[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نزَق الأيام الخاوية 
التاريخ:  القراءات:(3990) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
نَـزَق الأيـام الـخـاويـة

ـ قصة ـ

ككل ليلة تقريبا .. جالت سيارة الأجرة به في ذات الشوارع المظلمة و الشبه الخاوية طويلا كما لو كانت تدور في حلقة مفرغة من قبل أن تصل به إلى حيث طلب , و رغم إن الرجل المخمور بدا في شبه غيبوبة تجعله لا يميز شيئا إلا إنه كان مدركا لخدعة السائق من أجل أن يطالبه في النهاية بأكثر مما اتفقا عليه قبيل ركوبه معه, فلم يبدو عليه شيء من الانزعاج بل ظل مستسلما في هدوء تام لمصيدة التيه تلك و كأنه في داخله تمنى أن يبقى في ذلك التجوال طوال الليل , أعطاه ما طلب قبل نزوله مترنحا أمام باب الدار و من غير أن يجادله بكلمة تاركا إياه يظفر بنشوة لم تنجح عيناه في مداراتها عنه , رد عليها بابتسامة مخمورة بلهاء اعتاد أن يحيي بها صاحب الحانة التي يرتادها كل مساء ليرتشف من الخمر الرخيص المغشوش ما يستطيع من قبل أن يلتقي بعشيقته الحسناء ذات عبق العطر الغالي الذي اشتراه لها لتستنزف من جيوبه العامرة دوما بشيء من الدفعات السخية المَسفرة إليه من البلاد البعيدة أضعاف ما يمكن أن تكسبه من أي من زبائنها حتى ترضى أن تقضي مع أهوائه المتصابية المنازعة لجذب العجز القاحل ما يشاء من وقت كثيرا ما تتراخى فيه غفوات الكهولة الطويلة في سكون تظنه الموت أحيانا لو لا تعالي زفيره المتثاقل فوق صدرها المكتنز و أنات الجسد الغض المفعم بالحيوية , إنها بعمر ابنته , و مع ذلك تراه يصر عليها من دون سواها من الفتيات في التياع من يخوض غمار مغامرة مجونه الأولى و الأخيرة أيضا ..

دخل إلى البيت العتيق البنيان بتؤدة شديدة و بأقصى ما يستطيع من هدوء مخافة أن توقظ خطواته العابثة أمه العجوز , في لحظة ظن إنه سوف يجد زوجته جالسة على الفراش بانتظاره ما أن يفتح باب غرفته كما كانت تفعل في أولى سنوات زواجهما قبل انتقالهما و طفلهما إلى بيت مستقل , وقف أمام السرير الخاوي و في عينيه يتجلى غل صمت حسرات لا متناهية لو تجاسر على إطلاقها لاجتاحت العالم من حوله بكل قوة ثورية الشباب التي تملكته .. ثورية شاملة لا تنتهي , دار و دار و دار في فلكها حتى وجد نفسه على حين غرة يقع صريع أنياب الرفاق القدامى المسمومة.. المعتقل , أهوال العذاب , أسياخ الحديد تسلخ جسده , آلات التعذيب تصهر ذاته , تسفح أدميته على الأرض الباردة, أصوات صراخه المصطلية بكل رعدة كهرباء سرت في أوصال جسده الضامر لا تزال تدوي في أذنيه في ساعات وحدته البائسة المستوحشة .. يتملى في صور زوجته و ولديه , كل ما خلفوه له بعد تقطع جدائل أمانيهم بخروجه و رؤيته لنور الحياة من جديد , لا سيما و إن شخصا من المعارف ـ من منتسبي أحد الأجهزة الأمنية ـ أسرى إليهم خفية نبأ موته في غياهب أحد المعتقلات المنسية , إذن فلا جدوى من البقاء و التلظي بجمر الانتظار أكثر من ذلك , و من حسن الحظ إن الدار المسجل باسم الزوجة الحبيبة قد نفذ من المصادرة .. جوازات سفر مزورة كانت وسيلتهم لعبور الحدود تماما كما كانت محنته مستجدية الموت سبيلهم للوصول إلى تلك البلاد البعيدة السعيدة .. لعل تلك المقايضة تواسيه في بعض الأحيان و لكنها في أحيان أكثر تستفزه بسخرية مقيتة و مذلة توشك أن تفضي بروحه إلى طريق الفناء ..

تخضبت ليلته برطوبة عرقه الغزير و كأنه نزف جرح عميق لا يرضى الالتئام , بارتجاف مستمر لجسده المنحل القوى و من ثم خمود طويل لسائر أطرافه حتى بدا كقطعة خشب ملقاة وسط غابة مقحلة منفية عن العالم , تتشابك فيها أغصان ذكرياته المتيبسة و تنتثر على أرضها الجرداء أوراق أحلامه المتكسرة و المترنحة مع كل هبة ريح ما بين هذيان النوم و الصحيان .. تمتم بسب تلك العاهرة التي لا ترضى بأن يبيت معها أبدا و مهما عرض عليها من مال .. ثم راح يتوعد بلسان بالكاد يستطيع تحريكه ذاك اللص المحتال صاحب الحانة لسرعة زوال تأثير خمره المغشوش من رأسه مثله مثل شعارات الثورة العظيمة المختفية في الأفاق البعيدة .. قهقه عاليا كعملاق مخيف و كطفل مذعور بكى و انتحب بمرارة عظيمة أسلمه إجهادها العنيف لنوم أقرب ما يكون إلى الغيبوبة , رأى ابنته بذات الابتسامة الصافية المتهلل بها وجهها الناعم في صورتها التي لديه ملألئة الجمال في أبهى ثوب عرس كان يمكن أن يراه , و من حولها يلتف أخوها الوسيم المشرق الوجه و أمها بذات السحر الذي اكتنفها في ليلة عرسهما و وجوه كثيرة ضبابية الملامح تصدر عنها الضحكات و الزغاريد العالية , هو كان هناك أيضا بحالته المزرية من دون أن يدرك وجوده أحد رغم كل محاولاته للفت انتباههم إليه .. تلك الصغيرة الفاتنة ذات الثمانية أعوام حينما تركهم سوف تتزوج بعد أيام من شخص لا يعرف عنه شيئا سوى ما ذكرته له زوجته عنه و عن أهله خلال إحدى مكالماتهما الهاتفية التي اعتادت أن تجلد الأشواق كلماتها, و لكنه سرعان ما نسي اسمه حتى بعد أولى رشفاته من كأسه الأول و هو يلعن حانقا بحروف مبهمة حظر السفر المفروض عليه, و بحنق أكبر فأكبر جبنه من أشباح الخوف الجاثمة على عقله ـ أو ما تبقى منه ـ و المترصدة لأدق تحركاته في أي وقت و أي مكان يقصده..

في ليلة الزفاف و بينما كان أجساد كل من في قاعة العرس تقريبا تتماوج على أنغام الدبكة العراقية الصاخبة كانت ضربات قلبه هي الأخرى تتماوج باضطراب حاد على شاشة جهاز التخطيط في غرفة الإنعاش ـ إثر تناوله كمية مفرطة من الكحول ـ في واحدة من أخطر و أقسى نوباته التي غالبا ما يقسم بعدها بالا يقارع الخمر و ألا يدنو من البيت الذي تقطن فيه حورية شيخوخته ثانيةً , متشبثا بأمل رؤية أهله من جديد قبل أن يودع دنياه المتعالية الدبكات باستمرار ..

3 ـ 6 ـ 2006 عمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007