[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سُهير سُهير
التاريخ:  القراءات:(4318) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
سُــهـيــر

ـ قصة ـ

لازال يحاول التصنت بكل جوارحه ـ و ليس بأذنيه فقط ـ إلى كل ما يصدر عن الغرفة المجاورة , أصواتهما المضطربة , ضحكاتهما المتعالية و المنفلتة من قيود الحذر الذي يوجباه على خلوتهما دوما , التظلم الخافت لمفاصل السرير من تحتهما .. حتى تهدج أنفاسهما صار الجدار الفاصل بين الغرفتين رغم سمكه يفضح سره في تحدِِ صارخ لرجولته المضطرمة و المنهارة في بؤس شقي على فراشه الكئيب , ألا يمِلان , ألا ينهكان , ألا يرأفان بحاله فيجنحان إلى الراحة علَه ينعم ببعض الهدوء , رأسه يكاد ينفجر من الضغط المتواصل عليه من غير أن يعرف سبيلا ينهي به معاناته التي صارت تتلازم مع مجيئها إلى بغداد و مبيتها عندهم .. أيلملم شتات أعصابه و ينهض من على فراشه ليقتحم عليهما الغرفة أو حتى يهددهما من خلف بابه ـ إن كان موصدا ـ بأنه سوف يصرخ حتى تستيقظ والدته على رعد صياحه المتشنج لتأتي و ترى ما يفعله ابنها مع ابنة أختها دون مراعاة لأية حرمة , و قد يسِمع صوته الحاد أيضا زوجته و ولديه في البيت المجاور , شيء قوي في داخله كان يُرضخ كل ما فيه لسطوة أغلاله المستبدة , تعاود أذنه الالتصاق بالحائط و كأنها تهم باختراقه , تترجى السماع أكثر فتلتهب أوصاله أكثر و أكثر , أصابعه تخربشه بسرعة مجنونة و كأنها تود حفر ثقب بوسع بؤبؤ العين فيه..

لو أردت فعل شيء حقا لفعلته منذ أول ما فطنت إلى صوت فتح باب الدار الخلفي و وقع خطاه نحو غرفة عشقهما بعد فراق طويل ...

شهر كامل أو أكثر غيِبت خلاله شمس فتنتها عنه ـ بل عنهما ـ و حجبت في بيت والد زوجها الكبير في الحلة حيث تقطن بين جدرانه العالية قرابة العشيرة من الأولاد و الزوجات و الأحفاد , فكل منهنَ قد أنجبت ثلاثة و أربعة أبناء في أعمار متقاربة , ما عداها رغم مرور سنوات عديدة على زواجها , لم تترك خلالها وسيلة إلا وجربتها بدءََ من السعي إلى الأطباء و إلى الأضرحة و العتبات المقدسة حتى الدجالين و السحرة, أما زوجها فلم يهتم يوما بالموضوع رغم إلحاح والده و ترقبه لأية بادرة حمل تظهر عليها , و كأنه لم يرزق بأي حفيد بعد , فمادام الأطباء قد أكدوا قدرتها على الحمل في أي وقت , و قبل ذلك هو متأكد تماما من فحولته التي اعتاد أن يباهي بجموحها أصحابه بشهادة كل بنات الليل اللواتي يعرفهن .. فلمَ القلق و الاستعجال ؟ .. و يكفي ما في الدار العتيق من صبية و بنات يقلقون راحته بفوضوية لعبهم و ضوضائهم تارة و شجارهم المزعج تارة أخرى و الذي غالبا ما يسرى إلى الكبار كشحنة كهرباء تكاد صعق البيت بأسره لولا تدخل الأب صاحب الشخصية الدينية الوقورة و المتحكمة في أكثر خصوصيات الجميع بسطوة لا يستطيع أي كان الفرار منها , و لولا زحام البيت الذي لا تنقصه المشاكل , و لولا الصداقة الشديدة التي كانت تربطه بوالدها لطلب من ابنه أن يتزوج عليها عله يرزق بالحفيد المنتظر ..

لشد ما كانت تضحك الجميع و هي تبرع بتقليد كافة أفراد بيت الوحوش ـ كما يحلو لها أن تسميه ـ بمن فيهم والده المهاب , ملصقة بكل منهم صفة أو لازمة صارت تعرِف به من غير أن تنطق أسمه.. سمعها ذات يوم تسر والدته في غمز ضاحك يغالب حسراتها التي طالما أبكتها : يظهر إنه ـ زوجها ـ من كثرة ما بذَر غرسه هنا و هناك ما بقت عنده بذرة بيها خير ممكن تنبت .. بس شراهة على الفارغ ..

قطبت والدته حاجبيها ثم لكزتها في كتفها و هي بالكاد تحتوي الابتسامة التي طفت على شفتيها : أسكتي يا مخبولة , عيب هذا الكلام .. و لا تنسين إن أنور موجود ..

راحت ترميه بنظرات دُس في بواطنها بعض الاستخفاف من ذلك الشارد في الغالب منذ سنوات , و إن تكلم فأكثر جمله تبدو مشتتة تترنح في تيه الهذيان حتى تكاد تكون غير مفهومة , فهو كالطفل ـ رغم إنه يكبرها بقرابة الست سنوات ـ تماما بالنسبة إليهم في أكثر الوقت , يتعاملون معه في حنو رقيق يعصف بقلوبهم المتألمة لمصابه في حين , و في زجر و حسم رادع يستنفذ صبرهم عليه و على تصرفاته البلهاء حينا آخر ..

كان هو أيضا ينظر إليها , نظرات متحجرة عميقة , تحاول الولوج إلى مكامن جسدها , لا سيما و إنها لم تكن تتحفظ في لبسها أو جلستها أمامه , و حتى زوجها بسبب حالته تلك فقط كان يوافق على مكوثها عندهم كلما أتيا لبغداد لينهي بعض أعماله أو كلما ضاقت من سأم حياتها هناك و نفرت من حماقاته النسائية و عدم اكتراثه بها , فرغم إن بيوت أخوتها مفتوحة لها في أي وقت كانت تأبى المكوث إلا في بيت خالتها , لترى في وجهها الحنون طيف والدتها المتوفاة , و لتتلمس في محبتها و تفهمها بعض الأمان الذي تفتقده هناك ..

لا زال جسدها الغض بين أحضان أخاه يقهر حرمانه , و رغم كثرة المهدئات و حبوب المنوِم التي تناولها لم ترنو تشنجات أعصابه إلى الهدوء , و لم يثقل النعاس جفنيه كما لو كان يغمى عليه إلا قرب شروق الشمس و وقع خطا فارس الفراش تنأى عن أذنيه بعيدا , بعيدا نحو الباب الذي ولج منه قبل ساعات من الاندحار ...

أخذ يتقلب على فراشها المخضب بعبق روائحها و بلل منشفة الحمام الكبيرة في ولهِِ معذب , يستنشق هوائها .. و يدمع ذله في هذه الدنيا , يحتضن الوسادة و يلثم شعرة محناة تساقطت من رأسها في شبق الخاليات من أيامه عندما كان ذلك الشاب الوسيم الذي يفتن الفتيات برقته و كياسة تصرفاته قبل كل شيء آخر .. نصحه الجميع و توسلت به أمه و دموعها تكاد لا تنضب ألا يذهب إلى البصرة , فالحرب على أشدها هناك .. حوِل أوراقك إلى كلية أدنى من كلية الطب , يعني إما طبيب و إما فلا ؟ .. كان يجيب بعناد يومض بإصرار كل خلجة فيه : مستحيل , كلية الطب حلم حياتي من كنت صغيِر ..

لمَ أنا الوحيد الذي نجوت من قصف الصواريخ العمياء بينما مات الجميع ؟ .. سؤال لا يلبث أن يعاوده بإلحاح مدمر كلما وعى عقله المتهاوي إلى ماضيه في مدينة النخيل تلك .. أشلاء جثث أصحابه الممزعة و المسلوخة لازالت تتكوم في حجره و إلى جانبه تحت أنقاض البيت المهدَم حيث كانوا يقيمون, و لزوجة الدماء الحارة لا تزال تغمر جسده , بل و تنسل إلى شرايينه , و كأنهم يريدون أن يشاركوه حياته رغم بؤسها و ضيق حيزها ..

أيقظته من غفوته و الاستغراب يستولي على قسمات وجهها , فتح عينيه في تراخِِ شديد و أزاح الوسادة عنه و لكنه لم يجد لديه القوة للنهوض من على الفراش

.. سألته عن سبب نومه في فراشها فلم يجب سوى بتثاؤب طويل , سألها بدوره عن والدته فأخبرته إنها ذهبت عند جارتهم بعد عودتهما من السوق , نزعت عباءتها و أخرجت الفستان الجديد من الكيس الذي كان في يدها فحطته على ثوبها ثم راحت تتطلع إلى نفسها في المرآة فيما راح يرقب تموج جسدها الناعم من الخلف بعينين نعسانتين , رمت الفستان على الفراش و كادت تخلع الفستان الذي ترتديه لتجرب الجديد لولا تذكرها لوجوده , طلبت منه بلهجة آمرة أن يخرج من الغرفة , و لكنه لم يتزحزح عن مكانه , بل مد يده نحو الكيس و أخرج ثوب نوم مخرم و شبه شفاف لاحت له حمرته من داخله ..

سهير : يعجبك ؟

في مكر ضاحك زاد من بلاهة وجهه : لخاطر حسين ؟

ضحكت : لخاطر مَن لَعَد , يمكن يقتنع باللي عنده و يبطل يدوِر على أكل الشارع ..

عادت لتأمل ملامح وجهها و رشاقة قوامها في المرآة , ثم شيئا فشيئا بدأت بالترنح و كأنها تهم بالرقص , كاد يحيط خصرها براحتيه علَ خدرهما بملمسه يسري في كافة عروقه فيرخيها كما تاقت شفتاه بعد أول قبلة يحطها على شعرها الطويل أو على رقبتها من الخلف , قبلة أكيد من إنها سوف تغنيه عن كل الأدوية التي يتعاطاها من غير أن تعود عليه بأية فائدة , لا هي و لا جلساته العقيمة و المملة مع الطبيب النفسي التي انقطع عنها منذ زمن بعد تزايد ثقل وطأتها عليه و كأنها أضحت سبب من أسباب محنته لا وسيلة للعلاج , بالإضافة إلى ثقل عبء مصاريفها على كاهل أخيه الأصغر المبتلى بإعالته إلى جانب والدته ..

جمرتا عيناه في المرآة جعلتها تلتفت إليه من جديد و كأنها تمتثل لأمر أفصح عنه صمته الشارد , مسكت إحدى يديه و راحت تمررها بخفة على خدها الناعم من غير أن تود معرفة ما الذي يعتريها أو ما تنتويه , رغبة عبثية بجنونها تجتاحها كل حين , تتوق لرجل يعاملها كما تشاء و ليس كما هو يشاء , يتأمل سواد عينيها قبل الانقضاض على مفاتن جسدها , يمهل شفتيه فرصة للتغزل بها قبل التهامها كوجبة دسمة أتته بعد جوع , يهمس في أذنها بكلمة حب تغور في أعماقها فتهبه عشقا لا تدركه حدود , تستأنس بحديثه الهامس خلجات جسدها المنهكة , و تلتهب أشواقها بمداعباته الرقيقة من جديد ..

أدارت له ظهرها فجأة ما إن هم بلف ذراعه حوله , طلبت منه مجددا و في صرامة شديدة أن يغادر الغرفة , ارتبك , و ارتجفت أطرافه , همَ أن يحتضنها بقوة لا ترضخ لأي شيء سوى رغبته العارمة بها , و من ثم إجبارها على الاستلقاء على الفراش الذي يشهد أحلى ساعات الشبق بينها و بين أخاه بينما يقبع هو قاع الجحيم .. عدا إنه لم يجد لديه القدرة سوى على التراجع و الخروج من الغرفة بوجه ممتقع و ساقين بالكاد أوصلتاه إلى فراشه ليعاود التدثر بأحضان النوم الموحش و التمرغ بأضغاث أحلامه ...

أكيد إن أخاه سيفرح بالثوب الأحمر كثيرا و سوف تهتاج له فحولته أكثر من كل ليلة .. و لكن لمَ قد تأخر ذلك المغفَل عن موعدهما , أم إنه أتى و لم ينتبه لدخول بسبب ثقل رأسه ؟ .. هاهو يسمع حركة خافتة في الممر و .. طرق رقيق على باب غرفه , فتحته و دلفت ثم أغلقته ورائها , سهير بذاتها ماثلة أمامه بالثوب الأحمر الذي يشف عن كل مفاتن جسدها الخلاب , متأكد إنه لم يكن يحلم , بصوت ناعم يغالب خجلها : فكرت ألبسه حتى تشوفه عليَ و تكُلي رأيك ..

لم يجبها سوى بشدوه أخرس و عينين جاحظتين من شدة الاستغراب .. سارت نحو الشباك و فتحته , فهبت نحو وجهها و صدرها نسائم الخريف العليلة , قالت : هذه الليلة ما جايني نوم .. مثل ليالي طويلة أقضيها هناك , و هو .. لو سهران بره , لو نايم و يشخر بعد ما ـ ضحكت و غمزت له ـ بعد ما يكون تعب و تعبني وياه ..

دوَت ضحكنها في أذنيه و كأنها قد ثملت من الخمر الذي راح بشربه منذ أول الليل , اقتربت منه و جثت على ركبتيها إلى جانب السرير متحدية رائحة فمه الكريهة , ألقت برأسها على الفراش إلى جانبه و صار يسمع بكائها , مد يده المرتجفة نحوها و صار يداعب خصال شعرها كما كانت تحب في صغرها , رفعت رأسها و جابهت عينيه المحمرتين ثم فاجأته بدس جسدها في السرير , ملتصقة به و مستمتعة بخدر جسده .. حلمها القديم الذي لازمها في بداية مرحلة المراهقة , كم كانت تتمنى عندئذ أن تشغل باله كما فعل , فتغدو زوجة الدكتور أنور , المثقف , شديد الذكاء و قوي الشخصية و الساعي إلى التطور دوما , و هي أيضا كانت ستحذو حذوه بالتأكيد حتى تشرفه أمام أصحابه و زوجاتهم , كانت ستعشقه حد الجنون طوال العمر و ما كانت ستفكر يوما بشخص سواه , و لا حتى كطيف عابر .. و كانت ستنجب له أولادا و بنات يجمعون ما بين ذكائه و جمالها الذي يثير حقد زوجات أخوة حسين عليها , يربيانهم أحس تربية , يسافرون بعدها ليحصلوا على أعلى الشهادات من الخارج .. كم كانت الحياة ستغدو عندئذ رحبة و جميلة , و ما كانت ستضطر للانزواء عن العالم بين أحضان ذلك الشره بذيء الحركات و اللسان , حتى إنها تشعر في كثير من الأحيان إنه لا يفَرق بينها و بين أيا من البغايا التي أمست تشم روائحهن في ثنايا جسده كلما أقبل عليها من غير أن يجدي اغتساله الذي تصر عليه أية فائدة ..

أقبل عليهما أخوه بعينين محملقتين و وجه يستشيط غضبا , و يدين متخشبتين تهاوتا عليه بضراوة لا ترحم ضعف جسده و تهاويه أمام جبروته , الدماء تنزف من رأسه و وجهه بغزارة و القبضات لم تزل تسحق عظامه و أضلعه و كأنها تهم بتهشيمها و نثرها في كل أرجاء الغرفة و الدار , و في النهاية هاهي يداه الصلبتان تطبقان على رقبته بقوة متزايدة تمنع عنه الهواء و تصر على إزهاق روحه غير عابئة بدموعه الحارة المتوسلة , لم يكن يدري إن فيه كل ذلك التعلق بالحياة رغم إنه يتمنى الموت في كل يوم من أيام حياته المترامية في آتون شقاءه الدائم ..

استيقظ فزعا من نومه فرآها تغفو بين أحضانه العاربة في نعومة متناهية تحت الغطاء و الثوب الأحمر مهلهل من عليها , أحس بإنهاك شديد أجبره على معاودة النوم بعد أن لثم خدها بحرارة شديدة كما لو إنه يزفر أنفاسه , مستلذا ببقايا لزوجة دافئة سربت الهدوء إلى جميع أوصاله ...

صداع شديد استفحل برأسه لدى فتح عينيه عند الظهيرة , استطاع بعناء النهوض من على الفراش , ارتدى لباسه الداخلي و جلبابه , و قبل أن يفكر بأي شيء حرص على إخفاء زجاجات البيرة تحت السرير حتى يتجنب العاصفة الهوجاء من قبل أمه و أخيه إن علما بمعاودته الشرب .. دخل إلى غرفتها مسرعا بحيوية لم يعهد مثلها من قبل فلم يعثر لها على أثر , ظن إنه سوف يجدها مع والدته في المطبخ , و لكنها ـ والدته ـ أخبرته بأن زوجها قد أتاها في الصباح لترجع معه إلى الحلة , كاد يصرخ في وجهها و وجه الدنيا اللئيم و التي أبت إلا أن تحرمه منها بسرعة خاطفة قاتلة من قبل حتى أن يتبين صدق ما حصل في الليلة الماضية .. هل أقبلت على غرفته حقا ؟ و إن حصل , فمتى رحلت عنه بالضبط .. بعدما كلمته .. أو داعبته .. أو اندست في فراشه .. أو مسحت بيديها و شفتيها المكتنزتين وجهه و ثم صدره فبطنه ؟؟؟ .. هل كانت عربدة حرمانه الطويل في جسدها أشد ضراوة من كل هيجان أخيه بجسده القوى و عضلاته المفتولة ؟.. هل أفرغ شهوته كاملة فيها حتى أوصلها إلى مرحلة الانتشاء ؟!..

تأوهاتها بين ذراعيه تتهاوى إلى رأسه كنافورة المياه المنبثقة من الدُش , أنفاسها العطرة تزاحم أنفاسه المتثاقلة , ضحكاتها الناعمة تناغي دموعه الحارة التي لا ترضى التوقف , مداعبات عيناها تعده بعودة قريبة ليستأنفا عشقهما الخفي عن الجميع , تحلف له إن كل ما يربطها بأخيه محض وهم من أوهامه التي اعتاد الاقتيات عليها منذ سنوات , يأبى التصديق .. و يرجوه في ذات الوقت , يواصل البكاء الصامت و روحه وحش مغلول داخل قفص لا سبيل للإفلات منه .. خرج من الحمام بعد نحو ساعة فانتبه لجلوس أخيه في الصالة و عيناه مصوبتان نحو غرفتها , نظرات غامضة لم تسعف حيرته بل زادتها , أكانت نظرات حنق على سفرها المفاجئ أيضا , أم أسف , أم شوق جارف لا سبيل لارتوائه أبدا ؟؟؟ .. لا , لا , لم يستطع أن يحدد لها معنىً مهما أجهد نفسه , لا سبيل أمامه إذن سوى محاولة تصديق طيف عينيها و انتظار زيارتها القادمة التي لا يعرف لها موعدا حتى يتسنى له التأكد بنفسه من كل شيء قبل أن تجنح به شتات أفكاره إلى الجنون التام ...

وضع رأسه في إعياء شديد على الوسادة حيث سطعت أمام غشاوة عينيه المخضبتين بالدموع عدة شعيرات محناة متكسِرة , فوجدها ترسو بشغفها المتأجج بين ذراعيه من جديد , تهبه من دفء جسدها و حنو قبلاتها ما يغنيه عن الدنيا بأسرها , و ما لديه في الدنيا سوى التعاسة و الحياة الذليلة التي سأم من كل ما فيها .. احتضنته قويا , قويا جدا , اعتصرت جسده و روحه في شبق متناهِِ آلمه بشدة , و لكنه لم يشأ الفكاك منه أبدا , سلَم نفسه بالكامل مسدلا جفنيه لذلك الطيف الغريب الذي سكن بهاء مفاتنها في ارتياح لم يهنأ بمثله منذ زمن ..

فترة الحداد كانت أشد وطأة عليها من الجميع , ليس لحزنها الشديد على الفقيد و الذي فاق حزن شقيقاته و كاد يتسبب بانهيارها فحسب , و إنما أيضا بسبب الحمل الذي فاجأها بغثيانه على حين غرة و بعد طول انتظار وسط مجلس العزاء , فما لبثت أن خرت مغشيا عليها , و لما أفاقت و زفت لها إحدى المعزيات ـ و كانت طبيبة ـ البشرى صاغت تعبيرات شتى قسمات وجهها الشاحب , تعبيرات لا يستطيع أن يدرك كنه معانيها شخص سواها ....

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007