[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نور 
التاريخ:  القراءات:(6879) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد النجيمي  

نور هذه لها حكاية مختلفة , حكاية تنتمي للصحراء وتشبه تضاريسها . غادرت خيمة والدتها في معية والدها تتهادى على جمل يتبع قافلة يظنها من يراها من بعيد خيط دقيق متصل عجنت ملامحه من سراب .

عندما حطت القافلة عند أسوار المدينة كانت أبوابها مقفلة وكان عليهم المبيت خارجها .نامت نور قريباً من والدها , بجوار ملامح تألفها و أناس يشكلون عالمها .

عندما رفعت الصغيرة رأسها في الصباح , كان المكان يعج بالناس , أصوات البائعين كانت تصم الآذان , والداخلون والخارجون مع باب المدينة كانوا بالعشرات .تلفتت تبحث عن الوجوه التي رافقتها في رحلتها , غاصت في ملامح من حولها بحثاً عن تلك النظرات التي تنتمي إليها , تلك النظرات القاسية التي لوحتها شمس الصحراء الحارقة .ارتدت إليها نظراتها التي أرسلتها في كل مكان خائبة , مذعورة .

أطلقت صرخات بائسة , سارت تتهجى دموعها في درب أخذها بين خطاها وهي تفتش هناك عن أثارهم . أرسلت قدميها وعينيها وتابعت المسير , مشت بلا انقطاع حتى ملت الأقدام , بحثت نور في كل اتجاه إلى أن خانتها الشمس وأسلم النهار نفسه لليل .

عندها يئست و قررت الرحيل .

تذكرت الجهة التي عليها أن تقصدها , صوبت نظرها ناحية الصحراء , ناحية الجهة المعاكسة و مضت .

لم تلتفت للرجال الذي سألوها عن وجهتها , لم تستمع لكلام الأمهات الطيبات في القرية التي تجاور المدينة ولم تقبل دعوتهن للمكوث . لم تسمع حديثهن عن مخاطر الطريق و ما يخبئه الليل للفتيات الصغيرات . طوال مسافة سيرها كانت تحمل في ذهنها صورة واحدة , صورة أمها وهي تداعب رأسها وتلعب في خصلات شعرها الأسود الفاحم , كانت مصممة على أن تسلم رأسها الصغير لتلك اليد الحانية مرةً أخرى , كان هذا هو الشيء الوحيد الذي قد يعيدها للعالم ويخلصها من الخوف الجاثم على صدرها .

مشت كثيراً , مشت حتى تعبت وأحكمت الظلمة طوقها من حولها .كانت نسائم الصحراء تداعب وجهها , الأفق الممتد كان يترآى لها , أو بالأحرى كانت تتوهم ذلك وتتوقع أن تلجه في أي لحظة .انتصبت , رفعت رأسها وسرحت نظرة للبعيد , لكنها لم ترى أي شيء , كان الظلام يحيك خيوطه السوداء من حولها ولم تكن رؤاها إلا هذيان طفلة صغيرة محبطة وتائهة , تحن لأمها وتتمزق شوقاً للمستها . وقعت على وجهها من شدة التعب . لسعتها برودة الرمل وأعادت إليها بعض حواسها .تذكرت تحذير أمها لها قبل ليال عندما لاحظت إصرار نور على مرافقة والدها : " المدينة غول يا صغيرتي , البدو الذين يذهبون إلى هناك لا يعودون " . سألتها نور متعجبة : " لكن أبي يذهب لهناك ويعود , هذه عادته كل شهر ."
-
أبوك يذهب ليجلب الطعام . أبوك يذهب وتعويذته معه .
-
أي تعويذه ؟
-
تعويذة البدوي , حصنه الذي يعيده لحضن الصحراء .
-
تستطيعين أن تصنعي لي واحدة , أليس كذلك !
-
هذا لا ينفع للنساء .
-
لماذا ؟
-
المرأة لا تغادر بيتها يا صغيرتي , عندما تبتعد عن وطنها يسهل خدشها .المغامرة للرجال فقط .
-
دائماً الرجال , دائماً تقولين ذلك .. لن أسمعك هذه المرة , سأرافقه كما فعل أخي في المرة الماضية .


بكت البدوية الصغيرة بحرقة , شعرت بغصة .

عيناها كانتا على وشك الانطفاء .الجوع أيضاً بدأ يقرصها , شعرت به للمرة الأولى منذ مغادرتها .رفعت نفسها بتثاقل , لم تستطع الوقوف فوقعت على ركبتيها .جلست بلا حراك , فقط نظراتها الزائغة كانت تحاول اختراق الظلمة , الوصول للبعيد , ومعانقة النور .

سمعت أصواتاً مشوشة , أصواتاً تبدو وكأنها قريبة . لم تكن متأكدة . ظنت أنها أصوات تعرفها , أرادت أن تدعوها للقدوم , لكنها لم تستطع , كانت جائعة ومنهكة وكان صوتها قد نفد منها منذ وقت طويل .
في تلك اللحظة تذكرت شيئاً أفزعها , جفلت وحاولت أن تقف لعلها تستطيع أن تبتعد , عجزت عن الوقوف , تجمدت تماماً في مكانها . وحده صوت أمها كان حاضراً , كلماتها كانت ترن في أذنها :" احذري من الذئاب عندما تبتعدين عن المنزل . دم الفتاة هو نهاية صومها الطويل ." لابد أن هذه هي الذئاب , نعم إنها هي .. فالذئاب تتربص بالصغار , تسد جوعها من نهش لحم التائهين .. هكذا فكرت نور . عرفت أنها فتاة لا تحمل تعويذة , صغيرة تحاول اختراق ظلمة الليل , أنثى لم تستمع لأمها ولم تحفظ وصاياها .

شعرت نور بلهاث أنفاس يقترب , الأقدام كانت تهز سكينة الأرض من تحت جسدها الممدد والمنهك , قلبها الصغير بدأ ينبض بسرعة . كانت تصرخ بصمت مستنجدة بالضوء , كانت تلهث بدعاء وحيد : " أريد الصباح يا الله , أريد حضن أمي يا الله . "

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007