[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وهج الحنين ـــ الجزء الثاني 
التاريخ:  القراءات:(4371) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
وصلتا إلى العمارة فشد انتباههما تجمع عددا من الشباب أمام باب شقة حسام المفتوحة غير المتواجدين في داخلها .. سألت أسماء إبراهيم في توتر شديد عما حصل فأخبرها بأن والدة حسام قد توفيت البارحة و لم يعرف بالنبأ إلا قبل ساعة و نصف عن طريق أخته التي لم تستطع مداراة الأمر عنه أكثر من ذلك أمام إلحاحه المتواصل بالسؤال عن صحتها .. كانت كلماته تتقاذف في وجهيهما الفزعين و عيونهما المغرورقة بالدموع : الحمد لله إني كنت موجود و إلا كان ناوي يسافر لبغداد و ما كدرت أمنعه غير بالقوة , بعدها ظل يبجي و يصيح مثل المذبوح , ضرب راسه بالحايط إلى أن ورمت كصته و داخ .. انطيته فاليوم و نام و خابرت بقية أصدقائنا حتى يساعدوني بتهدئته أول ما يكعد ..

كانت تود اختراق كل العيون التي سوف تصوب إليها مذهولة عندما تراها تهفو إلى فراشه مندفعة بقوة هلعها و حنوها عليه , و لكنها لم تستطع سوى خنق عبراتها حتى دخلت و ابنتها إلى الشقة لترتمي على أقرب كرسي للباب منهارة تحت وطأة بكاء حار شاركتها ابنتها فيه بالبداية و لكن طبعا بانفعال أقل ... جلبت لها قدح ماء بالكاد استطاعت شربه عبر تشنجات عضلات وجهها العصبية ..

نورا : ماما كافي عاد , الله يرحمها بس رح تبقين تبجين طول اليوم .. مو زين على صحتج .

ــ آني ما دَ أبجي عليها وحدها .. دَ أبجي على حالنا كلنا , أحنا المتغربين عن بلادنا و أهلنا بلا ما نكدر نرجع و نشوفهم و لو يوم واحد , و لا نكدر نشاركهم أفراحهم أو نحضر لحظات موتهم حتى لو كانو أعز الحبايب ــ خنقتها عبرات حادة ــ الله يعلم شوَكت رح نرجع مرة ثانية و منو اللي مكتوب لنا نشوفه و منو .. اللي ودعناه الوداع الأخير يوم سفرنا ..

ذهبت مع ابنتها لمواساته فسلم عليها بيد ضعيفة من غير أن يضع عينيه المنتفختين من شدة البكاء في مواجهة عينيها الحزينتين , قالت له كلام بالكاد استطاعت تجميع أحرفه ضاغطة على يديه في قوة حنونة تمنت أن يعي معناها .. مضى يوم تلو الآخر بعد ذلك من دون أن توفق لرؤيته , فقد صار يحبس نفسه جل الوقت في الشقة و لا يخرج منها إلا برفقة أصحابه تحت وطأة إلحاحهم المستمر للتسرية عنه , و لم يكن يفتح لها رغم استمرار طرقاتها على باب شقته منتهزة كل فرصة سانحة لذلك , كانت ترهف السمع لصوت تردد أنفاسه من خلف الباب لدقائق فيما كانت تترجاه أن يفتح لها الباب .. حتى جاء يوم قالت له في غضب : أنت ليش تتهرب مني مع إني أكثر وحدة ممكن تحس بيك و تفهم حزنك .. لا تكلي إنك بعدك زعلان مني من ذاك اليوم اللي .. حسام لا تكون مثل الطفل العنيد بزعله ... على كل أوعدك إني ما رح أضايقك بعد , و يمكن حتى آخذ بنتي و نتحول لغير شقة , يمكن هو هذا أحسن حل للكل .. بس آني ما ردت تنتهي علاقتنا بهذا الشكل .. كل اللي أريده إنك تكون قوي لأن الدنيا ما تعترف غير بالأقوياء خصوصا بالغربة ..

سمع صوت بكائها تلاها صوت وقع خطاها باتجاه شقتها و من ثم صفق قوي لبابها .. بعد لحظات كان هو من يطرق على ذلك الباب , بنظرات باكية عاتبت عينيه الثائرتين على الدنيا بأسرها من شدة الحزن من قبل أن تتلقفه أحضانها بقوة غامرة فيما ظل جامدا في وقفته مكتفيا باحتواء ظهرها بوهن شديد حثها على الابتعاد عنه .. قالت مدارية خجلها من حمى انفعالها : تشرب كهوة ؟ ..

لحقها إلى المطبخ و جلس إلى الطاولة الصغيرة يتابع بنظراته كل حركة من حركاتها و هي تعد القهوة وقد دب فيها ارتباك بالكاد سيطرت عليه , جلست في مواجهته حيث أخذا يرتشفان القهوة و يدخنان سيجارتيهما حتى قال بصوت خفيض كمن يكلم نفسه : مفارقة غريبة , تعرفين يا وقت ماتت بيه أمي .. لما كنت عندج .. يعني لما هي جانت تنازع الموت جنت آني دَ ..

أخفضت رأسها خجلا فيما استحوذت عليه نوبة من البكاء المكبوت ..

ــ و لهذا السبب كنت تتهرب مني , لهذه الدرجة كرهتني ؟

مد يده حتى أمسك يدها بقوة و كأنه يتشبث بها : كرهت نفسي و حاولت أعاقبها بحرمانها منج بس جنتِ مثل الهاجس اللي يداخل حزني و يحاول يقلل من خنكة روحي , و جنتِ ..

ــ جنت شنو ؟ ..

ــ شي عجيب و إحساس يشبه حالة الهذيان زاد من تأنيب ضميري ..

فهمت من عينيه ما لم يستطع لسانه نطقه .. تلك الرغبة المجنونة التي سيطرت على تفكيره كنوع من الهروب من جحيم مأساته , قالت مغالبة ما يحاصرها من إحراج ثقيل : حسام , أنت رح تبقى عايش بهذه الطريقة مستسلم للحزن و اليأس ؟

ــ و شنو بقى ممكن أتفاءل بيه .. موت أمي قطع جذوري بالكامل من كل مكان ..

ــ الله يرحمها هي اللي جبرتك على السفر و تحملت مر غيابك عنها حتى تحميك , لا تخلي تضحيتها تضيع هدر .. تتصور لو كانت عايشة كان رح يرضيها حالك ؟ حابس نفسك النهار كله بالشقة و بالليل تطلع ويا أصحابك .. لازم تكون أقوى من هيج ..

في ضيق : رجعنا للنصح و الإرشاد ..

ــ بكيفك , بس مثل ما كتلك .. الدنيا ما تعترف غير بالأقوياء و خصوصا بالغربة ..

ــ أسماء خليني أرتاح يمج على الأقل ..

ــ يعني تبقى تشكي و آني أسمعك و أواسيك بلا ما يتغير شي ؟ لا حسام , آني لا يمكن أساعدك على تدمير نفسك .. تعرف إن سعد , الرجال اللي رحنا له للمستشفى مريض بالسرطان و حالته متأخرة بس روحه المعنوية عالية , يحجي و ينكت و مسلم أمره لله , هو هذا الإيمان اللي أريده يكون عندك ..

انتفض واقفا في عصبية احمر لها وجهه الملتحي : لا تقارنيني بأي أحد و لا تنطيني أمثلة خصوصا عنه , مو هذا اللي طردتيني بسببه و كأني متسول ؟

هم بالانصراف في حنق شديد فقالت له في ضجر من تصرفاته الصبيانية : وين رايح ؟

ــ رح أتركج حتى تروحيله هسه هَم و تسمعين حجيه و تضحكين على نكته و تستفيدين من قوة إيمانه ..

تركها و عاد إلى شقته مكابدا بشقاء توْق كل خلجة فيه للاعتكاف في مفاتن جسدها و خبايا روحها لأطول وقت ممكن ... ظلت جامدة في مكانها تخفي اختلاجات أنفاسها عن الصمت المحيط بها كصمت دموعها الحارة , من جديد تعاود كرة إبعاده عنها من بعدما ظفرت بتواجده الأثير معها لقمع رغبتهما الشديدة ببعضهما, أو إن جانب خفي منها قد تعمد استفزازه ليكون نصحها و كلامها عن سعد أشبه بريح عاتية قادرة على العصف بأشواقه نحوها بسرعة تمتطي قوة تلك الرغبة الكامنة فيهما, لا أن يبتعد به موج الغضب الثائر عنها كما حصل .. همت بالنهوض و السعي إليه ثانية , تعنفه على حنق الأطفال الذي سرعان ما يتملكه , أو ربما تعتذر منه على عدم قدرتها على احتواء مأساته و الصبر على التئام جراحه النازفة قهرا كما كان يتوسم فيها و كما صارت تحفزها مشاعرها بصورة متعاظمة تحدت قرار احتجابه عنها .. و لكنها وجدت ثقل كبير يحط على جسدها ليعجزه عن الحركة , ربما لأنها كانت تعرف إن ما سوف يحصل بينهما شيء آخر تماما لن تجدي أية كلمة أو تصرف هذه المرة في منع حدوثه بأي شكل من الأشكال ...

0 0 0

قال سعد ممسكا بيدها كما لو كان يتشبث بآخر أمل له في الدنيا : أريد يكون وجهج آخر وجه أشوفه كبُل ما أدخل لغرفة العمليات و أول وجه أفتح عيني عليه لما أصحى من البنج ..

أمسى الوقت الطويل كحبل غليظ تضيق حلقته حول رقبتها مع كل دقيقة تمضي عليها في غرفته , وحيدة نائية بنفسها عن ابنتها و ابنة أخته التي قدمت مع أخيها من بغداد لمداراته .. بنظرات حزينة راحت ترمق الفراش الخالي و كأنها تراه مستلقيا فوقه بجلبابه الأبيض و ضحكته المداعبة و كلماته المتغزلة حينا و المناكفة حينا آخر تدعوها للاستلقاء مكانه , جلست ممددة ساقيها و مسندة ظهرها إلى الوسادة القطنية الكبيرة خلفها تتأمل عبر النافذة المنظر الوحيد الذي يربط صاحبها بالعالم الخارجي منذ دخوله الأخير إلى المستشفى , كانت باحة خلفية ضيقة و ساكنة الحركة تماما , يتوسطها حوض طيني مغروسة فيه شجرة نارنج ضامرة تحرك الريح أغصانها برتابة تزيد من كآبة المكان فيما كان سياج المستشفى ينتصب بعلوه المتوسط من خلفها حاجبا حركة الشارع فلا يبصر الرائي سوى عواميد الأضواء البرتقالية , ينزوي بعض نورها إلى جزء من أرض الغرفة ليلا , بالضبط مكان ما كان شغف حلمها المحموم يحتد في أوداجهما , هي و حسام , لماذا تجد طيفه حاضرا بهذه القوة أمامها الآن ؟ .. تسمع صوته كما لو كان ينبثق من بين أضلعها , يحسسها بمشاعر ندية جياشة ضاجة بعنفوان العقد العشريني النافر من أي قيد يمكن أن يعيقه عن روي عطشه من حلو ينابيعها , إحساس مغاير تماما لما صار سعد يغدقه عليها من أمان مريح تتمنى الاستظلال بفيئه في تراخ ِِ ناعس جميل أطول وقت ممكن فيما باتت بدورها تمثل له صلة الوصل الوحيدة التي تربطه بالحياة..

أخرج سعد من غرفة العمليات مباشرة إلى غرفة العناية المركزة إلى حين ما تستقر حالته , كانت ترقب سكونه بعينين دامعتين عبر الحاجز الزجاجي و الذعر يعتصر قلبها بقبضة لا تعرف الرحمة .. لم تستطع الجراحة أن تنتشل المرض من داخله , فقد انتشرت الخلايا السرطانية بتشعباتها الملعونة في شتى أنحاء معدته , متآكلة بنهم أجزائها من دون هوادة .. كان يعلم ذلك , كان يعرفه و كأنه يبصر تحرك تلك الآفات المتسارع في جسده و هي تمتص منه رحيق الحياة شيئا فشيئا حتى تتركه في النهاية جثة هامدة موسومة بالآلام و بشاعات العذاب.. لماذا كتبت له هذه النهاية الباكية ؟ ألأنه لم يتشبث بالدنيا بالقدر الكافي كما لم يتشبث بها منذ أن رآها و أحبها في الكلية ؟ ..

و لكنه حتى إن فعل , أكان ذلك سوف يغير شيئا سوى ازدياد نفورها منه و تعلقها بحبيبها الذي سارت معه هذا الدرب الطويل ؟؟ .. ( آآآه

يا سعد آه .. لماذا التقيتني بعد كل هذه السنين و أنت في هذه الحالة سوى لتزيد من تعقيدات حياتي و وجع أيامها ) ...

( تعتقدين إن لقائنا بنفس المكان اللي فجعت بيه بحقيقة مرضي و بنفس الفترة تقريبا مجرد صدفة ؟ ) .. ( تعرفين , من يوم ما تفارقنا من بعد الكلية و آني متوقع أشوفج بأي مكان و بأي وقت , شكثر تخيلت أماكن و مواقف ممكن تجمعنا بس ما وصل خيالي أبد إني رح التقي بيج و آني أودع الدنيا ) .. ( أكثر ما تمنيته بهالدنيا أن أتزوجج و يصير عدنا بنية تكون صورة مصغرة منج , بنعومتج و دفئج , مثل نورا بالضبط , ألاعبها طول الوقت و أضمها إلي بقوة شوقي إلج لما تكونين مشغولة عني , لو تزوجنا ما جنت تركتج مهما كانت الظروف .. بس أرجع و أحمد الله إننا ما تزوجنا , ما كنت أكدر أحتمل فقدانج أبدا لأنج طبعا مو مثلها بالنسبة لي , و بنفس الوقت ما كان ممكن أسمح لنفسي أتعسج ويايَ أو أكون سبب حرمانج من شي ) ..

في المساء رغم رغبتها الشديدة في البقاء عادت و ابنتها إلى شقتهما , قال لها ابن أخته : ماكو فايدة من وجودنا كلنا , آني بس رح أبقى و إذا استجد أي شي أكيد رح أتصل , اطمئني أم نورا ..

عرضت على ابنة أخته أن تبيت الليلة عندهما فشكرتها مفضلة العودة إلى شقة خالها : ماكو داعي أم نورا , آني متعودة على البيات وحدي .. و بعدين جيران خالي محاوطيني و أكثرهم عراقيين , يعني كأني ما تركت بغداد ...

لدى دخولهما الشقة ذهلتا بخروج إبراهيم حاملا حقيبة سفره و رفيقيه من شقتهم .. أسماء : خير , وين رايح إبراهيم .. مسافر ؟

ظل ينقل نظراته المرتبكة بينها و بين نورا الممتقعة الوجه : أي أم نورا .. دبَرت شغل بليبيا , أشوفكم بخير إن شاء الله ..

ــ بس تسافر بلا ما تكول و لا تسلم , يعني لو ما جينا هسه صدفة ما جان عرفنا إلا و أنت واصل ليبيا ..

في خجل : أعذريني أم نورا , آني أكره موقف الوداع لأنه ما رح يزيد غير من الألم .

قذفت نورا كلماتها الغاضبة في وجهه من قبل أن تهرع مسرعة إلى الداخل : الجبان بس هو اللي ما يكدر يواجه أي موقف , بس يعرف يتسلل مثل الحرامية من ورا الكل ..

أسماء : نورا .. نورا ..

ابتعد صاحباه نحو مدخل العمارة ليتركاه أسير حراب نظراتها الحادة المسلطة عليه .. قال مستجمعا شجاعته أمامها : أم نورا .. أعرف إن هذا هو نفس رأيج بيَ , بس صدكيني آني ردت أخفف ألم الفراك علينا آني و وياها , لو كايل لها من فترة ما جان سببت غير التعاسة إلها بأيام جنت محتاج لكل ضحكة حلوة منها .. ما كدرت أبقى مذبوح بعيونها بكل يوم إلى أن يجي موعد السفر , جان الأمور رح تتصعب علينا أكثر .. يا ريت تكدرين تفهميني و تفهميها إني حبتها صدك بس أحنا الاثنين جنا نعرف من البداية إن هذا الحب ما له مستقبل ــ كانت كلماته كوجهه في تأثرها و كأنه يحاول كبت غصة كبيرة , رفع حقيبته من على الأرض : آني تركت لها رسالة ويا حسام و طلبت منه ينطيها إلها .. آني آسف , مع السلامة .

قالت في شفقة صادقة : الله وياك , و مصادف كل خير .. هي هيج الدنيا دَ تسوي بينا بلا ما تترك لنا أي خيار .. نتلاكى و نتفارك بس حتى تزيد من محنتنا و غربتنا بيها ..

أثناء دخولها لشقتها و عبر باب شقته المفتوحة لمحت حسام جالسا في الصالة و وجهه ناحية الشباك المطل على الشارع كما لو كان ينزوي بتفكيره تماما عن كل ما يجري , تنهدت بعنف ثم دلفت إلى الشقة مغلقة الباب ورائها ليستقبلها نشيج ابنتها الحار المنبعث من غرفة النوم , جلست إلى جانبها على الفراش و ضمتها إلى صدرها بحرارة بالغة : بس حبيبتي نورا بس , أنت جنتِ متوقعة كل شي من البداية و كلتِ ..

ــ ما كدرت ماما ما كدرت .. جنت إذا يوم ما شفته أكول أحسن حتى أتعود على فراكه , بس ثاني يوم ألكى نفسي متلهفة على شوفته أكثر من أي شي .. إبراهيم هو أول ..

ــ أول واحد تتعلقين بيه صدك ؟

ــ ما جنت أتصور إنه يتصرف ويايَ بهذه الطريقة , كأني طفلة جان ياخذها على كد عقلها و هو من ورايَ دَ يدبر كل شي , خطط و قرر و نفذ و لا كأن إلي أي معنى و لو حتى بسيط بحياته ..

ــ بالعكس , هذا دليل إنه يحبج لدرجة إنه راد يجنبج مرارة عذاب الأيام اللي مرت , ما راد يخليج تعدين الأيام اللي بقت على سفره و تتحسرين على كل يوم يفوت و يقرب الفراك ..

تزايد انفعال الفتاة أكثر متأثرا بكلام والدتها التي حاولت تهدئتها : بس عمري .. بعد وكت على هذا البجي و القهر , لا تخلين كلبج ينكسر من هسه .. ادعي له الله يوفقه بغربته .. و بعدين أحنا هم ما باقين هنا طول العمر , أول تالي رح نروح للسويد , و لو ما مسافر جان بقيتِ تأنبين نفسج لأنج تركتيه و تبقى صورة الوداع هنا لو بالمطار كدامج طول الوقت خصوصا بأول فترة ــ خنقتها العبرة ــ إذا الفراك مكتوب بكل الأحوال عليكم فأكيد هسه أحسن ..

ــ يعني بعد ما أشوفه أبد ؟ ..

ــ منو يعرف , الدنيا دوَارة خصوصا بالنسبة للعراقيين , و يمكن لما تتشاوفون بعدين تكون لكل واحد منكم حياته و ما يشوف بالثاني إلا قصة حلوة من الماضي يستمتع بذكراها شويه و بعدين يرجع يلتهي بحاله الجديد , هذا حال الدنيا من زمان ..

ــ أخابره و أعتذر منه على عصبيتي وياه ؟ ما أريد اللي صار يكون آخر ما بينا .

قبلتها من جبينها : خابريه حبيبتي بس بلا بجي لا تزيدين همومه , خليج قوية مثل أمج .. و آني متأكدة إنه دَ يتمنى هالمكالمة أكثر من أي شي ثاني ..

ردت الباب ورائها لدى خروجها من الغرفة و خرجت إلى الشرفة لتجهش بدورها ببكاء حاد لم تكن عيناها بقادرتين على حجبه أكثر من ذلك .. بعد ربع ساعة عادت لتتفقد ابنتها فوجدت إن الإجهاد و الحزن قد سلماها إلى نوم عميق فيما كانت الدموع لا تزال تندي خديها .. غطتها و قبلتها بحنو شديد ثم أخذت هاتفها النقال من جانب رأسها و وضعته على الكومدينو القريب منها .. سارت نحو شقته مخادعة نفسها بأنها ذاهبة فقط من أجل الرسالة التي تركها إبراهيم لابنتها ليتسنى لها قراءتها أول ما تصحو من النوم عسى أن تهدئ من توتر أعصابها بعض الشيء , كان الباب لا يزال مفتوحا و كان هو لا يزال على نفس جلسته على الكرسي المقابل للشباك الكبير المطل على الشارع , اقتربت منه فوجدته يغط في نوم عميق لم يدعه يستجيب لأي محاولة منها في إيقاظه , على الطاولة الصغيرة أمامه كان هناك أربعة زجاجات بيرة فارغة لم يسمح له مفعولها أن يفطن لحركة جسده عندما أنهضته بصعوبة بالغة من على الكرسي مسندة إياه في سيره النائم نحو الكنبة .. تمتمت في جزع : واحد نايم بالإنعاش و واحد نايم من السكر و آني ضايعة بينهم ..

تركته ممددا يهمهم بكلمات غامضة لا معنى لها فيما عادت لتغلق باب الشقة من قبل ذهابها إلى الحمام لتحضر منشفة بللت طرفها بالماء البارد لتمسح له ــ جاثية على ركبتيها إلى جانبه ــ العرق المتصبب من جبينه و بقايا البيرة المنسكبة في انتثار تخلل شعر لحيته النابتة بغير انتظام و على رقبته و صدره المشعر بغزارة شعر صدر زوجها المنتفخ العضلات , في ليلة زفافهما تذكر إنها بقت لبرهة تنظر إلى عريه أمامها في شيء من الاستغراب و الرهبة من شدة عتوه .. واتتها ضحكة صامته خفيفة و داعبت رأسها قشعريرة ناعمة و كأنه لا يزال غافيا فوقه مهدهدا بترددات أنفاسه في العلو و الهبوط بينما كانت خصال شعرها تترامى على وجهه و تندس بين شفتيه فتوقظه من نومه في ليال كثيرة ليجدها متكورة لصق جسده كطفلة تخاف أن تفارق حضن والدها ..

أرادت نظراتها المسلطة على وجهه كمصباحين مضيئين التسلل إلى ما قد تغزو عقله من أحلام, أوَ تراه مثلها في غالب الأحيان يحلم ببيته في بغداد , بطفولته , بمختلف المواقف التي مر و ما لم يمر بها في حياته , بأهله .. من مات منهم و لا سيما أمه و من لم يزل حيا , بأصحابه , من كان بينهما عداوة و من كان على وفاق معه ... أم إنه يحلم بفتاة أحبها بذات الشغف الذي يطل من عينيه نحوها , هل بادلته الحب هي أيضا و بنفس الدرجة , أم إنها تجاهلته كتجاهلها لمشاعر سعد الجياشة نحوها , أو إن اضطراره للسفر هو ما وضع حدا لقصتهما كما حصل مع إبراهيم و ابنتها , أم , أم , أم ... أو إنه يحلم بمغامرة ساقته إليها شهواته الشابة مع إحدى بنات الليل هنا أو في بغداد .. لا , لا , الوقت القصير الذي أمضياه معا في شقتها عرَفها إنه من النوع الذي لا يمكنه ملامسة امرأة إلا إن كان يحبها أو على الأقل يتهيأ له ذلك , فكل لمسة من لمساته كانت وليدة دفق عاطفي يتحكم بكل خلجة فيه , كما إن تلك الزقزقة الشادية التي صدحت بين جنباتها كانت تشير إلى إن ذلك هو تحليقه الأول في سماء العشق المتكامل .. مؤكد إذن إنه يحلم بها دون سواها , لو إنها تستطيع الانسلال إلى دماغه لاستكشاف معالم ذلك الحلم , فهو من حقها أيضا ما دامت طرفا فيه ..

أيقظتها من غفوة شرودها الطويل في نثار أفكارها تكتين رنانتين صدرتا عن جهازه النقال, فمدت ذراعها من دون تفكير و رفعت الهاتف من على الطاولة القريبة منها كما لو كان هاتفها .. كانت رسالة من رفيقه في السكن يخبره فيها بأنه و صاحبه سوف يذهبان من بعد أن تقلع طائرة إبراهيم للسهر في شقة أحد أصدقائهم و إنهم سوف يمضيان الليلة عنده ..

ابتسمت في ارتياح غريب كما لو كانت فتاة وجدت نفسها فجأة بمفردها في البيت بعد خروج كافة أفراد أسرتها معلنين تأخرهم في العودة لتفعل ما تشاء بكل حرية في شتى أنحاء الدار من دون أن تسمع أي كلمة توجيه أو تعنيف أو منع من أحد .. انقلب على جنبه فأعطاها ظهره متمتما كلماته الغامضة , احتضنته برفق متحاشية إيقاظه من دون أن تعرف أيهما أشد سكرا و لا أحلام من فيهما أكثر غرابة .. لماذا لا نستطيع أن نتحرر من كل قيودنا و ارتباطاتنا و الضغوط المسلطة علينا كالسيوف و نتوارى عن العالم المحيط بنا و لو لأسبوع أو حتى ليوم واحد , ننزع فيه مخاوفنا عنا و تشككنا الدائم بالمستقبل , نستريح من الذكريات التي غالبا ما تلفنا كأذرع الإخطبوط , من حرصنا على التفكير المتواصل الذي يمكن أن يقودنا إلى الجنون , من إصرارنا على تفسير و تحليل كل شيء و اختلاق الأعذار و الحجج لرغباتنا , على مواراتها حتى عن أنفسنا .. ( واجهيني و خلي عيونج الحلوة بعيوني و كولي لي إنج ما فكرتِ بيَ مثل ما فكرت بيج , لو أحنا خلص تعودنا الكذب و المخاتلة بكل شي , لما نكره نخاف و ننكر و لما نحب نخاف و ننكر .. ) .. ربما أنت كنت أشجع مني في مواجهة حقيقة مشاعرنا المتداخلة تجاه بعضنا , مشاعر كلما حاولنا استيضاحها انزلقنا في تيه غموضها أكثر ..

كادت أن توقظه لتفاجئه بوجودها أمامه كحورية تهبه من شبق الحب ما يمزع خلاياه ليعيد تشكيلها من جديد و ليكن حلم آخر من ضمن أحلامهما المتولهة , كمغارة لفظها الزمان و المكان إلى عوالم أخرى فلا سلطان للعقل و لا أي منطق عليها حتى تنتهي عربدته فتعود إلى شقتها و كأن شيئا لم يكن.. و لكنها بدلا من كل ذلك قبلته قبلات عدة برقة النسمات على رأسه ثم قامت من جانبه على مهل شديد لتغادر إلى شقتها التي ما إن دخلتها حتى سارعت نحو فراشها جاذبة ابنتها النائمة إليها بذراعين تصارخت في أعصابهما نزق الأنوثة مع حنو الأمومة الفياض ...

0 0 0

مضى أكثر من أسبوع مضني عليها , كرست جل أوقاته للاهتمام بابنتها و الإنصات إلى مشاعرها اليانعة التي شهدت أولى إنكساراتها رغم ما تحاول اقتباسه من والدتها من بأس و صرامة لا سيما في تعاملها مع سعد الذي بانت عليه آثار المرض بشكل متضاعف من بعد إجراءه العملية كما لو إن الأيام قد اختزنت في ساعاتها و دقائقها مرارة سنوات و سنوات , كانت تهبه من حنانها و ملاطفاتها العطوفة ما يجعل أيا كان يتصورها فعلا زوجته , بل إنها أمه و أخته .. و أيضا ابنته , لم يزعجه أكثر من آلامه عندئذ سوى ضآلة الوقت الذي يقضيه منفردا معها , كانا يمضيانه في المداعبات و تذكر مقتطفات من الماضي و التندر على مواقفه المختلفة تارة , و تشارك ذرف الدموع الحارة تارة أخرى فيما تتشابك أيديهما بقوة يتحسسانها في دفق دماءهما ...

سعد : آني تعبتج كلش , حتى العيادة تركتيها بسببي .

ــ العيادة تركتها لأني مليت من شغلها و لأنها جانت تشغلني عن بنتي و الراتب مو ذاك الشي , الحمد لله مستورة ــ مبتسمة ــ و بعدين نسيت إني تعبتك العمر كله ..

ــ إياج تشعرين بالذنب بيوم من الأيام ..

ــ يعني إذا رجعت بينا الأيام رح تتمنى تشوفني و تحبني من جديد ؟

صمت لوهلة ثم قال و كأنه يلقي مقطوعة شعرية : هوايَ سألت نفسي إذا كنت أحبج فعلا لو إني أحب حالة الحب نفسها متمثلة بيج .. تزوجت و مريت بعلاقات متعددة , لأني بالنهاية مو ملاك طاهر , و لكني كنت كلما أخلو لنفسي ما أميز إلا ملامح وجهج المشرقة تسطع كدامي و يندمج بيها عنفوان كل ما عرفته عن الحب بحياتي .. بس كولي لي شلون عاد أكدر أكف عن حبج , بذاك الوكِت رح يتعاظم علقم الحياة داخل روحي و ما رح أكدر أستمر بتحمل سخفها و بشاعتها اكثر ..

رغما عنها كان صوت حسام يداخل صوته الحالم في أذنيها فيما تتراءى صورته أمامها في قسمات وجهه المريض الشائخة متمردا على أي من محاولاتها في التشاغل عن التفكير به و تحاشي رؤيته لئلا يسألها في مكر عن تلك الليلة التي ظلت جاثية فيها بالقرب من رأسه تستمع لهمهماته السكرانة و يسترق السمع ــ كما أمست تظن ــ لفضفضة نفسها المستمرة فيما يشبه الهذيان ..

في صباح اليوم التالي كان ينتظر خروجها المبكر من شقتها للذهاب إلى المستشفى , و أولما لمحها تغلق الباب ورائها من دون أن يرى نورا معها دنا منها بوجهه الحليق طالبا الجلوس معها و مكالمتها في أي مكان تختاره , كانت عيناه معبئتان بكلام كثير اضطرب له قلبها فردت في إيجاز بأنها مستعجلة جدا و لا تستطيع التأخر , بهت لإجابتها القاطعة فلم يشأ الإلحاح و لكنه أصر على أن تعطيه رقم هاتفها , إصرارا لم يعطها مجالا للتردد في تلبية طلبه من غير أن تسأله عن السبب .. قال لها بأنه سوف يكلمها في المساء ليحددا موعدا لمقابلتهما و من قبل أن تنطق بكلمة رجاها بنبرة استأنستها مشاعرها إلا تعارض طلبه .. عاد إلى شقته بابتسامة ظافرة قبلتها نيابة عته تاركا إياها في حالة ذهول من تصرفه المباغت ساخرا من كل قراراتها بالابتعاد عنه بقدر ما تستطيع .. لأول مرة منذ مداومتها على معاودة سعد في المستشفى صارت تستثقل الوقت بهذه الطريقة كما لو كان صخرة كبيرة تجثم فوق صدرها , لهفة كبرى تفرض عليها نفسها تستعجل قدوم المساء و فضول سؤالها اللجوج عما يريده منها يعبث بعقلها و يربك تصرفاتها بطريقة استغربتها في نفسها التي صارت كثيرا ما تحتار في أمرها و تعجز عن فهمها .. لما رن هاتفها سارعت لحمله خارج الغرفة .. سألها إن كانت نورا معها فأخبرته بتلقائية تفاجأت منها بأن اليوم عرس صديقتها و هي مدعوة أيضا و لكنها اعتذرت , بل إنها كادت أن تخبره بأن ابنتها سوف تذهب بعد انتهاء العرس مع إحدى صديقاتها لتمضي الليلة عندها لولا تداركها لثرثراتها .. اطمأن منها على حال سعد فأجابته بأنه بخير , قال : هو بنفس المستشفى ؟

ــ أي .. ليش , تريد تجي تزوره ؟

ــ زيارة المريض واجبة , بس آني أريد أطلعج من جو المستشفيات اللي إنت بيه و أقضي أكثر وقت وياج ــ همت بالإجابة فعاجلها : أرجوج بأغلى شي عندج لا ترفضين , ما تتصورين شكد محتاج أشوفج و أحجي وياج ..

ــ بأي موضوع بالضبط ؟

ــ بأي موضوع تحبين , بس المهم نكون سوية .. بعد نص ساعة رح أنتظرج على باب المستشفى .. مع السلامة .

فطن سعد إلى اللمعة السعيدة التي تلألأت في عينيها عند رجوعها إلى الغرفة لتأخذ حقيبتها و تعتذر منه لمغادرتها المبكرة هذا المساء , لمعة أشقته أكثر من كل مرة أبصرها فيهما منذ أن عرفها و أحبها مجسدة له بؤس عالمه الذي يحياه مكبلا بمرضه في فراش بدا له قبرا لا سبيل أمامه لمغادرته أبدا ...

استطاع تعويدها منذ بداية لقائهما إلا تكثر من أسئلتها عن سبب خروجهما معا و لا إلى أين سوف يذهبان و لا كم من الوقت سيمضيان معا , و هي من جانبها لم تهتم لكل ذلك كثيرا , فقط أدركت إنها كانت مستمتعة بكل دقيقة تقضيها معه , فلقد اكتشفت إنها منذ مدة طويلة لا تستطيع تحديدها لم تضحك بمثل ما ضحكا معا من غير أن تشغل تفكيرها بأي شيء و لا أن يداخلها أي توجس مما قد تمهد له تلك الأمسية الحميمة و إن لم تسمع خلالها منه كلمة حب صريحة واحدة خلال أي موضوع أرست بهما تشعباته إلى مواضيع أخرى كثيرة , و لكنه بعد مسافة من ترجلهما من سيارة الأجرة عند أول الفرع الهادئ و الطويل المؤدي إلى العمارة التي يقطنانها ملبيين الرغبة التي ألحت عليهما في آن واحد بالسير معا بخطى تستبطئ الوصول فاجأها باقترابه منها محيطا كتفيها بذراعه كما لو كان ذلك أمر طبيعي بينهما , ثم عاجلها بقبَل تدافع حنينها إلى خدها و رقبتها كرذاذ عطر عبق الرائحة.. دفعته عنها ما إن أفاقت من دهشتها و تمكنت من السيطرة على أعصابها المنفعلة : حسام اعقل أحنا بالشارع , شدَ تسوي افرض أحد شافنا شنو ممكن يكول علينا .. سكرانين , لو ما عدنا أخلاق ؟

أخفض رأسه في تأسف : آسف , الظاهر إني استعجلت ..

ــ لا , أنت تهورت , الاستعجال معناه إنك استبقت شي رح يصير بعدين ..

تركته و سارت أمامه بخطوات سريعة تخفي عصبيتها النشوة التي سكنتها , لحق بها : أسماء , لا تكونين قاسية عليَ بهذه الطريقة ــ أمسك يدها بقوة ــ آني الليلة محتاجلج أكثر من أي وكت فات ..

نزعت يدها من يده : و ليش الليلة بالذات ؟

قال كمن يقر حقيقة مريرة : لأني رح أسافر لسورية الفجر ...

نظرت إليه في شدوه لم تملك تحت ثقل وطأته أن تأتي بكلمة , كما ظلت شهقتها مغلولة في صدرها من دون أن تقوى على مبارحته .. أشعل سيجارة و صار ينفث كلامه مع أدخنتها عن مكالمات أخيه المتلاحقة له بعد وفاة والدتهما , و كأن تلك الوفاة قد ألهبت فيه الحماس أكثر من أي وقت آخر لمساعدته بأي طريقة كانت , و كانت أنسبها في رأيه هو سفره إلى سورية حيث لا تفرض عليه غرامات إقامة هناك , كما إنه دبر له عملا مستقرا و ذا راتب و امتيازات لا بأس بها في مشروع كبير عائد لأحد أصحابه , بالإضافة إلى تواجد عدد من رفاق حزبه هناك حيث يكون بإمكانهم مساعدته في مناح ِِ شتى حتى يستطيع أن يهيئ له الفرصة المناسبة للالتحاق به في ألمانيا أو في أي بلد أوروبي آخر ...

كان يتكلم و هو ينظر بين تارة و أخرى إلى صمت عينيها الناظرتين إلى الأمام دوما و كأنها تمشي بمفردها , أو إنها لا تعي كلمة مما يقول .. عاد لمسك يدها : أسماء .. ليش ساكتة ؟ أريد أسمع صوتج .. لا تخليني أحس بوحشة أكثر مما آني بيها ..

عندها فقط نطقت بنبرة حزينة : و هسه جاي تكلي , بآخر ليلة ؟ .. يعني طلعتنا كانت وداعية ؟ .. على الأقل أنت أحسن من إبراهيم اللي راد يسافر بلا حتى ما يكول كلمة وحدة .. الظاهر إن هي هاي طريقة الوداع بالغربة ..

ــ ردت أكلج من أيام فاتت بس جنت دائما أشوفج مستعجلة و .. ما ردت أتطفل عليج بمشاكلي أكثر ــ نظرت إليه بعينين ملؤهما العتاب ـ شعرت إنج تحاولين تجنبيني , بس لما قرَب موعد السفر كِلت لا يمكن أسافر بلا ما ..

بعينين دامعتين : تسلم عليَ ؟ .. زين , مع ألف سلامة و فرصة سعيدة التقيت بيك ..

تركته من جديد مسارعة الخطى نحو مدخل العمارة يتبعها ظله المرتسم على الأرض , من بعد أن فتحت باب الشقة بحركة عصبية يعبث فيها الغل أرادت صفقه ورائها بعنف تلاشى بدفعة قوية من يده منعت غلقه في وجهه .. في الظلام الموشى بالضوء المنبعث من عمود الكهرباء في الشارع عبر شباك الصالة ظلا ينظران إلى بعضهما في وجوم بالكاد انتزعت نفسها منه : إشعل الضوا من وراك لو اشتاقيت لظلمة بغداد..

لم يجبها , فتقدمت باتجاهه لإشعال الضوء بينما راح يخطو هو الآخر نحوها .. احتوى وجهها بكفيه : آني اشتاقيت لكل بغداد ..

اعتصر عناقه شفتيها و كأنه يود استلابها منها , شراهة غريبة عنه تملكت حواسه بشكل مباغت لم تستطع مقاومتها, و ربما لم تشأ , مستلذة بولوجها أجواء ذلك الحلم الجميل .. احتوته بأحضانها على أرض الصالة في هدوء نجحت في سبغه على انفعالات جسده المحمومة بعد قليل معززة ثقتها بنفسها في تمكنها من السيطرة على أهواءه و الحد من قوة اندفاعه رغم كل ما يضطرم في أوصالها من انهيارات تلهب أعصابها .. قال في شغف : ما رح أسافر .. مستحيل أتركج , ما أكدر أنزع روحي مني من جديد ..

قالت مكابدة تأثرها بكلامه : شدَ تكول .. لا تخلي انفعالاتك توجه قراراتك , ما دامت فرصتك بالسفر لازم تسافر وتشوف مستقبلك .. آني هم بعد فترة طالت أو قصرت رح أسافر ويا بنتي للسويد لرجلي ..

ــ يعني مكتوب عليَ السفر دائما و الغربة .. مكتوب عليَ أبقى تايه من بلد لبلد و من مدينة لمدينة بلا ما أعرف وين رح أستقر بالنهاية ..

جذبت رأسه إليها أكثر : لا تكون مأساوي دائما بهالطريقة , و لا تحَمل الأمور أكثر من طاقتها حتى تكدر تستمر .. إنت هسه رايح لمكان جديد , عالم جديد , رح تمر بتجارب و تعرف ناس أكثر , أكيد حتى لو كرهت كل هذا بالوقت الحاضر رح يفيدك بعدين و يقوي عزيمتك بمواجهة الحياة .. رح تكره و تحب من جديد , وحدة تفهمك و ..

عانقها بقوة : آني أحبج إلج و لا يمكن أحب غيرج بحياتي ..

ــ لا تخلينا نخدع نفسنا رغم كل شي , آني ما رح أكدر أنطيك كل اللي تريده مني و لا حياتي ممكن تكون إلك وحدك .. آني عندي بنتي اللي لازم أهتم بيها أكثر من أي شي بالدنيا .. و بعدين عندي رجلي اللي متحمل الغربة وحده صار له سنين و بعده ملتزم بيه و ببنته و سوا كل اللي سواه حتى يأمن مستقبلنا ..

رفع رأسه ليواجهها في حنق : يعني أنت ما حبِتيني أبد ؟ و اللي بينا ..

أعادت رأسه إليها في رقة أم تحاول أن تهدئ من روع طفلها : اللي بينا ما نكدر نسميه حب حقيقي لا من جانبي و لا حتى من جانبك ــ حاول أن يعترض فربتت على كتفه مقبلة رأسه : هو عاطفة حلوة الأحسن نتركها بلا أسم يحددها , شي مثل الحلم أو قصة جنا اثنينا محتاجين نعيشها حتى نهوِن على نفسنا مرارة غربتنا و أشياء هوايَ ما كان ممكن يتحملها كل واحد بينا لوحده ..

ــ كولي اللي تريديه , بس كل اللي أعرفه و اللي مقتنع بيه و ما أريد أفكر بأي شي غيره إني أعشقج و مجتاجج أكثر من أي شي بالدنيا ..

حاول الانقلاب عليها و لكنها باغتته بفعلها العكس كأنها تواجه حقيقة كانت غافلة عنها تماما قبل ذلك : لشوكِت ؟ إلى أن يحين موعد سفرك ؟ .. و بعدها أكون بالنسبة إلك مجرد ذكرى ليلة حلوة ودعت بيها عمان .. بس شرَح أكون آني بنظر نفسي ..

تخاذلت قوة ذراعيه الملتفتين حول ظهرها أمام نبرة صوتها الباكية , كفكفت دموعها أثناء ابتعادها عنه زاحفة نحو حقيبة يدها التي ألقتها على الكرسي القريب من باب الشقة عند أول دخولها لتخرج علبة سجائرها و القداحة .. مددت ساقيها على الأرض مسندة ظهرها إلى الكرسي تنفث أدخنة سيجارتها في انفعال واضح فبدت أمامه كتمثال شمع مهيب سطع بريقه تحت نور الضوء الذي أشعله قبل جلوسه بقرب تلك الفتنة الحزينة : إنت شلون تفكرين بهالطريقة ؟ مستحيل تكونين بالنسبة إلي بيوم من الأيام مجرد ذكرى ليلة , إنت أغلى من هذا بأكثر مما تتصورين .. إنت ..

قاطعته : أعرف كلش زين اللي تحسه و تريد تكوله .. حتى لو إنت ما فكرت, آني ما أريدك تكون نقطة سودا بحياتي أظل أندم عليها بقية عمري , كِلِت لك إن علاقتنا عاطفة حلوة , ماكو داعي نتمادى بيها أكثر و نشوهها .. خلينا إذا تشاوفنا بيوم من الأيام أكدر أحط عيني بعينك , و الأهم من هذا أكدر أحط عيني بعين بنتي .. المرة اللي فاتت الله سلم و رن التليفون بالوقت المناسب ..

كانت تقول ذلك الكلام و هي تعرف إنه لو حاول لمسها مجددا فسوف لن تواتيها أبدا مثل تلك القوة العقلانية التي استنجدت بها من بقايا إرادتها لتنتشلها من بين أحضانه المندسة في حنايا أضلعها , كانت نظراته منصبة بصورة كاملة على حجرها , كم اشتهى أن يلقي عليه رأسه عله يريحه و لو من بعض الثقل الرازح فيه , أن يحكي لها طويلا عن أمور كثيرة تخصه لم يفكر بسردها يوما لأحد , أن يسألها عن أدق تفاصيل حياتها , عن زواجها و زوجها و إن كان حبها له هو ما يمنعها عنه قبل كل شيء آخر أم إن السبب فقط هو واجب الزوجة المخلصة و إحساسها العميق بالمسئولية تجاه والد ابنتها الشابة .. اشتهى أيضا أن يقبلها و يعانقها عناقا قويا عاصفا تتسلل عبره روحه إليها عسى أن تنعم ببعض السكينة, أن يضمها إليه طويلا طويلا في شبق لم يواته مثله أبدا في يوم من الأيام و إن كان يعرف إنه سوف يعود لافتقادها من جديد و بصورة أكثر إيلاما بمجرد أن يضطر لتركها و الذهاب الشقي نحو شقته و حمل حقيبة سفره من اجل الشروع في طريق ترحال جديد ..

مخاوف مغادرته التي اجتاحتها تبددت و استحالت إلى فرحة لم تتمكن من مراوغتها لما وجدته يستلقي على ظهره أمامها مغمض العينين يشبك يديه خلف رأسه في وداعة و استسلام رقيقين , ظنته نائما فتشجعت على الاقتراب منه نافرة بابتسامة محتالة من حصار الخطوط الحمراء الذي أقامته من حولها.. جلست على ركبتيها بقربه, و بهدوء بالغ الحذر راحت يداها تتلمسان خصال شعره و من ثم قسمات وجهه و كأنها ترقيه , مررت إحداهما على شفتيه كما لو كانت تعزف على آلة وترية انهمرت أنغامها قبلا و تأوهات شاكية تفرقت ما بين أناملها لتعود و تجتمع في باطن كفها الناعم ...

ــ رَح تخبليني .. حيرتيني أكثر من الغربة نفسها ..

همست : أسكت و خليني أودعك بطريقتي ..

ــ على أساس إني قطعة حجر ؟

ــ لا , على أساس إن تساعدني .. وجودك بحياتي أصعب امتحان صادفني بحياتي .

ــ تحبين أتركج و أطلع ؟

قربَت وجهها من وجهه لتلثم جبينه : لا بالعكس , أريدك تبقى للفجر ...

0 0 0

صدمها سعد بقرار عودته إلى بغداد , فكادت أن توقع قدح الشاي الصغير ــ الاستيكان ــ من يدها , كانا في صالة شقته بمفردهما بعد خروج نورا و هالة ــ ابنة أخته ــ من أجل التبضع من بعض محال الملابس.. ترجع لبغداد ! ليش ؟.. إنت ما كملت علاج هنا , و العملية مو آخر المطاف .. بعدين الناس يجون من بغداد حتى يتعالجون هنا , يا منطق هذا ؟

بعينين تعاندان الدموع : أولا العلاج هنا مكلف كلش .. صح فريبي صاحب الشركة إنسان شهم و مستعد يتحمل المصاريف هو و بقية أصدقائي , بس آني ما أحب أتثاقل على أحد , طول عمري جنت متعود إني أساعد غيري مو العكس , ساعدت و داريت ولد أختي من يوم ما مات رجلها , و حتى لما جيت هنا , اللي كدرت أدبر له شغل بالإمارات و اللي بعثت له فلوس حتى يسوْي له مشروع ببغداد و اللي ساعدتها بجهازها , ما بقت غير هالة .. إن شاء الله أكدر ..

قاطعته : لا تاخذني بالكلام عن ولد أختك , إنت كلت أولا العلاج مكلف , زين و ثانيا ؟

نظر إليها في صمت معذب و كأنه عاد إلى أيام الكلية ثم تجرع آلام كلماته : آني حالتي دَ تسوء بالأيام و يمكن بالساعات و .. ما أريد تشوفين انهياري الكامل كدامج , هذا اللي مستحيل أكدر أتحمله , كافي علىَ آلام المرض ..

دنت منه محيطةً ظهره بذراعها فيما كاد أن يلامس وجهها وجهه الشاحب : و الحل إنك ترجع لبغداد ؟ أنت ما تعرف أهميتك بحياتي ــ أسندت رأسها إلى صدره و تركت الدموع تنساب من عينيها من دون أن تحاول منعها : ما دام تريد تطلع منها ليش دخلتها أصلا ؟ ليش خليتني أتعلق بيك ..

احتوى رأسها بيده : إذا إنت هسه تعلقتي بيَ فآني متعلق بيج من عمر كامل , لو لي هسه ما تعرفين غلاوتج عندي ..

ــ ما دَ أكدر أصدك إنك تريد تعوفني و بإرادتك هالمرة ..

تأففه نفض صدره من تحت رأسها : و منو بينا عايش لو دَ يتصرف بإرادته بهالدنيا ...

أجابته بتهيدة طويلة : عندك حق , ما حد من عدنا عايش لو دَ يتصرف بإرادته ..

امتدت يده نحو ظهرها تمسحه برفق جميل تمنته أن يتسلل إلى روحها و يخفف عنها شيئا من تأزم لا يرضَ مبارحتها منذ تلك الليلة المسكونة بالسحر في كل ثانية منها .. خدر منتشي بالسعادة تمادى أثره في أنحاء جسدها كله و ليس فقط في ذراعها الملتفة حول رأسه فيما احتضنت الأخرى جسده الذي حاول التراخي قدر ما يستطيع رغم ما كانت تضج فيه من نزعات لئلا تحرمه من أريج جنانها مجددا , كان يستجيب للعبتها الغرامية التي فرضتها عليه فيجذبها إليه في رفق ناعم كما لو كان يراقصها على أنغام قبلات كانت تحط هنا و هناك كسرب عصافير مغردة رغم نزف جراحها , و عناق متقطع , تخوفه من النفور يحد رجاءه , مسترضيا نفسه بطول عناق أنفاسهما المنفعلة ...

من قبل أن تسقط دمعتاه الساخنتان من عينيه لتتيهان في غاب شعرها رن هاتفه النقال, رفعت رأسها من على صدره و مسحت دموعها بمحرمة ورقية ثم قامت من على الكنبة متجهة نحو الشرفة الواسعة إلى حد ما .. لفت ذراعيها حول صدرها و راحت تتأمل المنظر المترامي الأطراف الذي أمامها , بدت لها الأبنية و العمارات المتباعدة كقطع المكعبات المتراصة فوق بعضها في تناسق و ثبات متناهيين بينما كانت الشمس المتأهبة للأفول كحياة صاحبها تناجي رغبة قوية فيها لمعاودة البكاء من جديد.. علت رنة هاتفه أيضا اهتز له جيب بنطلونه الملتصق بها فشعرت بدغدغة خفيفة أضحكتها لا سيما و إن تلك الاهتزازات لم تتوقف معاندة محاولته التغاضي عنها , حثته على الإجابة ... استرق كلماته من قبَله الهائمة في خدها : يعني لازم يكون أكو تلفون يزعجنا ..

ضحكت مجددا : ناقوس خطر .

ــ إنت حتى الخطر تعرفين شلون تروضيه و تخليه بحضنج حمل وديع ــ اشتد ساعداه من حول ظهرها : بكد ما نعشتيني بكد ما عذبتيني

ــ زين ارتاح من العذاب شويه و جاوب على التلفون ..

نهضت من على الأرض متوجعة الأضلع و سارت نحو الحمام و تركته يجيب على الهاتف .. لما عادت إليه وجدته جالسا على الكرسي القريب من باب الشقة ينفث دخان سيجارته بحنق شديد يزعق في عينيه, كان صاحب أخوه يسأله عن موعد تحركه من عمان حتى يعرف الوقت التقريبي الذي يصل فيه إلى سورية , ناصحا إياه أن يبكر في الانطلاق لكي يصل قبل زحام السير الخانق في دمشق و أيضا قبل انغماسه في دوامة العمل الذي لن يستطيع تركه لانتظاره قرب باب المرآب الكبير كما اتفقا قبل ذلك ..

فاجأها سعد بالتقاطه صورة خاطفة لها بواسطة كاميرته الصغيرة .. قالت معاتبة : ليش صورتني و آني بهذه الحالة ؟

ــ إنت حلوة بكل حالة ..

أخذ لها صور عديدة في أكثر من مكان في الشرفة من دون أن يمهلها وقتا تصلح فيه من هيئتها كما طلبت , كان إلحاحه و حماسه قد أعادا إليه عنفوان الحياة من جديد عبر قهقهاته المتعالية .. جلسا على أريكة صغيرة من الخيزران حيث قال : لما ترجع نورا و هالة رَح أخلي وحدة منهم تاخذ لنا أكثر من صورة , و بعدين ناخذ صور آني وياج و نورا ــ قرَب وجهه منها : أريد صوركم تملى عليَ حياتي لآخر يوم ..

تأففت : بس كلي شرَح تسوي ببغداد , إنت تعودت على العيشة هنا ..

أتاها صوته عميقا بعد صمت متأمل في الفضاء : رَح أصلي و أستغفر و أقرا قرآن.. و أفكر بيج طبعا, لأنج جزء مهم من سلام روحي .

ــ لو الأمر بيدي أترك كل شي و أرجع وياك لبغداد و ما أتركك و لا يوم ..

ــ و شنكون سوينا بهالحالة , رَح تظلين تشوفيني و آني دَ أتهاوى يوم بعد يوم ــ أمسك يدها : و إنت يا حبيبتي ما ناقصة هموم , إنت هَم من سنين طويلة ما عرفتي الاستقرار ــ انبثق في عينيه رجاء : لازم بعد هذا كله تكونين سعيدة , هذا الشي الوحيد اللي ممكن يخفف عليَ مرارة الأيام الجاية ..

انتفضت من جانبه و هبت واقفة ثم سارت نحو سور الشرفة في انزعاج مدارية إطلالات دموعها عنه : كافي الله يخليك سعد , كافي ــ أدارت وجهها نحوه : إنت بهذا الكلام دَ تأذيني أكثر من أي أذية مرت عليَ بحياتي , لأنه دَ يحسسني إني إنسانة أنانية .. ليش دائما تريد تكون المحب اللي ما يفكر غير بحبيبته حتى و هو بأصعب الظروف , و هي عمرها ما بادلته جزء من هذا الحب ..

اقترب منها محتويا وجهها الباكي بكفيه : أنانية ؟ و وجودج ويايَ هسه و حيرتج طول الوكت بالمستشفى و كأنج مسئولة عني أكثر من مرتي لو كنت بعدني متزوج أو أختي أو حتى أمي, كل هذا شتسميه.. مو حب ؟ حتى لو ما جان حب من النوع اللي تمنيته طول عمري ,

بس يبقى أحلى حب يكفي و يزيد على الفترة الباقيتلي بهالدنيا و مهما طالت .. كلتلج كبٌل إن لقائنا بالعيادة و بالظروف اللي جنت أمر بيها مو مجرد صدفة ..

ذهبت إلى المطبخ تشاغل اضطرام أعصابها بتحضير طعام خفيف يسد جوعه أثناء السفر , سمعت صوت غلق الباب فركضت نحو الصالة بلهفة مقهورة لتتأكد من خروجه من غبر أن يواجهها و لا أن يقول لها شيئا و لو عن بعد , و لكن أي كلام كان يمكن له اختزال موقف الوداع فيما بينهما, و ما فائدته إن جاء بصورة مقتضبة أم مسهبة ما دام سيفضي إلى النتيجة ذاتها في كل الأحوال و لكن بعد نزف مزيدا من الأسى, و قبلات سيكون هياجها كرفرفة أجنحة الفراشات عند اقترابها من وهج النار, و أحضان مترنحة تتهدج لوعة الفراق من جديد لكل من خلفاه ورائهما في بغداد ليظل يتجرع مر غيابهما الطويل و ربما الأبدي ..

بدا احتواء سعد لها كصدى بعيد و باهت لتلك الاختلاجات التي لم تحدث, كان يخاف عليها من صلابة أوجس قسوتها في صدره , من أن

تجذبها أحضانه إلى دوامة معاناته , معاناة عليه أن يخوض غمار آلامها الرهيبة بمفرده حتى النهاية .. ابتعد عنها ليستند إلى سور الشرفة بكوعيه مبعثرا نظراته في الفضاء الواسع الذي بدا له كوحش مخيف يهب لابتلاعه , حطت يدها على كتفه و أسندت رأسها إلى كتفه الآخر و الدموع الغزيرة تغزو وجنتيها بينما بقت دموعه تتلألأ محتبسة داخل محجري عينيه المنتفختين تأبى النزول فيما كانت بوادر نوبة جديدة من الآلام المبرحة تصارع أمعاءه ...

حرصت على التأكيد عليه بضرورة مكالمتها في كل يوم يتعذر عليها الاتصال به لتعطل الخطوط أو لأي سبب آخر , فلم تكن على استعداد لئن تفقد أثره أيضا كما فعلت مع حسام , فمنذ سفره لم يتصل بها أبدا و لا حتى بعث لها برسالة عبر هاتفه ليطمئنها عليه و على أخباره, أقرر نفيها تماما من حياته ليتخلص من ضعفه تجاهها و ذلك التعلق المنطوي على مشاعر متنوعة كانت بقادرة على جعله يرفض الانصياع لكلام أخيه و البقاء إلى جانبها لو إنها كانت قد شجعته على ذلك .. لا تعلم إنه أراد الاتصال بها كثيرا أو أن يبعث لها برسائل مطوَله جدا في كل يوم و ربما مرتين في اليوم الواحد , و لكنه أحس إنه أولما يسمع صوتها الحنون أو يقرأ ردودها التي مؤكدا سوف تحمل له قبسا من وهجها الساحر له سوف يلقي ثيابه بسرعة مجنونة في حقيبة سفره و يتجه مباشرة و من غير حتى أن يخبر رب عمله نحو المرآب الكبير, قاصدا المكان المخصص لسيارات الأجرة المتجهة إلى عمان .. من جانبها كانت تراودها رغبة قوية بأن تطلب من أحد رفيقيه الذين لا زالا يسكنان الشقة المقابلة رقم هاتفه النقال في سورية بعد كل سؤال تسأله إياه عما يعرف من أخباره , و أخبار إبراهيم طبعا , خوفا من شكوكه التي سوف تثيرها نبرة صوتها المترددة في حبور غريب عن عمرها من ناحية .. و لتهدئة بال ابنتها التي ما عافها التفكير بذلك الشاب كما كانت تعتقد و كما تحاول التظاهر أمامها في غالب الأحيان من ناحية أخرى , و لكنها لم تسمح أبدا لتلك الرغبة بالتحرر من صرامة إرادتها بعدم مواربة الباب أمامه للولوج إلى حياتها من جديد , فالقصة انتهت رغم كل شيء , رغم ما حملته في طيها من عذوبة و رقة داعبت أحاسيس الأنثى داخلها و التي كانت على وشك التيبس , و من أسى و نكئ للجراح .. و مواجهات عنيفة لما كانت تخفيه بواطن روحها عن الجميع بل و عن ذاتها أيضا, انتهت و لا يمكن بأي حال من الأحول بدئها من جديد ..

نزلت و من خلفها ابنتها من الحافلة في بداية الفرع المؤدي إلى العمارة التي تقطنانها بوجهين عابسين لم تنشف الدموع من عليهما بعد , كان توديعهما لسعد بهيئته الكئيبة التي تكشف استسلاما مريعا للأقدار حاد القسوة , فرغم محاولة كل منهم تمالك أعصابه حتى اللحظة الأخيرة إلا إن أحدهم لم يتمكن أبدا من مغالبة مشاعره الذبيحة قبل أن يهم بركوب السيارة التي سوف تقله و ابني أخته إلى بغداد , كان ذراعاه المفتوحان لضمهما إلى صدره بدموعهما و قبلاتهما المحترقة بآلامها تتشبثان بهما تشبث الجسد بالروح لدى مفارقتها له ..

نورا مغالبة نوبة جديدة من البكاء : دَ أشعر و كأن صار لنا بعمان عشر سنين , أحداث هوايَ مرت علينا يمكن حتى أكثر من كل اللي مر علينا ببغداد ..

أجابتها و الذهول لم يزل يسيطر عليها : أحيانا يكون الطريق بين حياتين أطول و أصعب من الحياتين نفسهم ..

ــ شوكِت نروح لبابا و نرتاح .. مهما كانت شكل الحياة هناك أكيد رَح يكون بيها استقرار أكثر من هنا , عمري ما افتقدته و حسيت بحاجتي إله مثل هسه ..

فاجأتها بعد صمت : نورا , شنو رأيج ندوِر على شقة جديدة نعيش بيها ؟ أريد أغير كل شي بحياتنا يذكرنا بللي فات ..

نظرت إليها مليا : تقصدين حتى لا يجي إبراهيم ببالي كل ما أشوف شقته بالطلعة و بالدخلة ؟

( و حتى أنا أيضا أحاول أن أبعد حسام من ذاكرتي أقصى ما أستطيع .. من يعرف , ربما يرجع لأي سبب كان إلى الأردن و لو حتى بحجة زيارة أصحابه , فالطريق من سورية لا يستغرق أكثر من ساعتين , ساعتان يمكن لهما أن تهدمان كل شيء في لحظة شوق قد لا أستطيع مقاومة حمق عصفها هذه المرة و مهما حاولت الاحتماء به من منطق و رجاحة عقل )

تنبهت من غفلتها على صوت ابنتها : ماما , بشنو سرحتِ؟ ..

حطت ذراعها حول كتفيها : ماكو شي حبيبتي , بس الإنسان مهما مرت عليه مواقف و أزمات و لحظات ضعف لازم يحاول يتغلب عليها لأن الدنيا مهما جانت قاسية ما رَح توكف عند حد , يمكن بالمستقبل تفرحنا و يمكن .. تحزنا أكثر , بس كل واحد من عدنا محتاج للتجديد بكل شي بحياته , حتى بالمكان ــ اصطنعت ضحكة على شفتيها المتيبستين : و برقم الموبايل هَم , مثل ما سويت , و لا تسأليني ليش غيرته لأني ما أعرف ..

ضحكت الفتاة رغم ثقل ما تضمه جوارحها من حزن : أسماء دائما تفاجئ الكل بتصرفات ما حد يكدر يفهمها ..

قبلتها من خدها ثم قالت متنهدة : أسماء على غفلة لكَت نفسها كبرت و بدا الشيب يكثر بشعرها و يسابق أي صبغ , أسماء هسه كلش تعبانة من كل شي و تتمنى لو تروح للبيت بأسرع وقت حتى تشمر نفسها على الفراش و تنام لمدة أسبوع كامل بس يا ريت يكون بلا أحلام من أي نوع .

ــ كِلتلج ناخذ تكسي و إنت ما قبلتي ..

ــ عجبني أركب باص و يمشي بيَ على كيفه و أتفرج من الشباك على الشوارع و السيارات و الناس و أظل أحزِر نفسي منو منهم عراقي , لأن العراقي يبيِن , إذا مو من صوته العالي و ملامح وجهه فمن طريقة مشيته السريعة و كأنه دائما مستعجل و بس يريد يلحَك بدنياته .

كانت تقول هذا الكلام و نظراتها ترقب أوراق ساقطة من شجرة على جانب الطريق على بعد عدة خطوات منهما , الريح تجمِعها تارة حتى تبدو كورقة كبيرة , و ترجع تارة أخرى تباعدها إلى مسافات متباينة و كأنها لم تكن أبدا تنتمي لذات الشجرة ....

00000000000000000000000000000000000000

أحمد غانم عبد الجليل ahmedabduljalil@yahoo.com

9ــ 5 ــ 2006 عمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007