[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ضيف من الزمن البعيد 
التاريخ:  القراءات:(4183) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

ضـيـف مـن الــزمــن الــبـعـيـد

ـــــ قصة قصيرة ــــ

كاد أن ينصرف من بعدما ملّ من طرق الباب طرقات خفيفة أعقبتها طرقات قوية توقظ أي نائم من عز نومه , و لكن الباب فتح أخيرا لينقذه من حيرته و اضطرابه , فلم يكن يدري إلى أين يمكنه الذهاب إن لم يجد صاحبه القديم الذي أطل عليه بملامح وجهه المشارفة على الكهولة و عينيه اللتين لم يفارقهما النعاس بعد , راح يمعن النظر إلى وجه ذلك الرجل الملثم فلم تبرز منه سوى نظارة شمسية سوداء كان يضعها فوق عينيه , قال صاحب الدار بصوت متحشرج متثائب لذلك الغريب الغامض وقد وقعت في نفسه بعض الريبة منه : اسمع , إن كنت قد جئت لتسرقني فقد أظللت الطريق لأنه ليس عندي شيء يفيدك اذهب إلى بيت أحد المسئولين القدامى لعل اللصوص زملائك يكونون قد تركوا لك شيء هناك ليصير من حظك و تصيبك .

أماط الرجل اللثام عن وجهه ليظهر ابتسامة باهتة من بين لحيته و شاربه الكثين الرماديين ثم قال : محي , أنا لست لص , أنا طلال .

ـــ طلال ؟ .. طلال من ؟

ـــ طلال حسين عبد القادر صديقك القديم , أنسيتني ؟

قال متهكما بعد برهة من الشرود : تقصد الرفيق طلال .

ــــ رفيق .. على كل حال , هل سوف تسمح لي بالدخول أم سنبقى واقفين هكذا على الباب ؟

دخل طلال إلى المنزل و راح من بعدما تأكد من إحكام إقفال الباب وراءه يتبع خطى محي المنهكة و المتجهة نحو الصالة و هو يتأمل الجدران المتآكلة و المائلة إلى السواد بفعل عتق الزمن المهمّل من حوله , جلسا على أريكتين خشبيتين متقاربتين كم جلسا و تمددا عليهما أيضا قبل سنوات بعيدة جدا تحمل بصمات عمر آخر و زمن آخر لم يتبق منهما سوى أطلال هذا المكان العتيق بكل ما فيه من ذكريات و آمال عريضة كانت تستوعب ألف حياة غير حياتهما الستينية المقبلة نحو خريف العمر المشوب بغموض مستقبل لا يستطيع أيا منهما التكهن بسر من أسراره

قال طلال لصاحبه و هو ينظر إلى ما تبقى من شعر أشيب خفيف فوق رأسه : كل شيء على حاله هنا ..

قال محي و كأنه يكمل له حديثه : إلا أنا و كل من سكنوه .. ثم قال بعد صمت : سوف أقوم لأحضر طعام الإفطار .

ــــ لا ,لا أريد أن آكل شيء , فقط أريد أن أتكلم معك .

ــــ ليس الآن , فأنا جائع ..

تركه و اتجه نحو المطبخ و لكن قبل أن يبلغه قال له الضيف : ألن تسألني عن سبب مجيئي إلى هنا اليوم .

قال محي من دون أن يتوقف : عندما يفلس اليهودي يفتش في دفاتره القديمة

دوت الكلمات في أذنيه مستهزئة منه ومن أفكاره التي قادته إلى هذا المنزل الشبه آيل للسقوط ليختبئ فيه عن عيون الأمريكان الذين صاروا يتعقبون أثره و أثار الكثيرين من أمثاله بعد احتلال بغداد و اختفاء كل قيادات الحزب و الدولة عن الأنظار .. فكر لبرهة بالخروج من الدار بنفس السرعة التي ترك فيها داره في جوف الليل الساهر على دوي الانفجارات و أزيز الطائرات المتواصلين , و لكن الخوف و الإجهاد ألزماه مكانه فقد أحس و كأنه أمسى فاقد القدرة على الحركة تماما , نزع النظارة و وضعها إلى جانبه ثم خلع الكوفية المرقطة ــ الياشماغ ــ من على رأسه و لكنه لم يخرج مسدسيه من قرابيهما المتدليين من كتفيه و المتواريين تحت سترته السوداء , فقد أمسيا يمثلان له الأمان كله في الوقت الحاضر , أشعل سيجارة ثم أخذ ينظر نحو الفراش الموضوع على الأرض في إحدى زوايا الصالة التي راح نور الصباح الساطع يتسلل إليها من خلال نوافذها المشّرعة , و إلى المذياع الصغير المركون إلى جانبه , و إلى عدة كتب متربة كانت متناثرة هنا و هناك هي و كومة الجرائد المصفرة و التي أثارت فضوله أكثر من أي شيء آخر بل و جعلته يتحامل على نفسه من أجل النهوض و الاقتراب منها و كأنه يدنو من بئر عميق مترع بالحكايات ذات الطابع الحزين , صار يطالع العناوين و الصور المختلفة لمن تعاقبوا على حكم العراق خلال حقب متعددة من الزمان الذي مر كسلسلة عواصف هوجاء ظلت تعربد في كافة أرجاءه طوال العقود الماضية حتى قذفت به في نهاية المطاف إلى قبضة أبناء العم سام الحديدية , ازداد تمعنا في ملامح تلك الوجوه الباهتة و كأنه يراها لأول مرة في حياته حتى أقبل محي حاملا صينية مستدرة صدئة حوت على قدحي شاي و طعام إفطار مقنن ما لبث أن وضعها على منضدة خشبية صغيرة وسّّطها الأريكتين اللتين عاودا الجلوس عليها .. اكتفى طلال بشرب الشاي و هو لا ينفك عن النظر إلى رفيق النضال القديم الذي لا زال على نفس عادته التي كان يعرفها عنه في إقباله على الطعام بشهية حتى وإن كان يقبع في زنزانة داخل سجن عالي الأسوار و يحيطه الحراس من كل جانب , تفاجأ محي بضحكات ذلك المسئول الحزبي الكبير إلى وقت قريب جدا فقال له : أضحكني معك بالله عليك فأنا قد اشتقت كثيرا للضحكات الرفاقية الطليعية ..

تجاوز طلال عما في كلام صاحبه من تلميحات و دس و قال : أتذكر لما كنا مسجونين في نكرة السلمان*) ؟ كنت تأكل أكثرنا فتنهي حصتك من الطعام ثم تقبل على حصصنا لتأكلها , و لما كانوا يأخذوك ليعذبوك ترجع لتلتهم كل الطعام المتبقي في الزنزانة و كأن السجانين كانوا يجرون لك تمارين رياضية هدفها الوحيد هو فتح شهيتك للطعام أكثر مما هي مفتوحة , كنت تأكل و تشتم .. تأكل و تشتم ..

ضحك محي عاليا ثم أخذ رشفة من قدحه و قال : و لكنها رغم كل شيء كانت سجون خفيفة الظل و لها روح مرحة نوع ما بالمقارنة مع الجحور التي القاني فيها أصحابي رفاق درب الكفاح الطويل .. بالمناسبة خبرني عن آخر ما حصلتم عليه من أجهزة تعذيب متطورة ؟ أرجو ألا تكونوا قد تخليتم عن الصعقة الكهربائية فهي أساسية في انتزاع الاعترافات .

قال طلال محاولا تغيير ذلك الموضوع المستفز : أنا لا أعرف كيف يمكنك أن تعيش في هذا البيت الكبير لوحدك .

ــــ اعتدت على ذلك خاصة بعد وفاة أمي , أما أبي فلا بد أنك تعرف أنه قد مات و أنا في السجن متحسرا علي .

قال بأسف : رحمهما الله .

نظر إليه محي نظرة عتاب حانقة ثم قال : ألا زلت تتذكرهما يا طلال ؟ ..

قال طلال متنهدا : لم أنسهما أبدا , أعلم أنني قد قصرت في حقهما كثيرا بعد دخولك السجن و لكنني ..

محي مقاطعا : و لكنك خفت على منصبك وحياتك و من أن تعرض نفسك للشبهات عندما يعرف رؤساءك أنك على اتصال بذوي أحد الخونة , خفت تماما كالخوف البادي عليك الآن و كأن الموت يتعقبك أينما ذهبت ..

صمت لوهلة ليقول بعدها : أعرف أنك لم تتوقع أبدا زيارتي هذه و لكني فجأة وجدت نفسي أسلك طريق بيتك لأحتمي به كما احتميت به قبل أكثر من أربعين عاما عندما كان مطلوب إلقاء القبض علي , كنت مطاردا و لا أجد مكانا الجأ إليه و في هذا البيت فقط شعرت بالأمان و أنا أحس بخوف والديك و قلقهما علي و كأنني ابنهما الثاني و لست مجرد صديقك و رفيقك في الحزب رغم أن بيتكم كان أيضا معرض للتفتيش في أي وقت ..

سمع محي يضحك مجددا ليقول بعد ذلك : و لما صممت على الخروج ذات ليلة لتتفقد والدتك التي كانت مريضة في حينها , أعطتك أمي عباءتها لترتديها أولما تقترب من بيتكم حتى تنفذ من المراقبة التي كانت تتربص بك هناك .. و لكن الأمر مختلف الآن .

قال طلال مشدوها : ماذا تقصد ؟ أنني أخطأت بمجيئي إلى هنا اليوم ؟ ... و همّ بالقيام

ــــ لا تكن غبيا و اجلس , ما أقصده هو أن الغد كان أمامنا واسعا بأحلامه و طموحاته , ,كنا نحمل في داخلنا آلام و آماال شعب بل أمة بأسرها و كنا نفتخر دوما بأننا أبناء جيل التغيير الجذري و الشامل لكل ما حولنا , أما الآن فكل شيء أضحى ورائنا و للأسف قد خلفناه مشوها منهارا لا حياة تدب فيه سوى حياة الإرهاب و الاضطهاد و الجرائم المتتالية , لقد نجحنا في فعل شيء واحد هو إثارة سخرية الناس من كل ما دعوناهم في السابق إلى تصديقه بل و التضحية من أجله و لو بأعمارهم التي ضاعت أكثرها لمجرد إرضاء عنجهية كاذبة سرعان ما كشفت على حقيقتها أمام العالم كله و اختفت من الوجود و إلا كيف تفسر لي ما حدث ؟ .. يا رجل أنتم كنتم ترهبون الدنيا كلها بهوسكم الدائم بالحروب و استعدادكم لقهر أقوى الجيوش مهما كانت عدتها وفجأة و من دون سابق إنذار أصبحتم من الماضي , و كأنكم بالون هواء انفجر و تناثرت أجزاءه في كل مكان .

قال طلال وهو يحاول الحفاظ على نبرة صوته المتزنة : للأسف يا محي , لقد تعرض الحزب و القيادة للخيانة و إلا ما كان الأمريكان قد دخلوا بغداد بهذه السهولة و هذه السرعة المباغتة .

غص محي بضحكاته العالية و كأنه سكران أوشك على فقدان وعيه ثم قال و هو لا يزال في قمة انفعاله : مؤامرة , عملاء , خونة , جواسيس .. ألا تملون من ترديد هذه الكلمات المملة ؟ أليست هذه هي نفس الحجج التي حوَلتني من مناضل إلى متآمر مخرب يستحق إقصاءه عن حياتكم الخيرة الشريفة كما فعلتم بكثيرين غيري و على مراحل مختلفة و كأن الغربلة كانت مطلوبة دوما لضمان استمرار الثورة الخالدة , و الآن أيضا تريدون أن تحّملوا غيركم مسئولية كل ما حصل و ما سوف يحصل حتى تريحوا ــــ مستهزئا ــــ ضمائركم ..

كانت الكلمات أشبه برصاصات قاتلة راح ذلك المتجرع لغبن دهر بأسره يطلقها بصورة متواصلة .. قال بنبرة منكسرة حزينة : كفى يا محي كفى أرجوك , هذا ليس وقت تصفية الحسابات القديمة .. و بغض النظر عن كل ما حدث في الماضي فلا بد أنك تتفق معي على أن ما يحصل في العراق اليوم شيء رهيب يفوق حدود التصور .. صمت للحظات ثم عاد ليقول و لكن هده المرة و هو مختنق العبرات بينما كانت الدموع قد بدأت تلمع في عينيه : العراق محتل , أحلى و أعرق بلد في الدنيا محتل ,هل تدرك بشاعة المعنى ؟ إنه الانهيار التام لكل شيء ..

توقع طلال أن يرى محي و هو يجهش بالبكاء إثر سماعه تلك الكلمات المؤثرة منه إلا أنه تفاجأ بقوله: لكل نتيجة أسبابها و نحن قبل أن نصدم بالنتائج و نتباكى عليها لا بد لنا من البحث عن الأسباب .

قال طلال في ضجر و هو يحس بأن قواه آخذة في التهاوي : أنت لا زلت كعادتك لا تمل من النقاش أبدا و أنا متعب جدا فلقد مضى على يومان كاملان لم أذق فيهما طعم النوم .

قال محي و قد أدركه بعض الإشفاق عليه : ادخل غرفتي و نم و أنا سوف أتركك حتى تستيقظ لوحدك .

ــــ و إن لن أستيقظ أبدا ؟

ــــ لا تكن كئيبا هكذا , فما حصل قد حصل على كل حال .. المهم ماذا بعد ذلك .

ــــ فعلا , المهم ماذا بعد ذلك ..

قال تلك الكلمات بطريقة أشبه ما تكون بالهذيان ثم نهض من على الأريكة متثاقلا فمشى بخطوات مترنحة نحو غرفة النوم صديقه حتى دخلها غالقا بابها وراءه حيث نزع سترته و القرابين اللذين كانا يثقلان كتفيه و كأنهما جبلان رزحا فوق كاهله العمر بأسره , و حالما خلع حذاءيه رمى بجسده الخدر على الفراش الذي كان يتوسط الغرفة ذات الأثاث البسيط المخلع , و لأول مرة منذ عهد بعيد جدا انسابتا دمعتان حارتان من عينيه المحمرتين قبل أن يغمضهما ليغط في نوم صار من أعز أمانيه مؤخرا و يا حبذا لو إنه جاء و برفقته بعض الطمأنينة, و رغم ما راودته من كوابيس غريبة و مخيفة أيقظته فازا من نومه عدة مرات غير أنه لم يستيقظ تماما منتزعا النوم الثقيل من عينيه إلا في الليل الذي لا يضيئه سوى ضوء القمر المنساب عبر الشباك حالما تفك الغيوم المتجمعة من حوله حصارها الخانق عليه .. ورغم أن الهواء كان لا يزال يحتفظ بشيء من العذوبة إلا أن العرق البارد كان يتصبب بغزارة من جبينه و عنقه و صدره , نظر إلى ساعة يده محاولا معرفة الوقت و لكنه لم يستطع ذلك , و بعد لحظات من الشرود المستكين لآلام شتى توزعت في سائر أنحاء جسده هب فجأة قافزا من على الفراش و كأنه قد اكتشف للتو بأن هناك أفعى في ذلك الفراش , أراد أن ينير المصباح و لكن التيار الكهربائي كان منقطعا عن الحي بأكمله فراح يبحث عن مسدسيه في الظلمة التي زادته إحساسا بالضياع في لجة الفراغ الشاسع الذي أدركه من حوله , و ما أن وجدهما ساكنين في قرابيهما كما تركهما حتى زفر أنفاسه بقوة و هو يعيدهما إلى موضعيهما حول كتفيه , عاد إلى السرير ثانية و كأنه ودّ معاودة النوم غير أنه أبى الاستسلام لكل ما يعانيه من كسل و خنوع لأعراض الهرم المبكر التي صارت تواتيه خلال الأيام القليلة الماضية , فنهض من جديد مقبلا نحو الباب ـــ ناسيا ارتداء سترته ـــ إلا أن يده جمدت على مقبضه عدة لحظات قبل أن يفتحه و كأنه أراد التصنت إلى صمت الصالة قبل الخروج إليها متعثرا و الجلوس على نفس الأريكة التي كان جالسا عليها في الصباح , أشعل سيجارة تلو الأخرى بأعصاب ثائرة مضطربة و ذهن مشتت لا يقوى لحد الآن على استيعاب حقيقة كل ما جرى و كيف انقلبت تلك السفينة الشامخة بأشرعتها العالية بكل راكبيها من بعدما استطاع أن يؤّمن لنفسه مكانا حاول قدر الإمكان أن يجعله متميزا فيها حتى يأمن عاقبة الأيام الماطرة و عواصفها التي اعتادت الهبوب على تلك السفينة و التي كانت تغير اتجاهاتها و سرعتها حسب أهواء الربان وقراراته الارتجالية في غالبيتها , وكم حاول جاهدا تطويع نفسه لإرضاء تلك الأهواء و القرارات و بأي ثمن كان , و كم من مرة أضطر فيها إلى انتزاع الأمكنة من غيره بطريقة أو بأخرى , فلم يكن يفكر بشيء سوى الوصول إلى أقصى ما كان يمكنه الوصول إليه لاسيما و أن طموحه لم يكن يقف عند حد معين فشهوة السلطة حينما تتملك إنسان تحوله إلى عبد خاشع خاضع لها وحدها من دون سواها .. عبد يسخر لها كل أوقاته و كل طاقاته و َمَلكاته التي لا تلبث أن تتطور كل يوم بل و كل ساعة أيضا لتتجسد و تتضخم عن طريقها صفة الأنا المرضية أمامه بصورة تطغى على كل شعور آخر لديه و لتؤكد له أنه ماض في طريق لا سبيل للتراجع عنه خطوة واحدة , ذلك الطريق الذي لا يمكن أبدا أن تكون تلك نهايته وإلا فأنه يكون قد أضاع حياته كلها هباءً , و ذلك ما لا يجب أن يسمح به بأي حال من الأحوال .. لا مفر إذن من الانتظار حتى تهدأ الأمور قليلا ليلتحق عندها برفاقه في أوكارهم السرية التي كانوا قد اتفقوا على التجمع فيها قبيل انتهاء الحرب حينما بدأت تتضح لهم معالم تلك النهاية المفجعة التي زلزلت الأرض من تحت أقدامهم المثبتة عليها بكل ثقة منذ عقود خلت , نعم .. و ليكن سعيهم الأخير لاسترداد السلطة و بأي شكل كان بمثابة مقامرة كبرى يكون الرهان فيها على حياتهم فأما تمكنوا من استعادة كل شيء و أما ... و أما فلا داعي لوجودهم أصلا في هذه الدنيا , حينئذ يكون الموت هو خلاصهم الوحيد من ما يمكن أن يواجهوه من مصائر مجهولة العواقب بعد كل الهيلمان الذي كانوا فيه ..

نادى على صاحبه عدة مرات بصوت عالي فلم يرد عليه سوى الصدى المتضخم ما بين الجدران العالية , انتابته قشعريرة سرت في كل بدنه عبرت عما شعر به من خوف ألقاه في نفسه ذلك المكان المتداعي البنيان و كأنه قبر يضمه , قبر قد أتى إليه بمحض اختياره , أكان ذلك بمثابة فخ استدرجته الأقدار إليه لتقتاده بعد ذلك إلى حتفه النهائي .. قال ضجرا من قتامة أفكاره : لا أعرف إلى أين يكون قد ذهب ذلك العجوز الخرف .. يا الهي ما أكثر ما يثرثر .. لا إنها ليست مجرد ثرثرات بل هي شماتة , شماتة شخص حاقد موتور فرح بكل ما حصل و سيحصل في بلاده بعدما أمضى أكثر سنوات عمره معتبرا أن همومها هي كل همومه الشخصية و لها الأولوية قبل كل شيء آخر فلا معنى لحياته إن لم تكن مكرسة بالكامل لخدمة مصالحها و مصالح كل فرد من أهلها , صار كل ما يهمه الآن هو انهيار النظام و تهاوي دعائمه و تشتت قياداته و كأن كل السنوات التي أمضاها في المعتقل و السنوات التي عاشها بعد ذلك منعزلا عن الدنيا جعلته إنسانا آخر فاقد الإحساس بالكامل , و أنا لم أجد مكانا أذهب إليه غير هنا ؟ أليس من الممكن أن يكون قد خرج ليبلغ عني ؟ فيحصل على مبلغ لا بأس به من المال يعينه على فقرة البائس هذا و في نفس الوقت و ذلك هو الأهم يكون قد تمكن من الانتقام مني لأنه في حقيقة الأمر يعتبرني من ضمن المسئولين عن ضياع مستقبله و تدمير حياته برمتها .. على كل حال لا يجب أن أبقى في مكان واحد أكثر من ليلة أو ليلتين فذلك فقط ما سوف يشعرني ببعض الأمان و إن كنت قد كبرت كثيرا على مثل تلك الأمور ..

بعد وقت قصير تفاجأ بمحي و هو يقول له : لمَ تجلس في الظلمة ؟ ألا تعرف أن تشعل شمعة أو توقد فانوس ؟

أجاب باندهاش : من .. محي ؟ كيف دخلت من دون أن أشعر بك ؟

وضع الكيس الذي كان يحمله على الأريكة قرب صاحبه ثم قال و هو يتلمس الأثاث من حوله حتى وصل إلى الفانوس الذي أوقده : لا بد أنك كنت شارد الذهن ..

ــــ أين كنت ؟

ــــ بعدما أغلقت الدكان ؟

قاطعه قائلا : أي دكان ؟

ــــ دكان البقالة القريب من البيت وإلا من أين كنت سأعيش برأيك .. المهم , أردت أن أشتري عشاء لنا من مطعم قريب و لكنني وجدته مقفلا كغيره من المطاعم و المحلات و حتى الطرق , فالدبابات و المدرعات تجتاح أغلب الشوارع الرئيسية المزروعة بالألغام منها ما انفجر و منها ما ينتظر دوره بعد , و بأشلاء القتلى المتناثرة هنا و هناك و لكني رغم كل ذلك قد تمكنت من شراء الطعام وزجاجة عرق مغشوش .

ـــ عرق ؟ أتنوي أن تشرب حتى تسكر كعادتك ؟

ــــ بل نسكر معا يا صديقي لكي ننسى كل شيء فكلانا بأمس الحاجة إلى النسيان الآن أكثر من أي وقت مضى .

ـــــ أتعتقد أن الشرب سوف ينسينا فعلا أم أنه سوف يحيي فينا الأحزان أكثر فأكثر ؟ لأنه سوف يفقدنا السيطرة على انفعالاتنا بصورة تامة .

ــــ أنالا أعرف ممَ أنت خائف ، على كلٍٍِِِِِِِ لنجرب و نرى فليس معنا أحد نخشى إظهار انفعالاتنا و نقاط ضعفنا أمامه .

رغم هاجس الشك و الريبة الذي يتملكه إلا أنه شارك مضيفه الطعام و الشراب حتى الثمالة حيث علت القهقهات المنتشية في كل أرجاء المنزل القابع في ظلمة و سكون غير متناهيين , و كأنها كانت تسابق أصوت الانفجارات في الخارج .. تناثرت ذكرياتهما خلال تلك الجلسة حول مواقف شتى جمعتهما معا من قبل أن يقصيهما عن بعضهما سيف الزمن الحاسم , فقص طلال و هو بالكاد يغالب ضحكاته قصة المنشور السياسي الذي كان يكتبه محي في أحد أوكار الحزب السرية حيث أبلغه أحد الرفاق مذعورا بأن رجال الأمن قد أتوا لمداهمة المكان ففر قافزا من أحد الشبابيك ثم راح يركض بعدما خبأ المنشور من دون طيه تحت قميصه الأبيض الذي سرعان ما اصطبغ بلون الحبر المسال مع العرق الغزير على صدره و بطنه حتى أنهم قد أسموه بعد ذلك بصاحب العَرق الأسود , عندها أجابه محي بقصة أخرى يتذكرها عنه فظلا على هذه الحال حتى اخترق هدير دبابة تعقيها مدرعة مرتا من أمام باب البيت مسامعهما فحط عندها طلال قدحه بقوة على الطاولة و قد امتقع وجهه بصورة كبيرة و مخيفة إذ ظن أنهم قد جاءوا لإلقاء القبض عليه و اقتياده إلى سجن المطار ,همّ بالنهوض ليحاول الهرب عبر سطح الدار إلى سطوح الدور المجاورة فلا يتوقف عن الجري لحظة واحدة حتى يصيح بمأمن عن الخطر المحدق به , و إن حصل و وجد نفسه محاصرا من كل الجهات فسوف يبقى يقاوم حتى تنفذ آخر طلقة لديه و لتكن تلك نهايته فمهما يكن هي بالتأكيد خير له من أن يمضي سنوات عمره المتبقية سجينا في غياهب معتقل يتجرع فيه و لو النزر القليل مما كانوا يذيقونه رجاله لضحاياهم , إلا أن شيئا من كل ذلك لم يحدث فالهدير القوي قد أخذ بالتهاوي في جب الليل العميق ليخلف السكون داخله و العرق البارد المتصبب من فوق جبينه , لاحظ محي شدة ارتباكه و ذعره فقال له : أعرف ما تشعر به الآن فلقد جربته من قبلك كثيرا بعد خروجي من السجن كلما أقبل الليل و أنا غارق في صمتي و وحدتي و أحزاني عند أي طرقة باب أو رنة جرس , عندها كنت أقول انفسي أنهم قد ندموا على إطلاق سراحي و جاءوا لاعتقالي ثانية .

أجابه : والآن انتهت كل مخاوفك و ها قد جاء دوري لأدخل نفق الخوف المعتم .

حاول محي الهاء صاحبه عن هموم محنته و لو لبعض الوقت فسأله : نسيت أن أسألك عن زوجتك أمل و الأولاد , عماد و مها و حسن .. نعم تلك هي أسمائهم , أليس كذلك ؟ أكيد أنهم قد كبروا الآن و نسوا عمهم محي الذي طالما لاعبهم و أجلسهم على حجره .

ــــ مها الآن متزوجة و لديها بنت عمرها سنتين و الحمد لله أن زوجها ليس له علاقة بالسياسة و لا بالمناصب وحسن لا يزال طالبا في الكلية و قد سافر مع والدته قبيل الحرب إلى عماد في الإمارات .

ــ هل يعمل هناك ؟

ــــ نعم فلقد كوّن شركة تجارة عامة في دبي مع اثنين من أصحابه منذ أكثر من أربع سنوات .

قال محي محدثا نفسه : شركة تجارة في دبي , بارك الله في جيل الثورة الباسل الذي يوظف أموال قادة الثورة الشرفاء في الخارج .

عاد طلال للنوم في غرفة محي الذي استلقى على الفراش الموضوع على الأرض في الصالة و دوي الانفجارات المتزايد يكاد أن يصم أذنيه حتى بات يعتقد أن كل الضرب ذاك إنما يستهدف بيته من دون أي مبنى سواه , إلى أين سوف يمضي هذا الحال بالعراقيين ؟ و إلى متى سوف يستمر؟ سؤال حيرته الإجابة عليه كثيرا ليس من بعد انتهاء الحرب فقط بل من قبل ذلك بأعوام و أعوام , منذ أن كان من ذوي المناصب الهامة إلى حد ما سواء في الحزب أم في الدولة و حينما كان يرى كل شيء و هو يتغير من حوله بسرعة غريبة و مثيرة للقلق , فكان كمن يركب سيارة معطلة الكوابح تسير به على طريق جبلي شديد الانحدار بسرعة كبيرة جدا حتى فقد السيطرة على مقودها فلم يكن يستطيع فعل شيء سوى انتظار لحظة الارتطام المميتة , و قد جاء ذلك الارتطام ليكون من ضمن الارتطامات المتتابعة التي تحطمت من خلالها معاني و قيم كثيرة كانت مبعث الحياة لديه و لكثيرين غيره في حين إنها كانت مدعاة سخرية خفية في نظر آخرين كانوا ماهرين إلى حد يفوق الوصف في التسلق الطفيلي حينا و خبراء في التواري خلف واجهات الشعارات الرنانة أحيانا كثيرة أخرى ...

ما إن أغمض عينيه حتى استيقظ على صوت طلال الذي راح يناديه ثم أخذ يهز كتفه فقال له : ماذا تريد ؟

قال طلال و قد بان أثر السكر على لسانه فأثقله : عندي لك سؤال لا أستطيع النوم قبل أن تجيبني عليه .

ــــ ما هو هذا السؤال يا متعب الماضي و الحاضر ؟

تربع أمامه على الأرض و قال : أنت لمّ قبلت إيوائي عندك رغم أنني كنت من ضمن من تحملهم مسئولية كل ما حصل لك و للبلد ؟ يعني ألم تراودك فكرة الانتقام مني باعتباري أحد رموز النظام البائد كما صاروا يسمونه الآن ؟

ــــ كيف أنتقم منك ؟ أقتلك بأحد مسدسيك اللذين كنت تحملهما مثلا ؟ أنت لو لم تكن مطمئنا لي و تعرف جيدا أن الغدر لم يكن يوما من طبعي و لن يكون أبدا لما كنت قد جئتني أو حتى فكرت بذلك منذ البداية .

ــــ على الأقل اسألني عن ظروف اعتقالك لعلي أقول لك من الذي حفر لك الحفرة التي وقعت فيها و قضت عليك .

ــــ ذلك الأمر قد حيرني كثيرا و أنا داخل السجن و حتى بعد خروجي منه و كم اشتقت لأن أستمع إلى تفسير أو اعتراف من أيِِِِ كان لعلي أحصل بعد ذلك على شيء من الراحة و السكينة و لكنني و بعد مرور كل هذه السنوات أدركت أن كل ذلك لم يعد مهما على الإطلاق , فما الفرق إن كان هذا أو ذاك قد حفر لي تلك الحفرة التي تتحدث عنها أو حتى إن كنت أنت نفسك ؟ فخيبة الأمل و المرارة واحدة في كل الأحوال ..

قال طلال بعصبية شديدة و كأنه قد تلقى للتو إهانة كبرى لا يمكنه السكوت عليها : أنا ؟ .. و هل يمكنك أن تصدق هذا الجنون و لو للحظة واحدة ؟ ثم أنا كنت خلال تلك الفترة في مهمة خارج العراق إن كنت تذكر و عندما عدت صعقت بالخبر و الله يعلم كم حزنت عليك فنحن كنا دوما أكثر من أخوين و لكنني في نفس الوقت لم أستطع أن أفعل لك أي شيء فأنت تعرف كيف إننا كنا مكبلين و مراقبين في كل تصرف أو حتى حركة أو إشارة .

ــــ أنا لم أتهمك حتى تبرر لي كل هذا التبرير , فكما أخبرتك أن كل ذلك لم يعد مهما بالنسبة لي الآن , ثم إن المسألة ليست مسألة محي أو غيره بل أنها مسألة مرحلة بأكملها مسخت ملامحها و تشوهت إنجازاتها و كأننا شيدنا بنيان شاهق الارتفاع و لكننا نسينا في غمرة حماسنا أن نضع له الأساس المتين فأنهار حجرا تلو الحجر فوق رؤوسنا جميعا , إياك أن تتصور إن السقوط الحقيقي بدأ قبل أسبوع أو أكثر بل إنه قد بدأ منذ أمد بعيد جدا حتى إنني لم أعد أعرفه بالتحديد , ربما بعد سنوات أو حتى عقود سوف نتمكن نحن أو الأجيال القادمة من معرفة و فهم الحقيقة المجردة لكل الأحداث الغريبة التي حدثت في زمن للأسف رحل و لن يعود أبدا , و عندئذ سوف يكون الحكم للتاريخ وحده دون سواه الذي أرجو أن ينصفنا ليكون على الأقل هناك معنى لحياتنا فلا يضيع كل شيء و من دون أي ثمن نجنيه حتى بعد مماتنا ... و الآن اذهب و نم و دعني أنام فمن يعرف من سوف يدق بلب بيتي من الرفاق في صباح الغد الباكر .

ـــــ و نعود للتجمع في بيتك من جديد كما كنا نفعل في السابق تماما .

ضحك و قال :نعم و لكنني هذه المرة سوف أترك لكم البيت و أرحل .

قال طلال و قد اكتنفت حماسة الثوار فجأة نبرة صوته : و لكننا سوف نعود يا محي , بكل الطرق سوف نعود لنمسك بزمام الأمور من جديد , أقسم لك و سوف ترى .

دوى صوت انفجار هائل اهتزت له كل أرجاء المنزل فقال طلال مفزوعا : ما هذا ؟

قال محي ضاحكا : لا شيء سوى بوادر عودتكم المجيدة .

في الصباح الباكر استيقظ محي فلم يجد من أثر لضيفه سوى عدة مئات من الدولارات وضعها له فوق وسادة سريره و كأنها ثمن إقامة الليلة التي أمضاها عنده .. أمسك تلك الأوراق النقدية بعصبية كبيرة و همّ من فرط غيظه بتمزيقها ردا على الإهانة التي شعر بها جراء ذلك التصرف الخالي من الذوق , إلا أنه ما لبث و تراجع عن عزمه و بعد ثوان من التفكير صار في الشارع ليدس كل ورقة من تلك الأوراق تحت عقب باب من أبواب بيوت جيرانه الخارجية ممن يعرف عنهم فقر الحال و من دون أن يلفت انتباه أحد لاسيما و أن الحركة لم تكن قد دبت في الشارع بعد معتبرا تلك النقود الأمريكية إنما هي من آخر مكرمات القيادة الحكيمة لهذا الشعب الصامد الصابر على محنه المتتالية واحدة إثر أخرى , عندها و لأول مرة منذ سنوات طويلة فد تكون عمر بأكمله أحس بنبض الحياة يعود إليه من جديد محمَلا بأماني الزمن البعيد كلها قبل أن يتم مصادرتها منه و من كل جيله المنتظر و منذ عقود إنصاف الزمن الجديد ...

* نكرة ( نقرة ) السلمان معتقل سياسي قديم في العراق تم إغلاقه منذ عقود .

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

أحــــمــــد غــــــانــــــــم عـــــبـــــد الـــــجــــــلــــيـــــل

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007