[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
التعلق بقشة 
التاريخ:  القراءات:(4296) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
التعلق بقشه

رن جرس الهاتف فرفعت الوالدة السماعة ليصل الـى أذنـها صوت أم حسام ـ جارتـهم القديمة والمقيمة منذ خمس سنوات في عـمان ـ و بعد السلامات المتبادلة والأشواق الحارة راحت تلك الجارة تخبرهـا عن ابن شقيقها هيئم المقيم فـي كندا منذ أكثر من خمسة عشرة سنة اذ كان قد كلمها عبر الهاتف ليقول لها انه سوف يحضر الى عمـان أوائل شهر أيلول القادم وقد طلب منها ان ترشح له فتاة خلوقة من عائلة محترمة ليقترن بـها لأنه يصر ألا يتزوج من غير عراقية حتى لا يكرر فشل تجربة زواجه الأولى من فتاة كندية لم تدم سوى عدة أشهر ثم اردفت : و أنا لم أجد أحسن من ابنتنا سمر لتكون من حـظه ونصيبه فلو تكرمـتـما أنت وهـي و جـئـتـما الى عـمـان لتشرفاني في شقتي لمدة شهر مثلا لنرى بعضنا على الأقل بعد كل سنين الفراق التي مرت علينا و الله يوفق للذي فيه خير للجميع ...

لم تسألها والدتـها لماذا لا يأتي الباحث عن زوجة عبر المحيطات ذاك بنفسه ليخطب ابنتها الوحيدة من بيت والدها كما جرت العادة وحسب الأعراف المتبعة منذ قديم الأزل , فهي تعرف بأنه قد سافر من العراق تحت اسم مستعار و بجواز سفر مزور و رغم انه يحمل الآن الجنسية الكندية الا انه لا يود المخاطرة بالرجوع الى ارض الوطن و لا لأي سبب من الأسباب , كادت الأم أن ترفض الفكرة من الأساس الا أن أم حسام لم تعطـها الفرصة لذلك فقد أخذت تعدد لـها مزاياه الأخلاقية و المادية و المكانة العلمية التي وصل اليها هـناك فـهو أستاذ متخصص في مجال الألكترونيات و لديه من الامتيازات ما لم يحصل عليها أي شخص في مثل عمره ... أصمتـتـها هذه المرة عبارات المديح المسهـبة و لما سألنـها جارتـها السابقة عن رأيها النهائي طلبت منـها فرصة للتفكير و أيضا لمشاورة أبنتـها صاحبة القرار الأخير في مثل ذلك الموضوع الذي سوف يحـدد مصيرها الى الأبد , و لقد طالت فترة ترددها قبل أن تفاجيء سمـر بالأمر الذي أدهشها حينا ثم أثار سخريتها حينا أطول ما لبثت بعده أن عادت الى الاستغراب من جديد من طريقة تفكير والدتـها تلك التي لم تستطع ان تقتنع بها رغم كل محاولات الاقناع و الاغرائـات الكثيرة التي راحت تسمعها لساعات و ساعات فقد أخبرتـها الأم المتفائلة في الغد خير أنـهاـ أن تم ذلك الزواج ـ سوف تنتقل الى حياة أخرى لا حدود تحد آفاقـها الرحبة و أي حلم صعب في حينـها سيصبح في متناول اليد , فيمكنـها مثلا معادلة شـهادتـها الجامـعية و ربـما أيضا التقديم الى الدراسات العليا و أما بالنسبة لـهما ـ والديـها ـ فأن بأستطاعتها زيارتـهما كل فترة أو حتى ارسال دعوة لهـما لزيارتـها في بلاد ما كانـا يحلمان بأن أقدامـهما سوف تطأ أرضـها يومـا ..

في اليوم التالي و تـهربـا من الحاح والدتـها ذهـبت الـى بيت صديقتـها هيـام فأخبرتـها بكل تلك التطورات المفاجئة التي أربكت لـها كل دقيقة من دقائق ساعاتـها الأربع و العشرين الماضية , فقالت لـها هـيام التي كانت تتياهـى دومـا بـمزايا تفكيرهـا الواقعي : و ما الغريب في الأمر ؟ على العكس أنا أجدهـا فرصة جائتك و لا يمكنك رفضها أبـدا.

قالت سمر : المفروض أن يسعى الرجل الى من يريد أن يتزوج..

قاطعتـها هيـام و في نبرة كلامـها شيء من السخرية : و يتحمل كل المخاطر و الصعاب من أجل أميرتـه النائمة , أليس كذلك ؟ لا يا حبيبتي فالموازين كلـها قد تغيرت الآن , وكما أن كثير من الشباب صاروا يبحثون عن فرصة للسفر ليسابقوا الدنيا و يصارعوهـا لتحقيق و لو بعض أحلامـهم علينا نحن أيضا البحث عن سبيل للـهروب من السفينة الغرقى و التعلق بأي قشة يمكن أن تصل أليـها أيدينا و ما أوسع القشة التي بين يديك الآن , قشة يمكنك أن تتمددي عليـها ما شئت من دون أن يزاحمك فيـها أحد .

ـ و لكن عمره ستة و أربعون سنة أي أنه يكبرني بأكثر من عشرين سنة

ـ و أن يكن .. ألا يعيش في كندا؟ أذن هو أكثر شبابا من أي شاب في سن الثلاثين يحيا في ظل الحصار.

ـ و ..

ـ من؟ .. يوسف ؟..عيبك أنك تستغرقين في الحلم أكثر من اللازم , صديقتي أن حب الكلية و الجلسات في ناديـها و الكافتيريات شيء و الزواج و البحث عن ضمانات للحياة شيء آخر و يوسف أنت أدرى بظروفه مني .. أنه لا يكاد أن يستقر في عمل حتى يتركه ليتشبث بغيره .

كم مرة خلال السنتين الماضيتين تعاركنا و تخاصمنا و أقسم كل منا أنه لا يود رؤية الآخر ثانية و لكننا في كل مرة كنا نعود لللقاء من جديد و بلـهفة و شوق أول جلسة حب صريح جمعتـنا.

ـ هل تسمين هذا حب أم .. مجرد تعود ؟ .. أسمعيني جيدا , الكل اليوم يتطلع الى الدولار و ليس الى الدينار .

لعل من حسن حظ والدتـها التي لم تـمل أبـدا من الالحاح عليـها في ذلك الشأن , أن شقيقـها كان في تلك الفترة يقضي أجازتـه السنوية في بغداد حيث كان يعمل مـهندس لدى شركة نفط في ليبيا , فقالت لاينتها :أ رأيت كيف أن الله يسهـل لنا الأمور ؟ لأنه يعرف ما فيه خير و صالح لك حتى أكثر من نفسك , إننا سوف نسافر مع خالك عند عودتـه ا لـى ليبيا فـهو مـحرم لكلتينا و أكيد أنـه سوف يصر أن يدفع لنا بدل السفر .

قالت سمر بعد تـحير: و على فرض اننـي وافقت , فكيف سوف نقنع أبي برحلة صيد العريس هـذه ؟

ـ سوف نقول له أن أم حسام دعتنا لقضاء شهر عندهـا حتى نرى ما سوف يستجد هناك .

و هل سيوافق برأيك ؟

ـ و لم لا ما دام لن يغرم أي مبلغ من المال ؟ .. و حتى مصاريفنا هناك سوف أتدبرها بمعرفتي و لن أحمله أي شيء أبدا.

ـ هل سوف تستدينين من خالي أيضا ؟

ـ أنا أخته الكبرى و هو يحبني و لن يرفض لي أي طلب مهما كان.. لا تشغلي بالك أنت بشيء , فقط حاولي أن تفكري جيدا و أن تعرفي ما هو الأنفع لك ليس اليوم و الغد بل طوال العمر .

كم شعرت بضعفها و هي مطالبة بسرعة اتخاذ قرار لعله يكون الأهم و الأكثر جرأة في حياتـها كلـها و للتهرب من كل ما تواجـهـه من ضغوط لم تجد بدا من الاتصال بيوسف في محل عمله الأخير حيث طلبت منه أن يلتقيا في أقرب قرصة ممكنة ... كان انتظارها له في الكافتيريا المفضلة لديهما انتظارا قلقا ملولا ظنته لوهلة انه لن ينتـهي أبدا , و لما جاء و جلس بجانبـها ظلت تتأمله طويلا و كأنـها تراه لأول مرة في حياتـه فأنتبه هو لذلك فقال لها : طلبت أن نتقابل لتظلي صامتة طوال الوقت ؟ ماذا بك ؟

قالت : لا شيء , كلمني أنت عن أخبارك .

تنـهد و قال : ليس هناك أي جديد , نفس ظروف العمل التعسة و كساد السوق الذي لا يرضى أن ينشط أبدا .

ثم أخذ يسهب في شكواه لـها ـ كعادته مؤخرا ـ من نحس حظه في التجارة و في أي عمل يحاول من خلاله تحسين وضعه المادي ..و..و..و...كل هذا وهي شاردة عنه في ذكرياتـهما الأولى تارة و في كلام أمـها وصديقتـها تارة أخرى .. و فجأة قالت له بأنفعال : كفى.. أنا لست منديلك الذي اعتدت أن تمسح به دموعك بلا توقف.

ـ قال مستغربا : سمر أنت غريبة جدا اليوم و لست على بعضك , قولي لي هل هناك شيء حصل ؟ ..

أخفضت رأسـها لتـهرب بعينيـها اللتين طالما تغزل بـهما من عينيـه ,ثم قالت بصوت واهـن : لا لم يحصل أي شيء اطلاقا , و لكني .. و لكني صرت عصبية جدا في الفترة الأخيرة ,أرجوك لا تزعل مني .

أشعل سيكارة و أخذ ينفث أدخنتـها بـحرقة , ثم قال : أعرق أنني أثقل عليك بمشاكلي التي لا تـحل أبدا مضت على علاقتنا الآن ست سنوات و ليس هناك أي جديد و لا أحسبه سوف يكون ما دام الحال باق على ما هو عليه .

ـ ماذا يعني هذا ؟ أتريد قطع علاقتنا مجددا؟

ساد بينـهما صمت مثقل ياليأس وضع حدا له بقوله لها و هو يقرب وجـهه من وجـهها : مهما يحصل أريدك أن تعرفي أنني سوف أبقى أحبك كما لو لم يحب شخص أي فتاة من قبل ..

ـ و كأن لديك شيء تريد أن تقوله و لكنك متردد .

عاد الى الصمت العميق و كأنه ما عاد قادرا على نطق أي كلمة فأحست بأنـها و كل مشاعره نـحوها صارت تشكل عبئا ثقيلا يـحط على كاهـله بعد أن كان حبه لها طوال السنوات الماضية زهو كل حياته , أو أن ذلك كان وصفا دقيقا لما تعانيه و أدركته هي في تلك اللحظة بالذات ؟.. ترى لم أرادت لقائه فعلا ؟ أمن أجل أن تتخذ من حبـهما جذورا تزيد من تثبيتـها في مكانـها فلا تقتلعـها أي هبة ريح لتسفرها الى آخر بلاد الدنيا ؟ .. أم أنـها أرادت التأكد من قول صديقتـها هـيام عندما أخبرتـها أن ما يربطـها به هو مـجرد تعود و ليس حبا حقيقيا كما كان أيام الكلية فتتـحرر عندئذ من كل قيد قد يعيقـها عن التفكير بمستقبلها الحقيقي الذي ينتظرها وراء الحدود ؟ ..

رغم أنـها كانت تشعر أن ذلك اللقاء ربما يكون الأخير بينـهما الا أن برودا غريبا لم تدرك سره انتاب عواطفـها تجاهـه , و بنفس البرود ودع كل منـهما الآخر و كأنـهما قد قررا في ذات الوقت انـهاء دوريـهما في مسرحية متباطئة الأحداث بل جامدة في كثير من الأحيان , و رغم ما شعرت به من ارتياح لانتـهاء الموقف بينـهما بـهذه السرعة و السهولة الا أنـها أيضا كانت مغتاظة جدا من السلبية الشديدة التي وجدتـها فيه , فقد تـخلى عنـها بمنتـهى البساطة و كأنه أتى للقائـها خصيصا من أجل هذا الغرض فقط .. قالت لنفسها و هي في طريقها الى البيت مختنقة بعبراتـها : لعله هو أيضا وجد من يعطيه دروسا في الواقعية التي تجعلنا مجبرين على التعامل معها متناسين كل أحلامنا و أمانينا الماضية .. ثم راحت تقول لنفسها بعد ذلك و هي تحاول تهدئة أعصابها الثائرة : ما الذي كان بمقدوره أن يفعله غير ذلك ؟ ..أكنت آمل أن يجد حلولا سحرية و بصورة مفاجئة لجميع مشاكلنا بمجرد حصول موضوع خاطب كندا المحتمل وليس و ليس الأكيد حتى ؟ ..

تفاجئت بعد أيام والدتـها ليس فقط بقبولـها بل بأصرارها على رحلة الأردن فقد كادت أن تفقد الأمل مِؤخرا في موافقتـها حتى أنـها فكرت بأن تتصل بأم حسام لتعتذر لـها عن قبول عرض الضيافة الكريمة في شقتـها و عرض الزواج الذي لم يتقدم به ابن شقيقتـها بعد .

أخذت تقتنع يوما بعد الآخر بأن القدر يدفعـها دفعا بأتجاه ما كانت ترفضه و بعناد شديد في البداية , فكل شيء راح يجري حسب رغبة والدتـها و بطريقة أيسر حتى مما كانت تتوقع .. اذن كل ما تبقى لانجاح الخطة ـ ان صحت التسمية ـ مرهون بـها فعليـها تقع مهمة اقناعه بأن يتخذها زوجة له .. قالت لها صديقتها هـيام ذات مرة ساخرة : اسئلي عمته عن كل ما يفضله فأن كان مثلا يحب الاحتشام البسي له الطويل و الفضفاض و ان كان على عكس ذلك فعليك أن تبهريه .. { و راحت تضحك }

عندها أجابت بأنزعاج : أنا لست مهرج في سيرك عليه أن يخطف أنظار سيادته بحركاته البهلوانية التي لا تسكن لحظة واحدة , و لست بائعة هوى لأروج له بضاعتي بـهذه الطريقة .

كانت أم حسام تسكن لوحدها في شقتـها القريبة من شقتي ولديـها المتزوجين , و رغم حفاوة ترحاب المرأة الكبيرة في السن بـهما و بـها بشكل خاص الا انـها و رغما عنـها صارت تشعر في أوقات كثيرة بشيء من التحفظ تجاهـها ما لبثت أن أحسته تلك الجارة المحبة فسألت والدتـها عما يكون يكدر صفو العروس الجميلة و يجعلـها على غير عادتـها المرحة و التي لازالت تذكرها عنـها لحد الآن .. فقالت لـها والدتـها : لا شيء .. انـها فقط تشعر ببعض الحرج من طبيعة الموقف الذي لم يخطر على بالـها يوما, أنت تفهمين طبعا .

ما أن سمعت المرأة ذلك الكلام حتى نادت سمر التي كانت في غرفة النوم , ولما جائت دعتـها الى الجلوس الى جانبها فأحتضنتها و قالت لـها : اسمـعي يا حبيبتي .. ان أمك أعز علي من أختي و أنت بمثابة الابنة التي لم أرزق بـها و لولا حبي لابن أخي هيثم و تعلقي الشديد به و معرفتي انه سوف يصون هذه الجوهرة الغالية لما فكرت في مكالـمة والدتك و مفاتحتـها بالموضوع انـما أردت أن أوفر لكما المكان الذي تلتقيان فيه لأنني متأكدة جدا من أن كلا منكما سوف يسعد الآخر السعادة التي يتمناها , و لقد قاسى المسكين كثيرا و عانى ما عاناه من قلق و خوف و اضطهاد بسبب مماطلته في الالتحاف بجهاز المخابرات , و من ثم سفره و غربته و مصاعب جمة واجـهها حتى وصل الى ما هو عليه الآن .

قالت سمر في خجل : نعم يا خالة و لكن ماذا سوف يقول عني ؟ أجئت الى عمان لأعرض نفسي عليه ؟

قالت المرأة في لهجة محذرة : اياك أن تفكري بـهذه الطريقة ... ثم راحت تحلف لـها بأن أحدا لم و لن يعرف أي شيء سوى انـهما قد جائتا عندها لغرض الاصطياف ليس الا و ان كل شيء سيبدو أ مام هيثم طبيعيا و كأنه قد حصل بمـحض و ليس غير ذلك, جلبت لـها بعد ذلك ألبوم الصور و وضعتـه بين يديها و دعتـها لتقليب صفحاتـه فيما راحت هي تشير لـها بأحد أصابعـها الى وجـهه في صور مختلفة جمعتـه مع آخرين , و رغم ان تلك الصور كانت ملتقطة له في حقب عمرية مختلفة من حياته الا أنـها لاحظت أن عينيـه ظلتا و مع مرور السنوات تحتفظان بنفس بريقـهما الـممتليء بالثقة و العنفوان وأن نظراتـه القوية تكشفان شيئا من شخصيتـه الـمتطلعة دوما نحو الـمجهول في اصرار و تحدي لكل الظروف المحيطة به من أجل اثبات ذاتـه .. فجأة و من دون ادراك منـها وجدت نفسها تقارن بين الانطباع الذي كونتـه عنه و بين ما عرفتـه عن شخصية يوسف طوال الأعوام الماضية , ربـما لتؤكد لنفسها صواب القرار الذي اتخذتـه بـمجيئها الى هنا فالـمقارنة طبعا لم تكن في صالح من تركتـه في بغداد يتباكى على حاله و يندب حظه العاثر في كل شيء بأستمرار .. نامت في تلك الليلة و لأول مرة منذ فترة هادئـة الأعصاب و بـبال مرتاح .

طالـما تفاجئنا الحياة بأحداث غير متوقعة أبدا فبعد ثلاثة أيام و بينما كانت برفقة والدتـها و أم حسام في وسط البلد تلاقى وجـهها الناعم بوجـهه هناك , انه هو..يوسف بعينه و ليس مجرد وجـها شبيها الى حد التطابق بوجـهه الأسمر الـهاديء الـملامـح , كتمت ذهشتها في صدرها لئلا تلفت انتباه أيا من الم الامرأتين و تابعت السير الى جانبـهما و في رأسها ذهول و حيرة و شعور بالدوار خافت أن يوقعـها على الأرض أكثر من مرة لاسيما عندما كانت تلتفت ورائها بين الحين و الآخر و كأنـها تود التأكد مـما قد رأتـه عيناها قبل ثوانـي فأذا بـها تزداد اضطرابا و هي ترسل نظراتـها نحوه و نحو وقع أقدامه التي ظلت تتتبعهن من سوق إلى سوق و من مـحل إلى آخر , و لما أوقفن سيارة أجرة و ركبنـها و سارت بـهن نحو العمارة التي فيـها شقة أم حسام كان هو يركب سيارة أجرة ثانية ألح على سائقـها ألا يضيع أثر السيارة التي كانت تركبـها حبيبتـه الغائبة عنه منذ فترة و لم ينزل الا بالقرب من مدخل العمارة الذي دخلن اليه الا أن جرأته خانته فلزم مكانـه

و لم يدخل ورائهن ليعرف على الأقل الشقة التي سيقصدنـها , و بعد انتظار متململ استمر قرابة الخمسة دقائق أطلت برأسها عليه من فرندة شقة تقع في الطابق الثالث فتبادلا النظرات ثم أشار اليها بالنزول فأذا به يراها أمامه بعد قليل من بعدما فقد الأمل برؤيتـها من جديد عقب لقائهما الأخير في بغداد .. قال لـها : أهذه أنت حقا ؟ أنا لم أصدق عيني لما رأيتك في وسط البلد , ما الذي أتى بك الى عمان ؟

قالت بنبرة تصنعت فيها السخرية : أحسست أنك هنا فجئت أبحث عنك .

صمت قليلا ثم قال : سمر .. يجب أن نجلس و نتحدث فهناك أشياء كثيرة أود اخبارك بـها , أشياء لم أستطع أن أحدثك بـها في آخر لقاء لنا في بغداد .

ـ لا أستطيع أن أتأخر فلقد قلت لوالدتي أني سوف أذهب لأشتري شيء من السوبر ماركت القريب و أعود بسرعة .

ـ اسمعي سوف أنتظرك في الكافتيريا التي تقع في نـهاية الشارع العام .

ـ لا أعرف فأنا ..

قال مقاطعا : سوف أبقى جالسا هناك حتى تأتين أو يحين موعد الاغلاق .

ترددت أول الأمر في الذهاب للقائه حيث طلب و لكن الفضول الى جانب أسئلة كثيرة كانت تدور داخل رأسها ساقوها اليه بعدما أخبرت والدتـها بأنـها قد قابلت صديقة كانت معها في الكلية قبل قليل و اتفقتا على أن تتقابلا بعد نصف ساعة في الكافتيريا الغير بعيدة عنهم ..

جلست أمامه واضعة عينيها في عينيه و كما أطالا النظر الى بعضهما في الشارع بقيا كذلك و الصمت الحائر بينهما يخبيء في ثناياه سر كل منهما عن الأخر , و فيما كان هو يتخبط في بحثه عن كلمات يبدأ بـها حديثه معها كانت هي تنصت لخاطر راودها في عجالة أثناء طريقها اليه فراح يخبرها عن المعنى الحقيقي لظهوره فجأة أمامها في شارع مزدحم لم تمشي فيه ولا مرة قبل اليوم في حياتـها بعدما أمضت أياما ثقيلة مرت عليها و هي تحاول بكل عزم لديـها الانفصال عن كل ماضيـها معه و بكل كيانـها حتى لا يتسنى لـها سوى التفكير بذهن صافي قادر على التحكم بدفة قراراتـه ليتمكن من الابحار نحو شطآن كندا الآمنة , أيعني ذلك تحويلة أخرى من تحويلات قضبان القدر الحادة الانحناء لمسار حياتـها من جديد ؟ .. أو يكون كل ذلك قد حصل لتبرهن لها الدنيا انـما حبها له هو حكاية عمرها الوحيدة و الأبدية فلا سبيل لئن تزاحمها في قلبها أية حكاية أخرى مهما حدث ؟ .. قال لـها أخيرا : لازلت غير مصدق لعيني أني أراك هنا أمامي.

قالت في ابتسامة ساخرة: لا..صدقهما و أنـهي المسألة فليس لديـهما مصلحة في الكذب عليك .

ـ ربـما لأنـهما يعرفان مدى حبي لك و أني أرغب برؤيتك في كل وقت و كل مكان أذهب اليه .

نظرت اليه بعمق و كأنـها تحاول كشف كل ما لديه من أسرار ثم قالت : دعك من هذا الآن و أخبرني بالأمور الكثيرة التي لم تستطع اخباري بـها في بغداد .

تقدم اليهما النادل و دون طلبيهما في دفتره الصغير ثم رحل , و لما ركن الى صمته من جديد متذمرة : أنا لم آتي لأستمع الى صمتك طوال الوقت .قال بعدما أشعل سيكارة و نفث أولى أدخنتها : لقد حصلت على عقد عمل في الامارات لدى شركة استيراد و تصدير يـملكها والد أحد أصحابي .

قالت من غير أن تستطيع اخفاء دهشتها :حصلت على عمل في الامارات و لم تتذكر أن تقول لي الا الآن بعدما تقابلنا صدفة ؟؟

قال مضطربا : حاولت ابلاغك بذلك مرات كثيرة و لكني لم أجد الشجاعة الكافية لمصارحتك .

ـ و الآن وجدت تلك الصراحة , أليس كذلك؟

قال في انفعال مفاجيء : ماذا كنت تريديني أن أفعل ؟ أن أمضي كل سنوات شبابـي في البحث و التسكع بين هذا العمل التعس و ذاك ؟ و نحن نعرف جيدا أن لا فائدة كانت ترجى من كل تلك الأعمال سوى اضاعة الوقت من دون أن يوجد أي أمل حقيقي في أن نحقق ما كنا نتطلع اليه في المستقبل القريب و لا حتى البعيد .. أتتصورين أنه كان سهل علي أن أترك الحب الوحيد في حياتـي و أرحل ؟

قالت في برود لا تعرف من أين أتت به بعدما وضع النادل قدح الليمون البارد أمامها و فنجان القهوة الوسط أمامه : أنا لا أطالبك بأن تقدم لي الآن أي تبرير فكل منا حر بأتخاذ الفرار الذي يراه الأنسب له و لـمصلحته .. و على كل فقد فات الأوان على كل كلام الآن .

ـ و لكني لازلت و سوف أبقى أحبك, يا ليتنا نستطيع أن نتزوج و نسافر معا و لكني للأسف لا أضمن ظروفي هناك .

ـ حتى لو كانت ظروفك و أوضاعك كلها مستقرة هناك , فمن قال لك أنني كنت سوف أرضى بالزواج منك بـهذه الطريقة ؟ .. أنا لست واحدة بلا أهل عثرت عليها في الشارع لترحل معك أينما شئت و وقتما أمرت , ثم كيف لي أن أشعر بالأمان معك بعد الآن ؟ فالذي يتخلى مرة يمكن أن يتخلى كل مرة , يعني مـمكن أن أفاجأ و أنا هناك بأنك حملت حقيبة سفرك و رحلت من جديد سعيا وراء عقد عمل آخر في بلد آخر ..

أراد النهوض و اللحاق بـها و هي تخرج من باب الكافتيريا و لكنه أدرك ألا فائدة ترجى من ذلك فظل جالسا في مكانه يرقب جسدها اليافع من خلف الحاجز الزجاجي و هو يختفي عنه في الشارع رويدا رويدا ...

عادت الى شقة أم حسام بخطى متهادية تـمنتها ألا تنتهي بينما كانت في داخلها تستهزيء من الأفكار التي واتتها و هي في طريقها الى الكافتيريا , حينها قالت لنفسها :لا أعرف سر اصراري على أن أكون مغفلة و منساقة وراء الأوهام دوما حتى بعدما ظننت أنـي قد تحررت منها لـما قررت الـمجيء الى هنا لأظفر بجائزة اليانصيب التي أعدتـها جارتنا العزيزة خصيصا من أجلي وحدي فقط , جائزة اليانصيب .. متى تأتـي من كندا لتخلصني من قلق الفترة الـمشحونة بالتوتر و عدم الاستقرار هذه ؟

زادت الأيام التالية من اصرارها على التبرؤ من ذكرياتـها الماضية مع يوسف و كل تلك الـمشاعر الكاذبة ـ كما صار اعتقادها ـ التي كانت تجمعهما و التي استنزفت سنوات عدة من شبابـها , و في نفس الوقت كان كل يوم يـمر من تلك الأيام يرسخ صورة وجه هيثم بشعره الأشيب السالفين أكثر في خيالـها و يكون لديـها انطباعا أشـمل و أعمق عن شخصيته التي لم تتعرف عليها بعد , و أيضا يشغل بالـها بأسئلة كثيرة تتمحور حول تلك الشخصية الغامضة و كل سؤال يسوق معه عدة أسئلة أخرى , فمثلا كان الفضول كثيرا ما يسيطر عليها لـمعرفة نبرة صوتـه و أسلوبـه في الكلام و منطقه وطريقة تفكيره , وكذلك كل تصرفاتـه في حالات هدوءه و حالات عصبيته و غضبه و حتى في جديته و في مزاحه و هزله , و ما الذي يـمكن أن يعجبه فيها دون سواها مـمن رأى و عرف ؟ و من الـمؤكد أنه قد تعرف الى الكثيرات في حياته من العراقيات و من غير العراقيات , وأخيرا أيا من الفساتين التي كانت قد اشترتـها قبيل مجيئها الى عمان عليها أن ترتدي عند أول لقاء لـها به و نوع و وسع الابتسامه التي يجب أن ترسـمها فوق شفتيها عندئذ , لابد أن تكون طبيعية في كل شيء فالـمفروض أنـها سوف تفاجأ بطلبه الزواج منها بعد ذلك تـماما كمفاجئته بوجودها و والدتـها في ضيافة عمته لدى أول وصوله الى شقتـها .

بعد حوالي عشرة أيام دخلت عليها والدتـها غرفة النوم حزينة مكفهرة الوجه و لـما سألتها عما بـها قالت لـها : لقد اتصل هيثم بعمته لـما كنا في الخارج و أخبرها أن أمرا طارئا قدحصل في عمله سوف يـمنعه من الـمجيء الى الأردن طيلة هذه السنة.

ظلت لدى سـماعها لذلك الكلام جامدة في مكانـها لا تنطق بكلمة واحدة , ثم قالت بعد حين : يعني فشلت الـمهمة و أبطلت الصفقة .

سارت نحو الشباك و ظلت واقفة أمامه و هي تحس و كأنـها قد تلقت للتو صفعة قوية هوت بـها من برج أحلامـها العالي الذي بنته و اعتلته لتتمكن من النظر الى حياتـها التي تنتظرها في أقاصي بلاد الشمال كما صارت على يقين من ذلك ... بعد قليل التفتت فرمقت أمـها بنظرة غاضبة مـهتاجة ثم تناولت حقيبة ملابسها من تحت السرير و وضعتها فوقه ففتحتها و راحت تلقي فيها ثيابـها في حركة عصبية لا تـهدأ , حينها سألتها أمـها : ماذا تفعلين ؟

قالت : ألم ثيابي لأرجع غدا الى بغداد و اذا أردت البقاء فأبقي هنا لوحدك لاستنشاق هواء عمان الـمنعش .

ـ على الأقل انتظري حتى ..

قاطعتها بنبرة صارخة باكية : حتى ماذا ؟ حتى تتصلين بـه لتتوسليه أن يأتي ليعاين البضاعة , أم أنك سوف ترسليني اليه في البريد السريع ؟

هرعت الأم الى الباب فأغلقته ثـم عادت لتتوسلها أن تـهدأ و أن تخفض صوتـها لئلا تسمعها أم حسام فالـمرأة لا ذنب لـها في شيء .

قالت من غير أن تستجيب لرجاء أمـها : أليست هي صاحبة فكرة الاستعراض هذا .. جلبتنا الى هنا لتفرجه علي لعلي أنال شرف اعجاب سـموه .

ـ الـمرأة لم تكذب علينا في شيء بل كانت صريحة معنا منذ البداية .

ـ شكرا على صراحتها , كان يـمكن أن تدعونا فقط لزيارتـها و تدع كل شيء ليسير على طبيعته بدلا من هذا الاحراج .. ثم افرضي انـه قد جاء و لم أرق لـه فماذا كنت سوف أفعل في حينها ؟ ألن يكون الحال أسوأ من الآن بكثير ؟

قالت الأم مدافعة : كانت تعرف أننا لن نقبل تلك الدعوة مثل كل سنة فأضطرت لئن تخبرنا بكل شيء لأنـها لا تعتبرنا غريبتان عنها , و أنا لم أخفي عنك شيء لأنني أعرفك و أعرف عنادك جيدا خاصة عندما تكتشفين أن هناك أمرا قد دبر من غير علمك , ثم أنا لم أكون قد فعلت كل ذلك برأيك ؟ أليس من أجل مصلحتك و لكي أضمن لك السعادة طوال العمر ؟

عادت الى الشباك من جديد ثم قالت في نبرة اكتسبت بعض الـهدوء : في الحقيقة أن الذنب ليس ذنبك و لا ذنبها بل ذنبي أنا منذ البداية , فأنا قد قبلت هذا الوضع الـمهين لكرامتي كفتاة و كأنني كنت فاقدة الارادة أو مغيبة عن الوعي و الا ما كنت انسقت وراء أحلامي بـهذه الطريقة البلهاء حتى وصلت الى هذه النتيجة ...

و قد يكون حتى ليس ذنبي أنا أيضا بالدرجة الأساس و انـما هو ذنب الظروف .. ظروف جيلنا كله , فنحن لم نجد أي شيء نعقد عليه آمالنا في الداخل فحاولنا التحليق بـها عاليا نحوّ الخارج ...

..................................................................................

أحـمـد غـانـم عـبـد الجـلـيـل

عراقي مقيم في عمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007