[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
السيدة الأولى السيدة الأولى
التاريخ:  القراءات:(4463) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                                                                                       الـسـيـدة الأولى                       

                                                                                                                                 ـ قصة قصيرة ـ

 

  طريق طويل و شاق مضت خطاها فيه منذ أن كانت في سن السادسة عشرة , حينما جلبتها إحدى قريباتها معها إلى العاصمة بعد أن بهرها جمالها المتوهج بلفح الشمس و ألق الليالي المقمرة العذبة .. لا زالت تتذكر أول دار صغيرة استأجرتها ـ و من ثم اشترتها بعد ذلك ـ بمعونة و حماية أحد عشاقها ذوي الشأن في البلاد آنذاك , لتتخلص من سطوة قريبتها تلك التي استنزفت من جمالها الريان ما استطاعت , و من غيرة و مكائد قريناتها حتى من يمكن أن تفوقها جمالا , و رغم إنها قد ملكت عدة دور فخمة و كبيرة و في شتى المناطق , إلا إنها ظلت متمسكة بتلك الدار المقفلة و التي تحرص على إرسال من ينظفها باستمرار لكي تكون جاهزة لإيوائها في أي وقت شاءت فيه الهروب من كل شيء و الانزواء عن إمبراطوريتها التي أقامتها من لا شيء , ففيها استطاعت أن تؤسس أولى ركائز مملكتها العامرة ذات السلطة التي تتعدى سلطة الأسِرة بكثير , عندئذ توطدت علاقتها بالصديقين ( الشيوعي و القومي ) و خبرت خلافاتهما , و عدائهما بعد ذلك , لم يكونا كأي من الزبائن بالنسبة لديها , و هي أيضا .. لم تكن مجرد فتاة ليل لأي منهما , و كأنها أضحت من ضمن المكتسبات السياسية التي يتصارعان عليها و يحاول كل منهما إحرازها نكاية بالآخر , كانت تضحك في دلال متباهية أمام كل منهما لما يحاول إلحاقها بفلك أفكاره و أحلامه المشرعة الأبواب نحو المستقبل : أفكاركما قد فرقتكما , أما فراشي فيجمع شهواتكما من دون أي تعقيد و لا إقتتال ..

 لما حدث انقلاب عسكري في البلاد بقيادة الشيوعيين صارت تعلو واجهة الدار راية حمراء كبيرة ـ كلون مصابيح الغرف ـ إلى جانب رسم مميز للمطرقة و المنجل , بالإضافة إلى صور لينين و ستالين التي علقت على الجدران , عندئذ صار ( الرفاق ) يجوبون أنحاء الدار طيلة الوقت بصخبهم و مناقشاتهم .. و طبعا توهج فحولتهم المنتشية , و بينما كانت تستلقي بين أحضان سليم ـ صاحبها الشيوعي ـ الذي سطع نجمه كثيرا في تلك المرحلة كان ذهنها منصرفا مع الآخر ـ منير ـ في تشرده ما بين السجون و مطاردات رجال الأمن , حتى أمست تلمح قسماته تسطو على ملامح وجه صاحبه القديم فلا تعرف أتعشقه أكثر أم تحمله بعض المسئولية عن تيهه و تسكعه في الأقبية المظلمة كما أخبرها عند آخر مرة جاءها فيها متخفيا عن الأنظار و الخوف يدب بكل خلجة في كيانه رغم كل محاولاته لإخفاء ذلك عنها , بل إنها باتت  تتصوره كالطفل المذعور الذي أتاها متلمسا بعض الأمان أكثر من أي شيء آخر .. و لم تداخلها بعض السكينة نحوه إلا عندما أخبرها سليم بنجاحه في التسلل عبر الحدود إلى بلد مجاور و نأيه عن أي خطر يمكن أن يداهمه , و كأنه هو من أعانه على ذلك و إن أرادت نبرة كلامه أن تبين عكس ذلك .. كانت تتلمس في انفعالاته هو الآخر ما يعانيه من ضغوط و صراعات مع رفاقه , كانت تجده يزداد توترا مع الأيام و كأنه يتوقع دوما وقوع كارثة تزلزل الأرض من تحت أقدامه رغم كل ما راح يستحوذ عليه من امتيازات و سلطة في العهد الجديد ...

 أمسى أكثر تعلقا بها إلى حد إنه أراد أن تكون له لوحده فلا يشاركه بها شخص آخر حتى و إن كان ذو منصب كبير في الدولة , يرسل لها سيارته الخاصة لتقلها إلى أحد بيوته , و لكن ذلك كان أشبه بالمستحيل بالنسبة لكليهما , كل ما استطاعه هو أن يجعلها تختلس أكبر وقت ممكن من مشاغلها لتمضيه معه في بيته , خاصة في ليالي الأرق المرهق الطويلة حيث تستشري الهواجس القلقة في عقليهما و يستعذب سكون الليل بهذر ثرثراتهما السكرانة حتى حلول الفجر , عندئذ يرتدي ثيابه و يخرج نحو الجامع القريب من بيت أهله , يرقب عن بعد خروج والده من الجامع عقب الصلاة , و ما إن تقع عينا الشيخ الجليل عليه حتى يبدأ يجلده بنظرات غامضة لا يدرك لها معنىً سواه , تجمده في مكانه و تسري رعدة غريبة في أوصاله تنتفض على كل ما حققه من مهابة تفرض سطوتها على الجميع , رعدة تصاحبه حتى بعد وصوله بيته و استلقاءه إلى جانبها , و لطالما أيقظتها رجفته و كأن حمى شديدة ألمت به رغم عدم ارتفاع درجة حرارته , فتحتضنه بقوة حانية حتى يستسلم لنوم مضطرب غالبا ما ينتابه الهذيان ..

 بالكاد استطاعت الوصول إلى بيته ما أن بدأت الحركة تدب في الشوارع التي تعج بالمسلحين و الدبابات و السيارات العسكرية المسرعة , كان باب البيت المفتوح و واجهته مرقشان بالرصاص فيما كان زجاج النوافذ مهشم بالكامل , و كأن هناك معركة حربية شرسة وقعت في ذات مكان وقوفها المفزوع أمامه , كاد قلبها ينتزع من بين أضلعها لهول المشهد فيما راحت أعين الجيران الذين كانوا يتجنبون رفعها في وجهها قبل يومين ترمقها بنظرات مشمئزة أقرب ما تكون إلى البصق في الخمرية الغامقة لقسمات وجهها المنهارة من شدة القلق عليه .. لم يهدئ من روعها بعد عدة أيام غير طمأنة منير لها عن أخباره , فلقد سهَل له الهروب من أحد الأزقة بعد أن كاد هو و رفاقه يحاصرون مجموعته التي تشبثت بالمقاومة حتى النهاية .. ( مؤكد إنه سوف يحاول الذهاب إلى الجنوب للالتحاق ببقية رفاقه المختبئين هناك ليعيدوا تنظيم أنفسهم و يبدؤوا المقاومة المكثفة من هناك , أعرفه .. غبي و عنيد , و لن يقبل التسليم بأن كل شيء انتهى بالنسبة إليهم ) .. قالت في حنق شديد ( أنتما الاثنان غبيان و لن يجدي أي شيء في تغييركما حتى تقتلان و من أجل ماذا , لا أفهم و لا أريد أن أفهم ) .. كادت تطرده لتفرض على نفسها عزلة لا تسمح لها برؤية أحد خاصة في ظل الظروف الجديدة التي لا تعلم بمدى تأثيرها في المقبلات من الأيام العاصفة عليها و على فتياتها الكادحات , عاشقات الماركسية العتيدة, و لكن شوقها إليه و خوفها على الطريد في البراري كانا أقوى من كل شيء ...           

 بلاد العرب أوطاني .. الوحدة العربية هي سبيلنا إلى المستقبل الواعد .. صورة كبيرة تجمع أعلام متوهجة الألوان لبلدان تكاد تسمع عنها لأول مرة في حياتها كانت موزعة على جدران صالة بيتها الجديد , أما واجهته فقد تزينت بلوحة من الفسيفساء تمثل خريطة الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج ..

عشق منير كان له سحر آخر , أكثر عمقا و ألقً , و كأنه أراد أن يعوِض نفسه عن سنوات التشتت التي أمضاها بعيدا عنها و عن البلاد , حتى جاء وقت خشيت فيه أن تطغى علاقتها به على ما سيطر على كل تفكيرها منذ البداية , تكوين صرح شامخ لا ينال شيء من قوته و مهما طغت قوة فتكه في البلاد بأسرها , و فيما هو راح ينشد ـ و لو رغما عنه ـ لمتقلبات السياسة و  أهواءها سريعة التقلب , حتى أمسى و كأنه يركب أرجوحة معلقة في دولاب كبير لا تلبث أن ترتفع به قليلا حتى يعتريها اهتزاز كبير يعربد بمفصلاتها و يكاد يسقطها في هاوية سحيقة لبلاد اعتادت الانقلابات العسكرية و الصراعات السياسية و توالي الانشقاق بين الرفاق القدامى , كانت هي تشق طريقها سريعا نحو إقامة ذلك الصرح العتيد و بعقلية فاجأت بها نفسها قبل الآخرين , فقد أسست شبه نظام داخلي للدور التي ملكتها , نظام صارم لا يرضى التهاون أبدا ألزمت به الفتيات المسئولات أمامها عن هذه الدور , كانت اجتماعاتها بهن كل حين تشبه إلى حد كبير اجتماعات القيادات السياسية لتخرج من بعد ذلك بأهم القرارات التي تتناول الخطط المستقبلية للبلاد , توزع عليهن خلالها مختلف النصائح و الإرشادات التي تخص شتى و أحدث فنون الأسرة من أجل تلقينها للفتيات اللواتي تحت إمرتهن للحصول على أكبر فائدة ممكنة في الفراش .. و خارجه , كما كانت تستلم منهن ما يشبه التقارير عن سير عمل كل فتاة لا سيما المستجدات منهن و التي حرصت على انتقائهن بنفسها وفق مواصفات خاصة لا تتعلق فقط بالجمال و إن كان له الأولوية طبعا , و سيرة ذاتية ملخصة عنها , و عن طبائعها و ما يمكن أن تتميز به عن الأخريات في أحوال و مواقف معينة و ما ينتابها من قصور في مواقف أخرى لتعرف أي الزبائن تتناسب أهواءها مع أهواءهم أكثر , فالزبائن لديها أيضا درجات و معايير سياسة و مهنية و مزاجية و مادية و حتى نفسية و اجتماعية و سنية عرفت من خلال خبرتها كيفية الحكم عليها , و بالإضافة إلى كل ذلك كانت تستلم بالخفاء معلومات شبه تفصيلية من كل فتاة في أي من تلك الدور عن زميلاتها و المسئولة عنهن و هي تظن إنها الوحيدة التي تحوز على ثقة السيدة الأولى الممسكة بمفردها بزمام كل الأمور .. كانت في غاية السخاء مع من تنال رضاها و لكنها أيضا كانت في غاية الحزم و ربما القسوة مع من تجد فيها نية للتمرد أو الانشقاق أو حتى الإهمال و عدم تنفيذ الأوامر بحذافيرها , و لتدارك أخطاء الماضي فلقد أمرت بتخصيص أوقات خاصة ـ و إن كانت في الخفية ـ لرجال العهود القديمة , ففي مثل هذه البلاد كل شيء ممكن و قابل للتغيير , و الصور و الشعارات و اللوحات الدائمة التغيير في تلك الدور الشامخة خير دليل على ذلك , بالإضافة إلى جدول دقيق للمواعيد و الأيام التي على كل فتاة الالتزام بها من غير تهاون إلا لظروف طارئة خارجة عن إرادتها , و غير ذلك من التدابير و الأفكار المتجددة الأخرى ..               

 قد لا يبالغون الذين يقولون إنها شيدت دولة داخل الدولة , دولة تكاد تمتد شباكها العنكبوتية إلى كل مكان في البلاد حتى صارت للسيدة الأولى القدرة على تدمير مستقبل أو على الأقل نفي كل من يحاول عرقلة مصالحها التجارية أو التصدي لأعمالها التي ألفتها منذ نعومة أظفارها و التي كرست من أجلها عمرها كله بعزم لا يعرف الفتور , بل إن تشعب نشاطاتها قد امتد إلى خارج البلاد أيضا , و ذات مرة و فيما كانت مسافرة إلى فرنسا مع أحد المسئولين المهمين و المختفين عن الأنظار دوما لتوقيع عقد من العقود المهمة لا سيما في عصر الحروب الذي تحياه البلاد التقت بسليم في أحد فنادق باريس الكبيرة , كانت قد عملت منذ زمن من أحد أصدقائه إنه استطاع الفرار إلى موسكو ـ معقل حلمه القديم , و لكنها لما رأته عرفت إنه قد خلع عنه الثوب الأحمر الذي أمضى سنين شبابه متسربلا به و كاد يضحي بحياته من أجله و صار تاجرا محنكا يجوب بلاد أوروبا سعيا لمزيد من الثراء , و الشيء الوحيد الذي تبقى من ذلك الشاب الثوري الذي تعرفت عليه في بداية حياتها هو طموحه الذي لا يرضى التوقف عند حد أبدا.. كان الفراش بالنسبة إليهما هذه المرة اجترار لذكريات قديمة طواها العمر المنصرم في حزمته الكبرى أكثر من أي شيء آخر , كحاله تماما لما يجمعها بمنير في دارها الصغيرة الأولى بعيدا عن كل شيء , عن أعبائهما و ضغوط الحياة و السن المتزايدة لا سيما بالنسبة إليه , فهاهو المناضل الآخر قد أفلتَ جميع الرايات ذات الشعارات البراقة من يديه بعدما أدخل إلى المعتقل لسنوات طوال كادت أن تنسيه أي شيء خبره أو عرفه في حياته , و حتى زوجته و أولاده الذين تركهم بدون عائد محدد أو ثروة يعتمدون عليها أثناء غيابه كما فعل جل أصحابه ذوو المبادئ النزيهة التي لا ترضى المساومة بأي حال من الأحوال , هو اليوم صاحب معرض صغير لبيع الأجهزة الكهربائية ـ المستوردة فقط من الدول التي طالما أطلق عليها ساخطا صفة الإمبريالية .. كان وجوده المستمر و لو على فترات متقطعة ضروريا في حياتها ليعزز بقايا الإنسانية في داخلها و التي غيبت في خبايا عالمها المادي الفج المنزوع من أية عاطفة , و بقدر ما كان يمدها بالحنان الذي تفتقده كانت تغزوه برقة فتاة في العشرينات لم تعرف الحب من قبل أبدا , فيكاد يعاودها هاجسها القديم بعدم تركه أبدا .. وجدها و من دون أن يطلب تسلمه عقدي عمل لولديه , براتبين و امتيازات مغرية في إحدى الدول النفطية , و طبعا من دون أي مقابل و ليس كما تفعل مع الآخرين الذين اعتادوا أن يجيئوها خفية عن العيون , طامعين بوساطة منها لدى هذا المسئول أو ذاك , و معارفها في هذه البلاد أو تلك , عدا الذين تجد ظروفهم الصعبة بعض الشفقة في قلبها الذي لم ينله التحجر التام بعد ..

 انقلاب جديد شديد البأس جاء لينقذ البلاد من الفوضى و الاضطرابات الكثيرة التي عصفت بها طويلا , هذه المرء جاء بزعامة الأحزاب و الحركات الإسلامية التي طال صمتها طويلا لتعيد البلاد إلى حظيرة الإسلام ـ كما جاء في البيان الأول للثورة ـ من بعد أن اجتاحتها مختلف الأفكار العلمانية الكافرة البعيدة كل البعد عن تعاليم الدين الحنيف , ضمان العدل و الخير و الحياة الكريمة التي حرم منها أبناء الشعب أجيالا بعد أجيال .. عندئذ تغيرت معالم الحياة تماما في كل مكان , و كأن هذه الثورة الصارمة قد جاءت لتعيد صياغة التاريخ من جديد , و طبعا التفتت الأنظار أكثر من أي شيء آخر نحو مملكة العهر الأولى في البلاد , فراح الجميع ينتظر بشماتة و فرح غامر دك وكر الفساد في المدينة و الاقتصاص من البغايا في الساحات العامة أمام مرأى من الناس الشرفاء بمن فيهم مرتادي بيوتها أو المرتبطين بشكل أو بآخر بأحد أعمالها المتشعبة داخل الوطن و خارجه بعد أن ضمنوا إن مصالحهم لن تتضرر بل ربما على العكس تماما ..

 ظلت بيوتها خاملة الحركة لفترة , و كأن مجمع البغايا و حراسهم قد هجروها إلى مكان بعيد , و لكن الأبواب لم تلبث أن شرعت من جديد , و بهمة و نشاط لم تشهدها تلك البيوت منذ مدة طويلة , فلقد عادت الحياة لتغزوها من جديد و بحلة تناسب المرحلة الجديدة المزهوة بنور الإيمان , و كما تغير كل شيء صارت و فتياتها الفاتنات مثالا للنسوة المتقيات المحصنات و المستترات بالحجاب و الملابس المحتشمة التي لا تكشف سوى عن الوجه و كفي اليدين و كعبي القدمين و هن يفتحن دورهن لتوزيع أموال الزكاة و الصدقات على مستحقيها بابتسامات حانية تقربهن من هيئات الملائكة , أو و هن يستقبلن طالبات العلم و الدعاة و العلماء الموَقرين ليلقوا محاضراتهم الدينية و مواعظهم التي تذرف لها الدموع في غرف العهر ذاتها من بعد أن فرغت من أثاثها و عبقت بروائح البخور الثمين و الأنفاس الطاهرة و الدعوات المرتفعة إلى عنان السماء .. و في المساء كانت السيارات الحكومية الفخمة و المظللة الزجاج تتوقف أمام تلك الدور ليترجل منها عدد من رجال العهد الجديد ذوي اللحى المسترسلة إلى أسفل الذقون و المسبحات الطويلة بلباسهم العربي و عباءاتهم الغالية المذهبة الأطراف , و ما أن تتبارك الدور بدخولهم لمناقشة أمور الدين و مسار الدولة الإسلامية الوليدة مع الأخوات المؤمنات التائبات من بعد عصيان حتى تسد الأبواب بالحرس العامرة صدورهم بالإيمان الذي طالما تمنى أن يحرفوا كل بيت من هذه البيوت فوق رؤوس المومسات اللواتي يقطنها و عشاقهن الزناة ..

 بينما كانت تستلقي على فراشها شبه غافية في غرفة من غرف نومها الفخمة الأثاث و كأنها مخدع ملكة , انسل من الباب الذي نسيت إيصاده شاب ملتحِِ مستغلا لهو حراسها الشخصيين بمداعبة الفتيات , اقترب من السرير بخطى مرتعدة و وجه ممتقع بلون الدماء المغلولة في عروقه و الموشكة على الانفجار , جلست بسرعة مندهشة من جرأته على اقتحام غرفتها الممنوع دخولها من قبل أحد إلا بإذن منها , كانت عيناه تحملقان فيها بوحشية ضارية مخيفة , و من قبل أن تنطق بكلمة أو تحاول الإتيان بحركة وجدته يعاجلها بطعنة سكينة كبيرة كان يحملها في يده المرتجفة بفعل تأجج الندم الذي سرى كالسم في أوردته على الخطيئة الكبرى التي أقدم عليها منذ قليل مع إحدى بناتها مقتديا بشيوخه الذين أمسوا يدأبون على تبرير كل شيء .. شهقت شهقة عظيمة ابتلعت صرختها التي أرادت أن تطلقها ثم ارتمت على الفراش منهارة القوى فيما ظل بريق عينيها الأخير يلف وجهه المتجهم و وقفته المتخشبة من غير أن يجد لديه قدرة على الحركة , قالت متهدجة الأنفاس و ظلال ابتسامة غريبة توشح شفتيها : كنت أتصور منذ زمن أن تكون نهايتي بمثل هذه الطريقة .. صمتت و كأنها ضحكت .. و لكن ليس على يد شاب غر مثلك ..

 استيقظت نافضة الحلم الغريب عن جفنيها ثم راحت تدنو أكثر من منير النائم إلى جانبها حتى التصقت به , طالعت لحيته المستعارة الملقية على الكومدينو قرب السرير فانتابتها ضحكة خافته لم توقظه , ألقت برأسها على صدره المترهل و  كأنها تستريح من عناء سفر شاق و طويل , كانت شفتاها تمطره بقبلات حارة تستنجد بأيام الشبق القديم لكلا العاشقين الهائمين في دنيا تضج بالأحلام الكبيرة ..                                                  

                                                

                                                                                            .............................................................      

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007