[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عيون يغزوها المطر عيون يغزوها المطر
التاريخ:  القراءات:(4165) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  
عيون يغزوها المطر

ـ قصة قصيرة ـ

لا تعتقد إن ما حصل بيننا يعني إني لم أعد أحب فرانك و لا أنتظر عودته بفارغ الصبر .. قالت ذلك بصوت ناعم خفيض مغالبة اضطرابها لدى خطوها نحو باب الشقة ..

ظل ساكنا في فراشه وسط الغرفة المظلمة يتابع من نافذتها صراع القمر مع قطعان الغيوم الكثيفة التي تمر من أمامه سريعا , فيضيع ضوءه في ثناياها الهلامية تارةً و تشف عن فضية باهتة تتشتت في أطرافها تارة .. هل يمكن أن تصل تلك الغيوم الثلجية ذاتها إلى بغداد من غير أن تنثرها الريح العاتية مطرا مدرارا على هذه الولاية أو تلك ؟ .. ما أطول المسافة إلى هناك ..

الوسادة التي بقربه تحفظ رائحتها كما لو إن خصال شعرها الغامقة الصفار لا زالت تفترشها بخدر رأسها السكران .. لمَ اختارته هو بالذات , العراقي المغترب ـ كما يحلو لها أن تناديه في مزاحها الجميل ـ من دون أي شخص آخر بعد مضي عدة أشهر على سفر كتيبة زوجها إلى بلاده التي فر منها منذ ما يزيد على ثلاثة عشر عاما ؟ .. لم يشأ سؤالها ذلك أبدا , كما لم تشأ أن ترافق زيارتها المفاجئة له في أول المساء أسئلتها المعتادة عن بلده و طبيعة مناطقه الجغرافية و الاختلاف بين مدينة و أخرى , و بين المذاهب و الجماعات المسلحة و القوميات المتعددة في بلاده الغريبة بكل شيء حتى في حدة تطرف درجات حرارتها خاصة في فصل الصيف و كأن هناك باب مفتوح بينها و بين جهنم كما أخبرها فرانك في أولى رسالاته إليها , كانت تسأل و تسأل و تسأل في فضول متنامِِِِ , و كأنها تود أن تعايش ذات الخطر الذي يواجهه زوجها و حبيبها كما تحب أن تتغنى دوما , صارت تحفظ أسماء غالبية المدن العراقية من خلال متابعتها المستمرة لنشرات الأخبار المسائية بعد عودتها من عملها و نوم طفلها في فراشه , فما كان له غير أن يضحك رغم غصة قلبه العميقة من طريقة نطقها لتلك الأسماء .. حاول و بأكبر قدر من التبسيط الإجابة على سيل أسئلتها و شرح واقع بلاده الغريب , ليس عنها فقط .. و إنما عن العراقيين أنفسهم , و لكن رأسها المطرق كان في كل مرة لا يلقى سوى مزيدا من الحيرة و التيه بين انحناءات نقش سريالي التكوين , قالت له ذات مرة و هي تنفخ في ضجر و الانفعال يقرص وجنتي وجهها الناصع البياض : لا زلت أرفض الاقتناع بكل أسباب ذهابه إلى هناك ..

ـ هذه هي حال الحروب في الغالب , نلقى في جحيمها من غير أن يتسنى لنا معرفة السبب وراء ذلك ..

احتواها بين ذراعيه من غير أن ينطق كلمة واحدة لما عادت للاستلقاء إلى جانبه .. تذكره أفاعي الخوف التي تسم عسل عينيها بنساء بلده متشحات السواد و المتمرسات على الذبح بسكاكين الحروب الصدئة, تذكره بنحيب أمه المتوفاة و انكسار زوجة أخيه الكبير بعد استشهاده في بكر الحروب , كانت في مثل عمرها و سحرها تقريبا, لم يعرف أي حزن كان يقهر سنوات مراهقته أكثر , حزنه على أخيه أم على زوجته و ابنته الرضيعة ؟ ..

قالت فجأة : فرانك مستحيل أن يكون قد قام في العراق بأي من البشاعات التي نسمع عنها , إنه شخص مسالم إلى أبعد الحدود و لم يؤذي أحدا يوما و أنت تعرفه جيدا , إنه لا يستحق القتل ..

همس في أذنها كأب يحاول تهدئة ذعر ابنته الصغيرة : كاثرين , نامي الآن و حاولي ألا تفكري بشيء , فالتفكير في ليالي الحروب لا يوَلد سوى المزيد من الوساوس و الأحزان , خذي خبرة مجرب ..

استطابت لدفء جسده و حرارة أنفاسه و كأنها نفحات من صهد بلاد ألف ليلة و ليلة التي لم تعرف أيا من قصصها رغم إنها لم تزل تسحر العالم بغرائب عوالمها و كأنها ما كتبت إلا الآن , ثم غفت على شجن لحن أغنية عراقية قديمة راح يدندن كلماتها في أذنها بشجن ناعم ..

إنها أمه دون سواها , لن يكذب نفسه كتلك المرة التي شاهدها فيها مع بقية النسوة الثكلى على شاشة التلفزيون قرب إحدى المقابر الجماعية المكتشفة بعد الحرب في الجنوب , تبحث عن بقايا عظام ابنها الذي لم يرجع من حرب الكويت رغم تأكيدات كل رفاقه إنه قد عبر الحدود معهم و ما افترقوا إلا أثناء الثورة الموءودة التي نشبت هناك .. لم تشاهده و لم تسمع ندائه رغم وقوفه قريبا منها , كانت منشغلة بالتنازع مع أخرى على كومة عظام متآكلة تدعي كل منهما بأنها من بقايا رفات ولدها , دلها عليها إحساس الأم قبل أي شيء آخر , كان ذات وقع صوتها الحنون في أذنيه رغم شراسة الأيام و رغم حدة مجادلتها للأخرى و كأنها توشك أن تضربها لانتزاع الكيس من يدها : إنها عظام ولدي أقول لكِ , أحس بها تئن في جسدي .. هيا و لا تؤخريني أكثر , فلا زال طريق طويل إلى بغداد ينتظرني لأبحث عن جثة محمود , و عسى أن أجدك هناك لتزاحميني عليها أيضا ..

علا صوته حد الصراخ : أمي .. أنا هنا و لم أمت , أنا هنا ... أمي , احترسي من الصاروخ , إنه قادم , قادم نحوكِ , قااااادم ..

نقر قطرات المطر الغزير يتهافت على الشباك القريب منه كما لو كان يهم باختراقه , فيما كانت أصوات الرعود لها دوي الانفجارات في أذنيه , و في ذات الوميض الذي تجزع له القلوب , أراد أن يدس رأسه بقوة بين نعومة أحضان الحسناء المستلقية إلى جانبه ليواري فيها أضغاث أحلامه و بؤس تخيلاته المفزعة , و لكن عيني أمه المتحجرتين ما انفكتا عن محاصرته بلمعانهما الخابي في ظلام الغرفة , تهمان باختراقه أو حتى صعقه و جذبه إلى عالم الأموات .. انتفض من الفراش كما لو إن هناك من فاجئه بطرقات عالية متوالية على باب شقته ..

أعد لنفسه قدحان قهوة و جلس يرتشفه في بطئ على كرسيه الهزاز بعد أن صدحت المسجلة بزقزقات فيروز الشجية الغائرة في الوجدان .. شحوب وجهه الأسمر و منابت الشيب المتزايدة في شعر رأسه الآخذ بالتساقط في مرآة الحمام بعد اغتساله لازال يطالعه باستفزاز ينبئه بطول سنوات وحدته التي أمضاها هنا رغم كثرة ما خبر من تجارب مرت به عاصفة كأي من مراحل حياته السابقة , أحب منذ يوم مجيئه الكثيرات و الكثيرات في شبق شره ما ظن إنه سيرتوي يوما , و كأنما أراد اختلاق لنفسه ذاتا جديدة تتمرد على قهر الماضي و طواغيت أشباحه , تزوج من العراقية و الشامية , و لذات الأسباب تقريبا و بسرعة متنافسة فشل في المرتين , لم يجد مع أي منهما السبيل لما ظل يفتقده .. و إن كان هو نفسه ظل لا يعرفه على وجه الدقة , و كأن الغربة مثلما أعطته الحياة التي يتمناها ظنت عليه الاستقرار الذي رنا إليه , و لم يستطع هو أن يضفي عليهما ذلك الأمان الذي تاقتا إليه معه ليخفف عنهما وطأة الابتعاد القسري عن الأهل و الوطن ...

لعله غفا قليلا على هدهدة الصوت الملائكي و ترنح كرسيه للأمام و الخلف , و لكنه رفع جفنيه من جديد فجأة و هب نحو جهاز الكومبيوتر الصغير لإعادة قراءة رسالة ابنه أخاه و كأنه ما تذكرها إلا الآن , كاد يفرغ من قراءتها لحظة وصول كاثرين فزعة مستنجدة ..

بعد السلام منها و من زوجها و كثرة الأشواق ...

(( عمي الحبيب .. أرجوك , أرجوك .. برحمة أبي أستحلفك أن تجد لنا أية طريقة تؤمن لنا الوصول إلى الولايات المتحدة , أو حتى إلى أي مكان آخر .. لا أريد لطفلي أن يحيا ذات حياة الخوف و عدم الاستقرار التي حييتها , لا أريده أن يسبق سؤاله عن المذهب الذي ينتمي إليه سؤاله عن الله , لا أريد له اليتم أو التشرد في أرض الموت هذه , أعرف إنها كلمة قاسية و لكن هذه هي حقيقة ما نعيشه الآن , لن أحدثك عن حوادث القتل و الخطف و الاغتصاب و التهجير , و لا عن أكوام الجثث مقطوعة الرؤوس التي تعترض طريقنا في أي مكان , و لا عن الحجاب الإجباري و النقاب الإجباري و التملق الإجباري حينما لا ينجي السكوت , و لا عن الخرس المقيت حينما لا يؤمن الكلام , و لا عن و لا عن و لا عن ..... فيكفي أن تشاهد نشرة أخبار إحدى الفضائيات لتعرف , و إن كانت لا تعرض سوى أجزاءً من معاناتنا , عمي ......... ))

ترقرقت ظلال دموعها في عينيه فلم يستطع ـ كذلك ـ إنهاء قراءة كلماتها المتوسلة المنهارة , و كأن الأمر بيده , انتبه للمسات كاثرين الطرية لشعره , أغمض عينيه و أرجع رأسه للوراء مستلذا بمداعباتها الحانية لوجهه , كما كان فرانك يحب أن تفعل , تركته و جلست على المنضدة التي أمامه إلى جانب جهاز الكومبيوتر فيما راحت تحرك ساقيها اللتين لم تنشا الأرض و جذعها على وقع لحن أغنية فيروز الهادئ ..

ـ ألحانها ناعمة و تعطي شعورا بالدفء , ماذا تقول كلماتها ؟

متأملا إشراقة وجهها رغم إن النعاس لم يغادره بعد : تطلب من نسمات الهواء أن تأخذها معها إلى بلادها ..

انحنت نحوه في ابتسامة حلوة مداعبة : و هل أنت تريد أنت أيضا أن تأخذك النسمات إلى بلادك ؟

فاجئها بضحكة صاخبة : الذين في الخارج كانوا يحلمون بالعودة , و الآن الذين في الداخل يتمنون الرحيل.. نزيف الغربة لا يرضى التوقف أبدا , بل إنه يتزايد جيلا بعد جيل ..

أحاطت خديه بيديها في رفق : لأول مرة ألمح إطلالة الدموع في عينيك , ما أعرفه عنك إنك ضاحك دوما و تحب المزاح ..

ـ هكذا نحن نتهرب من أحزاننا , بالضحك و المزاح , ربما لشدة اليأس الكامن فينا ـ التفت نحو الشباك , كان المطر مستمرا في الهطول فيما كان نور الصباح يضع أولى لمساته على الأرض : الناس في بلدي كانوا يستبشرون بالمطر لأنه رمز للخير القادم إليهم ,لا أعرف إن كان الآن بإمكانهم الاستبشار

بأي شيء ؟ ..

ودت الحنو على تذمره الحاد بعناق طويل كان ليحمل ذات توَتر المساء و هذيان رغباته , و لكنه ابتعد عنها في سأم من كل شيء و راح يدخن سيجارته قرب الشباك في وجوم مطبق عاجز عن الكلام , دنت منه في صمت ـ و الرعب عصب نافر نبضه يتعالى في أوصالها ـ مسندة رأسها المتصدع على كتفه لكي تشاركه الإصغاء بعينين متوجستين لذرف السماء المنهمر بضراوة تصفعها الريح , فيما ظل شجن فيروز يواصل بوحه الرخيم..

.......................................................

20 ـ 7 ـ 2006 عَمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007