيين يفوقان في ألمهما ألم عشقها و ارتباطها بسواه .. اغتراب من نوع آخر ها هو يتجرع سمه فيما يراها متجددة الحياة مع كل إشراقة صباح , كشلال عشق ودفء و صبا فتان يضاحك الكون رغم ما قد يدركه من وهن و أسى يخالطان التماعة عينيها الثريتان بضياء تمنت روحه الاغتسال به العمر بأكمله , ذلك الضياء ازداد وهج سناه أمامه أولما بدأت بالكلام عن جارها الشاب المكافح المؤدب الذي يستحق المساعدة .. و الحب أيضا ؟ ...

شيء ملح في داخلها حثها على الاستعجال في العودة فركبت سيارة أجرة توقفت كما طلبت من سائقها قرب الأريكة التي جلست عليها مع حسام قبل أيام , كان يجادل رجلا بلباس مدني , أربعيني العمر , خشن الملامح , يحاول جذبه من ذراعه و كأنما يهم بضربه ليركبه حافلة صغيرة مكتوب عليها بخط كبير ( الإقامة و الحدود ) أعطت للسائق حسابه على عجل و هرعت نحوهما من دون حتى أن تنتظر أن يرجع لها الباقي ..

ــ شكو حسام ؟

الرجل : بتعرفيه ؟

ــ أي .. قريبي ..

ــ مش حامل لا إقامة و لا جواز سفر , و كمان مش عاجبه و بيعلي صوته ..

ــ أعذره الله يخليك , ظروفه صعبة ..

حسام زاعقا : لا تتوسلين بيه بهالطريقة كأنج تشحذين عليَ .

الرجل : بتشوفي عجرفتُه , أنا بأفرجيه .. تعال معاي أرجعك لبلدكم أحسن ..

هي متوسلة : اسمعني يا خوي بس , أحنا ضيوفكم و جينا طمعانين بكرمكم و شهامتكم .. اعتبر أختك بتحكي معك .. ما يصير تكون السبب بترحيله و أمه مريضه بتنتظره في البيت بس لأنه نسى يحمل الجواز معاه أو لأنه تعصب على أخوه الكبير ..

من كثرة امتقاع وجه حسام و شدة تأجج نار حنقه في صدره لم يجد لديه حتى القدرة على الكلام ..

الرجل : بتكرمي يا أختي بتكرمي , بس بدي يطلع اللي بجيوبه , لأن بصراحة عصبيته بتشكك ..

ـــ يعني لازم ؟

قال الرجل في تعنت : أيوه لا زم ــ موجها كلامه إليه في تحدي ــ و لا في عندك مانع ..

من بين مبلغ النقود البسيط و الأوراق التي أخرجها من جيوبه في ارتباك تلميذ يخضع لتفتيش أستاذه أمام بقية طلاب المدرسة بانت لهما صورتها لتؤكد ــ وسط دهشتها المكتومة ــ للرجل المسئول حقيقة الصلة التي تربطهما ..

هي : تعال حسام نرجع .

ــ اتركيني , ما حد عليه بيَ , عجبتج المسرحية اللي سويتيها كدامه ؟

ــ يا مسرحية .. غير خفت ياخذك و يرحلوك .

ــ يا ريته أخذني , على الأقل ينفذ القرار اللي متردد بيه من الصبح ..

ــ بسيطة , بعده قريب , روح و تعارك وياه و خلي يرحلك , إنت حتى لو ترحلت تتصور رح تكدر رأسا تروح تشوف أمك , إنت نفسك كلت إن رجعتك لبغداد صارت مستحيلة خصوصا بعد ما قدمت أكثر من مرة طلب لجوء , منين تعرف شرَح يلبسون براسك تهمة مثل ما حاولو كبل و ما جنت لا رايح و لا جاي ..

ــ لا تظلين تنصحيني , بعد ما أتحمل .. هم بالابتعاد عنها ..

ــ وين رايح ؟

ــ وين ما أروح أروح , آني مو جاهل إنت مسئولة عنه , لو إنت مثل البقية ؟ حسام مسكين , حسام ولد فقير ما يعرف يدبر أموره , حسام ما يعرف عن الدنيا شي .. كافي زهكت من نظرة الكل إليَ ...

ــ أنت ليش تاخذ الأمور بهالحساسية , أحنا بغربة ولازم نتعاون حتى نكدر نتحمل مرارتها , هذا مو نفس كلامك اللي كلته بالمستشفى ؟

ــ الله يخليج عوفيني قبل ما أنفجر ..

كانت عيناه تفضيان بقهر و غيض عرفت إن لا سبيل أمامها لتهدئتهما فرنت إلى الصمت فيما ظلت ترقب عصبية خطاه المبتعدة عنها بكرامته الجريحة و المقت المسموم الذي يلف جوارحه , لمَ حصل مثل هذا الموقف المخجل أمامها بالذات ؟ و لمَ صب كل غضبه عليها بهذه الطريقة الصبيانية ؟ .. لمَ تركها من بعد ما أمضى كل الوقت المنصرم في انتظار رؤيتها و التعطر بعذوبة صوتها الحنون المترنح ما بين سحر الأنوثة و حنو الأمومة الدافئة , و لذلك بالذات جاء ليجلس على تلك الأريكة لتتهلل عينيه بقدومها الجميل أولما تترجل من حافلة أو أن تلمحه عبر نافذة سيارة الأجرة فيشد انتباهها جلوسه الحائر دون ما شيء آخر علَ ذلك يدفعها إلى الطلب من السائق التوقف بقربه متحديا جملتها الأخيرة التي قذفتها في وجهه قبل خروجها من شقته بقسوة طغت على قسوة غربته و انعدام حيلته أمام مرض والدته البعيدة عنه .. ( لما تعارفنا كنت أنت يمكن بعدك بالابتدائية ) ..

كعويل الذئاب الطويل أراد أن تهدر صرخاته في وجه الليل المتواطئ معها بلؤم صمته في تجاهله تماما , أراد أن يعدو و يعدو و يعدو حتى يجد نفسه في بيت أهله ببغداد , أراد أن ينعتق و لو لبعض الوقت من سموم مشاعر الخوف و الذل السارية في شرايينه منذ طفولته و التي تلاحقه أينما ولى وجهه , في بلده أو هنا و ربما في أي مكان آخر ترحله أقداره إليه.. منظرها المتوسل بالرجل أعاد إليه ذكرى مجاملات والدته شبه المتوسلة بطالب لتزيده عجرفةََ و حبا للتسلط أمامهما , و لم تكتفي بذلك و إنما ذهبت إلى بيته من دون علمه لتترجى زوجته التي كان من المفترض أن تكون زوجة ولدها عسى أن تقنعه بأن يرأف بحالها و لا ينفذ تهديداته المخيفة بشأنه ..

بينما كانت نورا تشاهد التلفزيون جلست في الشرفة لا تدري ما يمكنها فعله سوى مراقبة الشارع بعينين قلقتين و قلب متوجس متسارع الضربات عسى أن تطمئن إلى عودته و هي تغالي في عتاب نفسها على تركه يذهب , كان يجب أن تجبره على الرجوع معها بأي طريقة حتى لو اضطرت إلى التشبث بذراعه و تهديده بأنها سوف تصرخ و تدعي إنه تحرش بها , أو على الأقل كان عليها أن تطلب منه رقم هاتفه النقال , لا , لا .. بل كان يجب أن تسأله عن سبب وجود صورتها في جيبه و كان ذلك حري بأن يغير مجرى الحوار بصورة كاملة و يمتص ثورة غضبه أمامها و يلهيه بتفسير متى و كيف استطاع أن يستلبها من حقيبتها .. كان يمكن لها أيضا أن تدعوه للجلوس في إحدى الكافتريات القريبة بعيدا عن عيون ابنتها و رفاقه و بالطبع ما كان ليرفض ذلك .. أما عادت مغالبة تأنيب ضميرها لترك سعد وحده رغم معرفتها بعمق احتياجه إليها فقط من أجل أن تراه كما تتمنى الآن في لهفة فاضت بدموعها الصامتة في ليل الغربة الكئيب ذاك ..

تهللت أساريرها بطريقة مفضوحة أمامه أولما فتحت له الباب صباح اليوم التالي و بعد ثوان عدة من خروج نورا الذي ظل يترجاه منذ ساعات كالمخنوق الباحث عن فسحة من الهواء , جلس على الكنبة فيما ظلت واقفة تسأله بقلق شديد : وين رحت البارحة بعد ما تركتني ؟ ... و يا ساعة رجعت ؟ .. بقيت طول الليل خايفة لا يكونون كمشوك من جديد و ما عرفت منو أسأل لو و ين أروح .. ليش هيج سويت ؟ يعني هي هذه القوة بنظرك ؟ و ..

ــ بس أنطيني فرصة أجاوب .. رحت لشقة ولد أصدقائي و أتأخر الوقت فبتت عندهم , و آني ما عندي رقمج حتى أطمئنج عليَ .. مع إني كنت أتمنى أحجي وياج طول الليل ..

بعينين معاتبتين : و أصدقائك عرفو يهدوك ؟

ظل يتملى في قوامها المائل نحو الامتلاء من خلال جلبابها السماوي اللون بعينين لازالت تداخلهما حمرة سكر الليلة المنصرمة : آسف لأني تركتج البارحة بالشارع .. بس ما ردت تشوفيني و آني بالحالة اللي كنت بيها ..

سارت نحوه في تراخي وجلست بقربه ثم قالت بصوت مشحون بالعاطفة : جوز عاد من هالكلام ــ وضعت كفها على شعره في حنان من دون تفكير ــ حسام .. آني ما أريدك تحس نفسك وحيد , إحساس الوحدة ممكن يضيِع الواحد , كلي .. ما عرفت أخبار عن صحة أمك ؟

ــ صارت أحسن , و يمكن باجر تطلع من المستشفى ..

ــ ألف الحمد لله , الله يشافيها و يطمئنك عليها , و آني عندي خبر كلش زين , الرجال اللي رحنا له للمستشفى ممكن يحصل لك على شغل بمكان يناسبك أكثر , هو وعدني ..

بنبرة جافة : آني ما محتاج مساعدة و لا عطف من أحد ..

ــ و شكو بيها , أنت مو رحت و بقيت ويايَ بالمستشفى لما كان محتاج لنا , هو هسه يريد يرد الجميل ..

ــ البارحة طولتِ عنده .. بقيتو طول الوقت بشقته ؟

بشيء من التحفظ : و ليش تسأل ؟ .. هذا شي مو من حقك .

بلؤم : صحيح , مو آني كنت بالابتدائية لما تعارفتوا و مو من حقي أسأل بأمور تخص الكبار ..

في ضجر جعلها تسحب يدها من فوق رأسه : إنت جاي تتعارك ؟ الحق عليَ لأني خايفة عليك و أريد أطمئن على مستقبلك ..

ــ أسماء آني ..

ــ أسماء ! .. تأفف من دون أن يؤتي بإجابة , فأردفت : بالمناسبة شلون وصلت صورتي لجيبك ؟

أخرجها من جيب قميصه : إذا تريديها أخذيها لأن صاحبتها موجودة بالكامل بداخلي , تتنفس ويايَ طول الوقت و وين ما أروح ..

ــ حسام شدَ تكول ؟ عيب هذا الكلام ــ متلعثمة ــ لا تفسر اهتمامي بيك بغير شكل .

ــ واجهيني و خلي عيونج الحلوة بعيوني و كولي لي إنج ما فكرتِ بيَ مثل ما فكرت بيج , لو أحنا خلص تعودنا الكذب و المخاتلة بكل شي , لما نكره نخاف و ننكر و لما نحب نخاف و ننكر .. حياتنا كلها صارت كبت بكبت , بحياتي كبتت و تغاضيت عن أشياء كثيرة , الخوف منها ما كان ينيمني الليل بس إلى هنا و بعد ما أتحمل ــ أخذ صوته يعلو بانفعال ــ بعد ما أتحمل .. ما أتــــحمل ....

ــ حسام إنت دَ تخلط الأمور كلها , اهدأ و روح لشقتك و حاول تنام و ترتاح ..

ــ إنت ما عندج غير طريقة للهرب ..

ــ هذا أحسن للكل حتى لا نفتح على نفسنا باب ما نعرف نسده , و آني رح أحاول أنسى كل الكلام اللي كلته ..

لف ذراعه حول كتفيها : حاولي و أتحداج لو كدرتي ..

بضحكة مقهورة : لا تكون واثق من نفسك لهذه الدرجة ..

احتوى حنكها بيده فيما صوب إلى عينيها نظرات لم تشهد في عينيه مثل قوتها أبدا ... استرقت شفتاه أنفاسها بالكامل : آني واثق من حبي إلج , من حاجتي لكل دقيقة أقضيها وياج .. إنت أماني و أهلي و سكنى اللي ما أعرف غبره و ما أريد أتغرب عنه أكثر , تعبت أسماء تعبت , افهميني .. إنت من دون الدنيا كلها اللي لازم تفهمني ..

همت بكلام استحال إلى عناق حار متبادل و أحضان تخاف من الافتراق مجددا .. ذات الكنبة التي شهدت هذيان بعض أشواق سعد لها صارت بحرا عميقا تستلقي غريقة في قراره , يستلبها من عالمها .. من واقع تحياه منذ سنوات دون إرادة منها و لا خيار .. من قيود مسئولياتها الخانقة تجاه ابنتها الشابة و زوجها البعيد عنها , و تجاه سعد و عشقه المستلذ بمرارة انتحابه الآسية لها ... كطفل يرضع كانت شفتاه تلغو بهمس قبلات مترنمة بظمأ أنوثتها الناضجة .. بأناملها الرشيقة المنسابة بين خصال شعره كانت كفاها تهدهد رأسه المتصدع على الدوام بشتات أمنيات لا تنتهي كتشعبات أوردة صدرها الذي يضمه في حنو طاغ ِِ ..

من خلال صخب أوداجه المتعالي أراد حملها على الذهاب إلى غرفة النوم أو حتى على التخفف من ملابسهما , قبلته في توْق أكثر و هصرته إليها أكثر فأكثر و هي تتوقع سماع حط نورا للمفتاح في خرم باب الشقة في أية لحظة كما أوحت لها تخيلاتها النزقة من قبل رغم معرفتها بأن ابنتها لن تعود من جولتها على الأسواق برفقة صديقتها التي تحضر لحفل زفافها إلا بعد ساعات .. جفلت من تحته لما رن هاتفها النقال الملقى على المنضدة القريبة , حاولت التغاضي عنها أول الأمر و لكن استمرار زعيقها في أوصالها وترها إلى حد لم تستطع تجاوزه , بتثاقل استطاعت مد ذراعها نحو الجهاز , حاول أخذه منها إلا إنها تشبثت به بقوة غريبة لتقرأ اسم هاشم صاحب سعد على شاشته , انتفضت في شهقة كبرى فيما شاب وجهها شحوب مباغت عكس تجمد الدماء في عروقها , طلبت منه الابتعاد بشهوته المتأججة و لكنه أبى في عناد فنهرته و راحت تدفع جسده عنها بعصبية بهت لها .. الحلم يتحقق , الحلم يتحقق .. لا يا رب , بصوت بالكاد يغالب تهدج أنفاسها : ألو .. أستاذ هاشم , صار شي لسعد ؟؟

جاء صوت الرجل في غاية الاضطراب : سعد تخلبط فجأة و نقلته مرة ثانية للمستشفى و الله يستر ..

سمعها تقول لمحدثها بأنها سوف تذهب إلى المستشفى حالا , في ذهول : وين رايحة ؟ أنت ناوية تخبليني ؟ مستحيل أخليج تعوفيني و تطلعين ..

نزعت يده الممسكة بذراعها بعنف : أنت مجنون .. شلون ما أروح ؟ يمكن يموت , لو أحنا صرنا حيوانات ما نفكر غير بغريزتنا ..

قامت من على الكنبة متجهة نحو غرفة النوم لاستبدال ملابسها فلحقها معترضا طريقها : لهذه الدرجة تحبيه ؟ و اللي صار قبل شويه شنو ؟ لو آني لعبة بيدج تحضنيها لما تريدين و تهمليها لما ما يكون عندج مزاج ..

صارخة في عصبية ثائرة فيما أخذت تدفعه باتجاه باب الشقة : أنت ما تحس .. ما تحس , إذا مات عمري ما رح أسامح نفسي ..

في نبرة متوسلة: آني هَم أحبج و محتاجلج , هسه أكثر من أي وقت ثاني ..

فتحت باب الشقة فلم يجد بدا من الخروج مدحورا , و قفت خلف الباب الموصد تلطم على وجهها و صدرها شبه العاري , تنشج في صوت ذبيح : ما رح أسامح نفسي , ما رح أسامح نفسي أبد .....

0 0 0

في عرض الغرفة شبه المظلمة كانت تروح و تغدو بتكرار رتيب أمام سرير سعد الغاط في نوم عميق منذ ساعات بعد معاناة شديدة مع الألم , التوتر و القلق يعتصرانها رغم استقرار حالته و طمأنة الطبيب لها و لأصحابه الذين انصرفوا واحدا تلو الآخر إلى أعمالهم و مشاغلهم تاركيها تنصت إلى صوت أنفاسه و همهماته و هذيان كلماته المتقطعة الغامضة , تتوسل الله في حرارة أقرب إلى النحيب الهامس أن ينجيه , هذه المرة على الأقل و كأنها هي المسئولة عن انتكاسته هذه و ليس المرحلة التي يمر بها مرضه الفتاك ..

كان جو الغرفة خانق بالنسبة لها و شعرت بحر شديد يكتنف جسدها الرطب , و لكنها لم تشأ فتح الشباك خوفا على سعد من البرد , و كذلك لم تشأ تركه لحظة واحدة و الخروج إلى باحة المستشفى لاستنشاق الهواء و تدخين سيجارة لم تشعر بمقدار حاجتها إليها وقتا مثل الآن , فتحت زر القميص الأول و أخذت تفرك صدرها بضجر الملول من ثيابه التي عليه فإذا بها تجد نفسها تتحسس بأناملها قبَل حسام الندية و كأن شفتيه ما عافته إلا منذ ثوان معدودات.. كم من مرة استعرضت ذاكرتها مشهد ما حدث بينهما بكل تفاصيله لتستولي عليها في كل مرة مشاعر مختلفة و ربما مناقضة لسواها , فمرة تجد نفسها تود الانقضاض على تلك المرأة الخليعة المتصابية التي سمحت لنفسها خوض مغامرة رخيصة مع شاب أصغر منها بكثير مستغلة ما يمر به من اضطرابات و محن لتبرر لنفسها شبقها الجنسي المجنون متناسية كل اعتبار سواه .. و مرة أخرى تبتسم في مكر مسدلة جفنيها و كأنها تتخيل وجوده من جديد معها ليعاودا الكرة بذات الوله العاصف على أن لا توقفه مكالمة هاتف أو أي شيء آخر .. و مرة ثالثة تنظر للأمر بحيادية تامة كما لو كان مشهد من فلم تشاهده لا يجذب انتباهها شيء فيه سوى حرارة المشاعر الرومانسية و صدقها في صياغة الأحداث بكل تفاصيلها مسبغة على كل قبلة و لمسة معنىً خاصا بها .. و رابعة لا تحسب حسام إلا زوجها الذي ودت أن تهبه كل ذاتها و ليس جسدها فحسب كتذكار عشق في آخر ليلة تراه فيها قبل سفره , عتدها أصرت ألا يشعل النور أبدا .. ( لا , بالظلمة أشوفك أحسن) .. لم تشأ أن يرى عينيها المغرورقتين بدموع حارقة كشظايا جمرات تذكي وميضها ريح الفراق العاتية ..

وقفت أمام المرآة المستطيلة تتطلع إلى وجهها المتعب مليا كما صارت عادتها في الآونة الأخيرة من دون أن تدري ما تبحث عنه في قسماته بالضبط ..

ــ الكمر ماكو داعي يشوف نفسه بالمراية ..

أتاها صوته الخفيض من خلفها فجأة فالتفتت نحوه فزعه : خوفتني , أنت مو كنت نايم ..

ــ و الحمد لله إني كعدت و فتحت عيني على أحلى بدر ..

جلست على كرسي بالقرب منه : شنو أنت استحليتها .. كل يوم داخل المستشفى على غفلة و جايبني ركض ..

ــ هذه المرة مو آني , هاشم هو اللي اتصل بيج من نفسه ..

كمن تكلم نفسها : أحسن شي سواه , اتصل بالوقت المناسب ..

ــ بس أنتِ ليش بقيت مع إن الحفلة انتهت و الظاهر إن كل واحد راح لشغله ..

ــ ما ردت أتركك , كلش كنت خايفة عليك هالمرة ..

ضحك : خفتِ أموت صدك هالمرة .. و شنو يعني , ما تكولي لي ليش أعيش أكثر بهالحياة الفارغة المملة ..

ابتسمت في عذوبة مدارية الحزن الجاثم على قلبها : حتى تبقى تحبني , لو هذا سبب مو كافي بنظرك ..

نظر إليها بتغزل : آني متأكد إني مو الوحيد اللي حبج , أكيد كثيرين مثلي داخوا بهواج ..

ضحكت : هسه تأكدت إنك صرت زين .. خلي أروح أنادي الطبيب ..

مسك يدها : الطبيب يعرف شغله و يجي لوحدة ..

أتت له بقدح ماء كما طلب و من ثم ظلت واقفة إلى جانبه مسندة له ظهره لتعينه على الشرب.. بدا لها ككهل في الثمانين من عمره , وضعت القدح الفارغ على الكومدينو القريب ثم قبلت جبينه بحنان وديع فيما تخدرت شفتاه المبللتان بملمس أعلى صدرها : أسماء , بعد كل خمس دقايق جيبي لي ماي ..

ضحكت بشدة ثم قالت متحسرة : سعد , ما تعرف شكد كنت خايفة عليك .. الله يخليك دير بالك على صحتك لخاطري .. أحنا صدك ما توطدت علاقتنا إلا من مدة بس دَ أحس هسه كأنه قضيت عمري كله قريبة منك , مو إلا كأحبة بس كأصدقاء واحدهم محتاج الثاني ..

تنهد بعمق : و هسه جايه تكولي لي هالكلام .. بالوقت الضايع .. تعرفين , من يوم ما تفارقنا من بعد الكلية و آني متوقع أشوفج بأي مكان و بأي وقت , شكثر تخيلت أماكن و مواقف ممكن تجمعنا بس ما وصل خيالي أبد إني رح التقي بيج و آني أودع الدنيا ..

قالت في ضيق : لا تكول هالحجي بعد , مفهوم ؟ لا تكوله ..

ــ التهرب من الحقيقة ما ينفيها ــ طفرت من عينه دمعة سرعان ما مسحها بإصبعه ــ و هسه لازم تروحين , أكيد نورا وحدها بالشقة ..

ــ لا , اتصلت بيها و كلت لها تبقى عند صديقتها الليلة , رادت تجي تشوفك بس خبرتها إنك نايم , ما تتصور شكد قلقت عليك ..

ــ طبعا , مو بنت أسماء , لازم تطلع قمة الحنان ..

ــ بس يا رب يطلع حظها أحسن و ما تعيش أيام الفراك الطويلة اللي عشتها , و لو الغربة إنكتبت عليها من هي صغيرة ..

ــ يمكن هذا أحسن , لأن الإنسان و هو صغير تكون قابليته على التعود و التأقلم أكبر ..

ــ يمكن حجيك صح ..

دخلت عليهما الممرضة لتطمئن على استقرار حالته و إن كانت تتطلب استدعاء الطبيب : لا الحمد لله , حالتك منيحة ــ التفتت نحوها ــ الله يطمنك على صحة جوزك يا مدام ..

أدركها ذات الخجل الذي هيمن عليها منذ وصولها إلى المستشفى أمام أصحابه الذين تفاجئوا بمدى الرعب الساكن في عينيها عليه و كأنها بالفعل زوجته و رفيقة عمره .. هو : تضايقت لأنها ظنت إنج زوجتي ؟

ضحكت : يعني نسيت طمأنتها بالنسبة لحالتك و ما ركزت غير على هذه الجملة ؟ ...

اتصل بها صديقه هاشم ليطمئن على حالته فتكلم معه بنفسه , و بعد انتهاء المكالمة قال لها : هاشم رح يجي بعد شويه حتى يوصلج وياه .

ــ إنت ليش تلح على روحتي , لهذه الدرجة منزعج و تريد تخلص مني ..

ــ يعني ما تبقين ويايَ إلا بالمستشفى , آني مجبور على هالنومة بلا ما أشوف من الشارع غير أضويته و من بعيد , بس إنت محتاجة تطلعين و تشمين هوا و الأهم ترتاحين , وجهج كلش مبيِن عليه التعب كأنه صار يومين ما نايمة ..

ــ بس آني أريد أبقى وياك ..

ــ اطمئني , ما رح أموت اليوم حتى تأنبين نفسج بعدين و تكولين لو باقية أكثر وياه ..

نظرت إليه في شيء من الاستغراب ثم استدركت : لعلمك هذا الخاطر ما مر على بالي أبد ..

ــ عيني بعينج .

ــ لا تفسر كل شي حسب مزاجك , و مزاجك اليوم موجه على الموت .. ( يا خوفي أن يسألني عن حسام في مجرى الحديث , عند ذاك ربما سوف تسطع الحقيقة على وجهي كاملة أمام عينيه اللتين تحاولان باستمرار التوغل إلى أعماقي ) ....

لم تره واقفا في شرفة شقته كما توقعت لدى نزولها من سيارة هاشم أمام مدخل العمارة و لا بعد ذلك عند باب شقته بعينين تقدحان غضبا شديدا و إن كانت لم تدري ما يمكن أن تكون عليه ردة فعلها عندئذ .. دخلت إلى شقتها فاستقبلتها وحشة خانقة لم تبددها إنارة كل الأضواء و لا فتح الشبابيك و باب الشرفة .. أكلت بسرعة عصبية من غير شهية .. دخنت بشراهة حتى أدركها سعال حاد .. كانت تقلب قنوات التلفزيون و كأنها أفكارها من غير أن تستقر على إحداها , فكرت أن تدبر أية طريقة تجعلها ترى حسام على انفراد لا لشيء و إنما لتعنفه بشدة أقسى من الجلدات على محاولته انتهاك حرمتها و تدنيس شرفها الذي صانته طوال سنوات غياب زوجها عنها , و أن تهدده بأشياء عدة لا تستطيع تحديدها الآن إن تجرأ و حاول الاقتراب منها من جديد من دون أن تسمح له بنطق أي كلمة يبرر بها ما حصل .. فكرت بأن تنتقل بابنتها إلى شقة أخرى بعيدة علها عندئذ تستطيع نسيان كل ما حدث و كأنه لم يكن .. فكرت حتى بأن ترجعان إلى بغداد و حتى لو شاء زوجها تطليقها بعد ذلك .. فكرت و فكرت و فكرت و مع تسارع وتيرة أفكارها أخذ يرزح فوق رأسها ثقل شديد حثها على الاستلقاء على الكنبة التي كانت تجلس عليها .. ذلك البحر العميق الذي كانت غارقة في لجته قبل ساعات , التفت ذراعاها حول صدرها بقوة اعتصرته حتى أرساها النوم إلى متاهات أحلامها , و ربما كان حلم واحد ترامت أجزاؤه ما بينها و بين حسام من جهة و بينها و بين سعد من جهة أخرى , فتبدو كمن يدور في حلقة مفرغة لا خلاص منها .. و في النهاية كانا على ذات الكنبة التي تنام عليها , بذات الهوس الذي كان يلفهما قبل مخابرة هاشم , ابنتها نورا و إبراهيم .....

استيقظت فزعة مع انتشار أول خيوط الضوء , كانت التيارات الهوائية المقتحمة المنزل عبر الشبابيك المشرعة و باب الشرفة المفتوحة جد باردة , و لكن وجهها الشاحب كامرأة في السبعين من عمرها كان يتصبب عرقا غزيرا كالدموع التي تمنت لو إنها تتمكن من ذرفها و هي تجول في الشقة بلا غاية معينة .. لولا تخوفها من اتهامها بالجنون و التسبب لابنتها بفضيحة لاتصلت ببيت أهل صديقتها لتتأكد من وجودها عندهم و ليس بين أحضان إبراهيم كما صور لها حلمها المشئوم , أو أن تطرق باب شقته لتتأكد من وجوده مع أصحابه .. تعاظم دوار رأسها حتى أوشكت على الوقوع مغشيا عليها وسط الصالة لولا تحاملها على نفسها حتى أوصلتها خطواتها المنهكة إلى الفراش ..

أيقظتها ابنتها بعد ساعات طوال من نومها الثقيل على غير العادة , أولما فتحت عينيها و رأتها أمامها تلقفتها بالقبل و الأحضان الحارة المبالغ فيها حتى أقلقت الفتاة : ماما شكو ؟ صار شي لعمو سعد ؟

بصوت متعب نعس : لا سعد بخير , بس اشتاقيتلج كلش, كأنه صار لنا أيام ما متشاوفين ..

ــ يللا كومي و بلا دلع أمهات , ليش نايمة بهدومج .. آني رايحة أحضرلج الريوك ..

راحت ابنتها أثناء تناولها للإفطار تسهب في سرد تفاصيل تحضير حفل زفاف صديقتها من دون توقف , فهي أيضا كانت تشتاق لوالدتها التي انشغلت عنها أخيرا ما بين مرض زميلها القديم و ما بين شرودها الطويل , كانت تنظر بابتسام دائم إلى تلك الفتاة الوديعة الصافية الملامح و الروح مشمئزة من حلمها و من أفكارها تجاهها و إبراهيم ..

أصحاب سعد كانوا في شبه تقاطر على زيارته مما كان يزحم الغرفة بالأنفاس و أنواع الحكايات و القهقهات فلم تتأخرا في المستشفى طويلا .. من حسن حظهما , فقد باغت فجأة ــ و ربما في الوقت ذاته ــ كل واحدة منهما شوق شديد لرؤية جارها المقرب إلى نفسها و إن حاولت التغاضي عما تكن له من مشاعر يشوبها الكثير من الاضطراب و التوجس , متناسية كل ما دار في خلدها و ما اتخذته من قرار في الابتعاد و عدم التورط أكثر في علاقة حددت نهايتها من قبل بدؤها و ما بقي مجهول فيها هو تحديد شكل تلك النهاية و الأضرار التي يمكن أن تلحقها في داخلها , و إن كانت الفتاة بعيدة في علاقتها و تفكيرها ــ و لو نسبيا ــ عن نوع الإثارة التي تحملها في طيها علاقة والدتها مع شاب يصغرها بسنوات كثيرة إلا إن وغزاتها المتزايدة يمكن أن تكون أعظم أثرا داخل نفسيتها الفتية ...

وصلتا إلى العمارة فشد انتباههما تجمع عددا من الشباب أمام باب شقة حسام المفتوحة غير المتواجدين في داخلها .. سألت أسماء إبراهيم في توتر شديد عما حصل فأخبرها بأن والدة حسام قد توفيت البارحة و لم يعرف بالنبأ إلا قبل ساعة و نصف عن طريق أخته التي لم تستطع مداراة الأمر عنه أكثر من ذلك أمام إلحاحه المتواصل بالسؤال عن صحتها .. كانت كلماته تتقاذف في وجهيهما الفزعين و عيونهما المغرورقة بالدموع : الحمد لله إني كنت موجود و إلا كان ناوي يسافر لبغداد و ما كدرت أمنعه غير بالقوة , بعدها ظل يبجي و يصيح م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007