[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شتات امرأة شتات امرأة
التاريخ:  القراءات:(4226) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

            شــتــات امــرأة

         ـ قصة قصيرة ـ

                                                                                                                                              

عادت إلى الظلمة من جديد , لم تشعل شمعة أو توقد قنديلا , يكفيها ضوء القمر المنبعث عبر نوافذ الدار لتتلمس طريقها نحو غرفة نومها , ألقت جسدها بقوة على السرير كما لو أمضت أياما في مسير متواصل , مضت مدة طويلة لم تشاهد فيها بغداد أثناء الليل , كانت السيارة مظللة الزجاج تمر بها في شوارع خالية بسرعة عاصفة كشبح يعدو في أرجاء مدينة مهجورة رغم دوي الإنفجارات و إشتعال النيران و تصاعد أدخنتها بكثافة شديدة من هنا و هناك , و لكنها أحست إنها بمنأى عن أي خطر ما دامت قابعة داخل تلك السيارة الفارهة التي لم تتوقف إلا أمام داره الكبيرة .. فتح لها أحد الحراس المسلحون الباب ليطالعها البيت ذو البوابة الحديدية المرتفعة و المنارة أضواءه بصورة تستفز ظلام الشارع المكبل بالحواجز الإسمنتية و الأسلاك الشائكة , إحتفظت بتماسك خطاها و صرامة ملامح وجهها دون أن ترفع رأسها لتتحاشى نظرات بقية الحراس المشوبة بالفضول و إبتسامات وجوههم المستفزة و إن حاولوا مداراتها عنها , إلا أن من رافقها نحو البهو الكبير الذي جلست على إحدى أرائكة الوثيرة كان في غاية الأدب و كانه يتعامل مع سيدة الدار , إستأذنها و إنصرف ليتركها ترقب عن كثب الأثاث و الزهريات و التحف الفاخرة و السجاد الفارسي العتيق متوهج الألوان من تحت الضوء الساطع المشع من الثرية الكبيرة المتدلية من السقف المنقوش نقوشا مغربية بديعة , بينما كانت تواجهها مرآةً مزخرفة الإطار أبصرت فيها تصفيفة شعرها البسيطة و تناسق مسحات المكياج التي أضفتها على وجهها لتمحو عنه بعض ظلال الإجهاد و الشحوب التي تخيم على حياتها مثقلةً عقدها الثالث بوهن الكهولة المرير , هو أيضا لم يسلم من مخالب السنين الطويلة التي غابها عنها حتى كادت لا تعرفه عندما طالعها وجهه في إحدى الفضائيات , لقد أمسى جسده ممتلئا , و لاحت وجهه سمرة حادة , حتى نبرة صوته قد غزتها بحة مميزة غيبت تلك الرقة التي كانت تخفق بين جنبات أحاديثهما لساعات طوال متنقلين من حلم لآخر كما لو كان الغد رهن إشارتهما .. و لكنه إختفى فجأة , هكذا بمنتهى البساطة , و لم يخلف لها سوى رسالة بعثها لها مع أحد أصحابه يشرح فيها بصورة مقتضبة لم تتخلَ عن الغموض الذي كان يكتنف شخصيته في كثير من الأحيان الأسباب التي إضطرته لمغادرة البلاد خفيةً عن العيون , و يوصيها في خاتمتها بأن تحرقها بمجرد الإنتهاء من قراءتها ..

 لا تزال أنفاسه تحيطها , و نظراته الشغوفة تحدق بها من كل زوايا غرفتها , تتطلع إلى قلقها و سهدها و الدمع الذي تذرفه عيناها في صمت يصغي لكلماته و يده تمسك يدها  بقوة و ثقة زادتا من إرتباكها أمامه و كبلتاها بلجام الصمت لما سألها عن أخبار زوجها الهارب مع رفاقه منذ سنوات إلى المجهول , و عن إبنتها , و عن و عن و عن .. لم تتفاجأ من معرفته لكل ما يخص حياتها , فقد ألفت الحياة المخابراتية جيدا مع زوجها , هو أيضا كان يعرف تمام المعرفة كل شيء عن علاقتها القديمة به , حتى باتت تتصور أحيانا إنه المسؤول الأول عن تخليه عنها و إضطراره للهرب إلى الخارج و إرتحاله بين عدة بلاد راح يحدثها عن محنةغربته فيها كما لو كانت في إنتظاره منذ زمن و تتشوق لسماع أخباره و ذكريات  شقاءه بعيدا عنها , و رغم ذلك لم تجرؤ على سؤاله أي شيء بخصوص وضعه الحالي و المكانة التي وصل إليها , فالرجال في مثل هذه المناصب يكرهون تطفل أيا كان على خصوصيات أعمالهم , ذلك أيضا مما تعلمته من حياتها مع زوجها , و كأنها صارت ترى بعض ملامحه تتجلى في وجه عاشقها القديم .. لدى خروجها من عنده أرادت فعلا أن تسير لأيامٍ بلا وجهة معينة , تستنشق هواء المدينة الخانق و تشاهد بأسى الحرائق المتعالية حتى لو مستها لسعات من تلك النار و شوهت جسدها الذي سعى لإمتلاكه و لو بنظرات عينيه و لمسات يده الضاغطة التي تلج فراشها الأن , لتشعل في حناياها جذوات شبق لم تخبر مثل لهيبها يوما , و لكنها و كما تعودت الهرب من بين أحضان زوجها أغلقتا عينيها على ملامح رجل مجهول لم تتعرف إليه يوما , قد تكون إلتقته في أي مكان من غير أن تتسنى لها الفرصة لمعرفته حقا , ربما هو الآن أحد القتلى المرمية جثثهم في الشوارع و وجهها المفعم بالنشوة الباكية كان آخر ما أغمض عليه عينيه الواهنتين فيما ظل جسده المضرَج بالدماء يستجدي ذلك الوله المختزن بين جنباتها حتى رمقه الأخير , هل كان معها في الكلية أيضا ! و لم يتغرب و يتسكع في البلاد و يعود حاملا في يده صولجان الحكم الجديد .. أم إنه أحد الذين هاجروا من غير أن يتسلل إليه أدنى أمل بالعودة , و هو الآن يتمنى إستقصاء أي خبر عنها في خضم هذا الجحيم , و يحاول أن يفتش عنها بين أحضان كل إمرأة تأوي تشرده الطويل من غير أن يحظى بما يروي فؤاده المتعطش لسحرها المستلقي في بؤسٍ فوق سرير أمانيها القديمة , ترقب في ظلام الغرفة توهجات الرصاص المتناثر في كل إتجاه كشهب متهاوية من السماء .. المدينة كلها تهتز على وقع الإنفجارات و لكنه يحتويها بين ذراعيه القويتين بصلابة لا تتزعزع لينأى بها عن كل شيء .. عن ماضيها و ذكريات خذلانها في حبها الأول , عن أعوام تبددت منها في ثنايا حياة السلطة و قفص الثراء الفاخر الذي أحتجزت داخله , و إن سعدت بذلك الإحتجاز لبعض الوقت .. عن حاضرها الهلامي الذي تحياه و تتخبط في مجاهله الظلماء و التي ألجأتها أخيرا إلى بيت المسؤول الجديد بعد منتصف الليل كما لو كانت إحدى خليلاته حتى أدركها الشعور بأنه لن يسمح لها بالمغادرة و إنما سوف يقودها نحو غرفة نومه ليفضي إلى جسدها بكل مرارات الكبت القديم , و يزيد ما خلَفه رجل المخابرات السابق فيها من تشوهات تحاول روحها تناسيها بين أحضان فارسها الذي يلج ظلماتها متسللا من بين ثنايا عباءة الموت التي تلف المدينة ..

 أنا لك , لك وحدك بكل جوارح امرأةٍ ولهى للحب , بكل تعطش أرضٍ لم يغمرها المطر منذ عقود , أرضٌ لا يعرف حرثها غيرك لتغدو بين يديك جنانا ما مرت ببال مخلوق من قبل .. عانقني بجموحٍ أكثر , ضمني بين خلجاتك كما لو كنت جزءً لا يتجزا منك و أخفني عن عيون كواسر العصر المجنون المتربصة برمق الحياة الذي لم يزل يخفق بين جوانحنا ..          

 إستيقظت على رنة هاتفها , أبصرت بعينيها المتورمتين رقمه فتسللت إليها رعشةً قوية و كأنها بوغتت برؤيته جالسا على سريرها يتطلع إلى مفاتن جسدها شبه العاري , التفت بالبطانية بسرعة كما لو كانت تتلفع بعباءتها كلما صارت تضطر للخروج من البيت , زف إليها بشرى قبول وساطته لدى الأمريكان للإفراج عن أخيها المعتقل لديهم منذ شهور لم تتخلَ خلالها والدتها عن البكاء و النحيب يوما واحدا حتى بعدما سقطت طريحة الفراش و الموت أقرب إليها من الحياة , كان صوته يزداد مباهاةً و مفاخرة مع كل كلمةٍ مضت تخترق أذنيها كموج البحر الهادر , فيما كان صوتها لم يزل يتعثر بتثاؤباتها و يتمطى على  شواطئ الوجد البعيدة التي لم تود تركها أبدا .. إستردت أمها جل عافيتها ما إن سمعت الخبر منها من دون أن يدر في خلدها سؤالها عن أية تفاصيل , و هي لم تعطها الفرصة لذلك بعودتها السريعة إلى غرفتها و صوته المغازِل يطاردها بعرضه الذي لم ينازعه أي تردد , قصرٌ بعيد عن كل شيء يكون لها وحدها لتريح فيه أعصابها , لا تسمع فيه صوت إطلاقة رصاصة واحدة , و لا تحيطه سوى حدائقا غناء لا يحصيها النظر لأنه يعرف جيدا مدى حبها للون الأخضر و لا يزال يتذكر أحلامهما التي لم تعرف سوى المروج الرحبة موطنا لها .. هل سوف يتمكن حبيبها الغامض من إقتحام ذلك الحصن مخترقا البوابات الحديدية و متخفيا عن عيون الحراس المتوهجة كالجمرات طول الوقت و أسلحتهم المشرعة دوما في الوجوه بذخائرها التي لا تفرغ ؟ .. هل سوف يستطيع جفناها المسدلان فوق عينيها إستحضاره و هي تقبع في زنزانة هيامه المتجدد بها ؟ .. أوَ سيمكنها صم أذنيها عن همهماته الثملة بنشوة خضوعها له و الإنزواء مع دندنة أغانيه بألحانها الشجية الهادئة و سحر مواويله المنسابة مع نسيم الليل  كمإ تنساب خصال شعرها الفاحمة السواد بين راحتيه فيما تحتويها أضلعه بحميمية دافئة كما لو كانت تستلقي قريرة العين في جوف قارب يتهادى بها فوق سطح المياه في مأمنٍ من ملاحقات الغربان الناعقة في عنان السماء ؟ ..

 إقتربت من الشباك ترقب نور الشمس الباهت بعينين أذبلهما السهر , و الزهور المتفتحة على أستحياء متنفسةً الهواء المكلوم بروائح البارود و الدخان و من حولها تتناثر الطيور النافقة التي ذهبت هي الأخرى ضحية هذه الحرب العبثية , تماما كما هو شأن أفكارها في تلك اللحظات المجنونة , تكورت على نفسها وسط فراشها الذي كان يشهد قبل ساعات أحلى تنهدات العشق الهاذي , و شرعت في نحيب حاد إرتعشت له كل أضلعها حتى شعرت بيدٍ ناعمة تحط على ظهرها للإطمئنان عليها , التفتت نحو وجه إبنتها الذي يحمل الكثير من ملامحها لا سيما لما كانت في مثل عمرها حينما كان لا يشغلها سوى اللعب و ضحكاتها تجلجل في كل مكان حتى في المدرسة رغم صرامة المعلمات و كثرة توجيهاتهن لها و لزميلاتها , و لم يكن يكَدر صفوها في بعض الأحيان غير مضايقات شقيقها ـ السجين ــ لها , لا لشيء سوى ليفرض هيمنته الذكورية عليها و لو من خلال أبسط الأمور , و لكن مع مرور السنوات صارت هوة حقيقية تفصل بينهما لا سيما بعد إطلاق لحيته و إعتكافه شبه الدائم عن الدنيا و كثرة إنتقاداته العصبية لكل ما كانت ترتديه و تضعه من مكياج يبرز جمالها أكثر فأكثر و يجعلها من الخارجات عن العقيدة في رأيه , و لولا تدخل والدها المستمر و منعه من فرض أفكاره المتعصبة عليها لربما منعها حتى من دخول الكلية , و تعاظمت قطيعتهما أكثر بعد زواجها من أحد كلاب النظام ـ كما كان يصفه دوما ـ متظاهرا بعدم مبالاته بكل الهيلمان الشيطاني الذي يتمتع به , و في المقابل كان زوجها يحمِلها دوما جميل حمايته له على قدر ما يستطيع لأجلها رغم إن الكثيرين من جماعته يقبعون داخل السجون المظلمة من غير أن يعرف  ذووهم عنهم شيئا .. مضت تسَرح شعر إبنتها المنساب حتى وسط خصرها و عقلها يحاول مجددا فك أحجية التوافق الحميم الذي حل بين الإثنين إثر الإحتلال و الذي أشارت إليه الرسائل التي كانت تصلها عن طريقه من قبل زوجها , يحمِلها بأشواقٍ ما سمعت بمثلها منه يوما منذ بداية زواجهما , و يعدها بعودة زهو أيامهما من جديد قريبا و كأنه يرى ملامح الأيام القادمة بكل تفاصلها و هو قابع في مكانه , و أبدا لم يكن ينسى أن يوصيها بإحراق كل رسالة من تلك الرسائل فور الإنتهاء من قراءتها .. ليس ذلك فقط , بل أخبرها قبل يومين من إعتقاله بأنه يمكنه أن يسَفرها و إبنتها إلى خارج العراق حيث وفر لهما ـ زوجها ـ السكن و الحياة المناسبة التي لا تفرق كثيرا عن الحياة المرفهة التي كانت تحياها في كنفه .. لم تجبه حينها سوى بشدوه طويل إغتال كل سؤال لديها من المؤكد إنها لم تكن لتحصل منه على إجابةٍ عليه.. قصر في مكانٍ آمن داخل العراق , و ربما قصر آخر خارجه فيما لا تجد مكانا يأويها و حبيبها سوى غرفةً ظلماء تكاد تقتلعها البراكين المشتعلة من حولها و تقذفها بعيدا نحو العدم , و فراش تعربد فيه رغبة لا تعرف لإرتواء عطشها سبيلا .. كلاً منهما يعدها بالحماية و تأمين مخاوفها من أهوال المستقبل المجهول شرط خضوعها التام لهوس رغباته و تحكماته االمتسلطة و التي لا تنتهي أبدا , فكرت في عجالة و هي تمسك ظفيرتي إبنتها بين يديها كلجام حصان جامح لا تحد سرعته أية حواجر بالهرب بها و الإختفاء عن كل العيون , و إن كانت لا تعرف مكانا يمكن أن يشعرها بالأمان الحقيقي الذي تتوق إليه , و كأن جميع المدن في هذه البلاد أضحت أرضاً خلاء لا تجد فيها شجرةً واحدة تستطيع أن تختبئ وراءها و لو لتلتقط أنفاسها المدوية في ذلك الفضاء الشاسع ..

 سمعت طرقات على باب البيت ثم صوت أمها يناديها لإستقبال الضيفة التي أتت لرؤيتها , كان وجهها الخمري جاد الملامح لا يفصح عن عمر محدد , يلتف جسدها الممتلئ بعباءة لم تنزعها طيلة فترة جلوسها , لم ترضَ الكشف عن إسمها و لا نوع معرفتها بها , كانت تتكلم بنبرة قوية مليئة بثقة غريبة تلومها على إتصالها بذلك المسؤول في الليلة الماضية فيما كانت تشوب نظرات عينيها تلميحات عدة , و كأن جماعتها التي أوفدتها إليها ترقبها طول الوقت و كانت تتبع السيارة و هي تقلها إلى بيته و من ثم ترجعها إلى بيت أهلها , و لكن من هم رجال تلك الجماعة بالتحديد ؟ .. رفاق زوجها , أم رفاق شقيقها الذي ذهبت من أجل التوسط لفك سجنه , أم جماعة مشتركة من كلا الفريقين بما إنهما صارا على وفاق تام أخيرا , وفاق الملائكة الذين يلقون على كواهلهم مسؤولية إقامة دولة إسلامية تقيم شرع الله و إن إعتلت جماجم الملايين مع شياطين الماضي المخضب بالدماء ؟؟؟ ..

 أخرجت المرأة جواز سفر من تحت العباءة و ناولتها إياه , فوجدت صورتها فيه و لكن بإسم و بيانات لإمرأة أخرى , و قبل أن تفيق من دهشتها أخبرتها الضيفة الغامضة بأن إسم إإبنتها مضاف إلى الجواز و بإسمٍ مستعار أيضا , و من غير أن تعطيها فرصة لطرح أي سؤال قالت و هي تهم بالخروج في نبرة صارمة و كأنها تبلغها أمرا واجب التنفيذ من دون أي مجادلة : هناك سيارة سوف تكون بإنتظاركما  أمام باب البيت عند الساعة الثانية عشرة ليلاً , و أحذرك تحذيرا جديا ألا تبلغي أيا كان بهذا الموعد و إلا لن يدفع الثمن سواكما , دعينا نحميكما قدر الإمكان حتى تصلان إلى بر الأمان , لأنك لن تجديه مع سوانا ..

 رحلت و تركتها لتبتلعها دوامة من الذهول من دون أن تعرف حتى البلد الذي سوف ينفوها إليه .. و لكن لمَ منتصف الليل بالتحديد ؟ في ذات الساعة التي أخبرها عاشقها القديم بأنه سوف يرسل إليها إحدى سياراته , و لم يخبرها هو الأخر إن كانت سوف تتجه بها إلى ذات بيته الذي زارته في الليلة الماضية , أم إلى ذلك القصر المحاط بالجنان الخضراء التي لا تسمع فيها صوت إطلاقة رصاص واحدة من أجل بدء شهر عسلهما المؤجل منذ سنوات ـ بالنسبة لديه ـ و إن جاء في صورة مجمَلة للإغتصاب .. كانت الساعة لم تزل في الثانية ظهرا , أي بعد عشرة ساعات من الآن ربما تشب معركة ضارية أمام البيت , فليس من المستبعد أن يكون ذلك المسؤول أيضا قد أرسل بعض رجاله لمراقبة البيت كنوع من تأمين الحماية لها من جهة و للتلصص على من يدخل و يخرج منه من جهة أخرى , فالحيطة و الحذر بل و الشك أيضا من سمات كل من يشتعل في السياسة حتى تجاه أقرب المقربين إليه , و ربما لأجل هذا ما أتتها أوامر الرحيل العجول إلا عن طريق امرأةٍ تظهر على هيئتها البساطة و المسالمة كشأن أي امرأة تسير في شوارع بغداد متمتمة بكل ما تعرف من أدعية لينجيها الله من إنفجار عبوة أو سيارة مفخخة أو صاروخ لا يدري أحد شيئا عن جهة إنطلاقه و ما الهدف من وقوعه في هذه المنطقة أو تلك , كما لن يعرف أي واحد من سكان الشارع و الحي بأسره سبب الدمار الذي يمكن أن يقتحم عليهم بيوتهم و يزيد من ويلاتهم و عدد قتلاهم , و هذه المرة بسببها و ليس لأي سببٍ آخر .. صورة سوداوية أخذت ترتسم في مخيلتها و تزداد وضوحا و تفاصيلا مع مرور الوقت حتى صارت تشَبِه تقهقر ضياء الشمس شيئا فشيئ عند المغيب بخفوت أضواء قاعة مسرح أو سينما معلنةً قرب بدء العرض , عدا إنها و كافة المتفرجين سوف يضطرون للمشاركة في ملحمية أحداثه من غير أن يعرفوا شيئا عن نهايتها الدامية .. بالفعل وجدت لما أطلت برأسها من الباب الخارجي للبيت حركة مريبة في الشارع , ذات السيارات تقريبا تروح و تجيء على مهل شديد , يركبها رجال ملتحون و غير ملتحون يشتركون بذات النظرات المتطايرة الشرر التي تكاد تهشم زجاج نوافذها المغلقة.. رؤوس بعيونٍ شبه جاحظة تعلن إدمانها التلصص تطل من فوق أسطح البيوت المقابلة و إلى جانبها فوهات رشاشات مستندة إلى الأسيجة .. هل يمكن أن يكون كل ما تراه عيناها هو من وحي هواجسها و تخيلاتها عما يمكن أن يحدث بعد ساعات ؟ و لمَ لا , ففي زمن الخداع الماكر هذا كل شيء جائز , و أيضا كل شيءمباح , فيما عدا الأحلام طبعا , خاصة حلمها بذلك الحبيب المتخفي دوما عن العيون و الذي يسكنها الآن أكثر من أي وقت آخر كمارد عملاق يقبع داخل قمقم لا يستطيع الفكاك من أسره كما لا تستطيع الخلاص من تلك المصيدة التي أوقعتها الأقدار في شباكها , و في ذات الوقت أمست تشعر بأن كل طرفا من الطرفين يستخدمها طعما للإيقاع بالطرف الآخر , و لذا تخلت عن فكرة إتصالها به لتطلب منه تأجيل موعدهما و لو إلى الغد بأية حجةٍ كانت , فلعل ذلك سوف يبعث الشك في نفسه و يجعله يعتقد بأنها تحاول التهرب منه بعد أن تم الإفراج عن أخيها مما يمكن أن يزيد الأمور تعقيدا و ربما .. لا ,لا , لم يعد بوسعها التفكير أكثر فيما كان الوقت يضيِق من حصاره الخانق عليها مع مضي كل دقيقة إستحالت إلى حلقة من حلقات سلسلة طويلة راحت تشد وثاقها بقوة متزايدة حتى كادت تزهق روحها .. فجأة , و في سرعة عصبية و كمنومة معناطسيا إرتدت ثيابها و تجاسرت على مخاوفها و الضعف الكامن فيها من أجل أن تهب لخطاها العزيمة الكفيلة بدفعها نحو باب البيت , و لكنها لما مرت من جانب إبنتها أخذت تحيطها بنظرات حانية وهي تحتضن دميتها القديمة بحنان أمومي رقيق كما كانت تفعل قبل أكثر من عشرين عاما حيث كانت تودع أسرارها الطفولية فيها , من الغريب و مع تغير كل شيء في حياتها مراتاً و مرات لم تزل الدمية و إن بهتت ألوانها بعض الشيء على ذات حالها , و لعلها تستقبل الآن الأسرار الجديدة لطفلتها و تأوي و لو بعض هلعها من هذه السنوات المتقرحة الجراح , ترى ماهي الأسرار و الحكايات التي سوف تحدثها بها بعد أعوام ؟ .. أما هي و حتى لو تسنت الفرصة للإختلاء بها فلن تجد الآن سوى الصمت لتسرده لها .. ودت الإنحناء نحو إبنتها و ضمها بقوة ضارية تخفيها بين حنايا أضلعها لو إستطاعت , و لكنها لم تشأ أن تزيد الإمور صعوبة , فقط ودعتها بعينين مغرورقتين بدمعٍ عاندت بمشقة هطوله على خديها لئلا تتخلى عنها إرادتها بالخروج و إقتحام الشارع عليهم من قبل أن يلجأوا إلى إقتحام الدار عليها , فحتى لو أرادوا تمزيع جسدها أوصالا فليكن ذلك أمام مرأى من الناس و في كبريات ساحات بغداد و من قبل أن يكملوا تجهيزات المعركة التي صوَرها لها خيالها من قبل .. سارت في الشارع بخطىً تصطنع ثقة تتحدى كل العيون التي ترقبها و السيارات التي بدأت تتبع خطاها بتمهل شديد حتى إنحرفت نحوها ذات السيارة التي ركبتها في الأمس عند نهاية الشارع فترجل منها شاب ضخم الجثة , مدجج بالسلاح كان يركب إلى جوار السائق ليسحبها من ذراعها بقوة عاتية و يجبرها على الركوب بسرعة فيما علا صوت صراخها بشكل لا إرادي , و راح يستلب جسدها تشنج صارع بشراسة قوة الرجل ملثم الوجه , عندئذ و بسرعة غريبة توزعت عدة سيارات على جوانب الطريق و مداخل الأفرع  مشكِلة ما يشبه حلقة كبيرة من الجحيم ليترجل منها رجال ملثمون لا يميَز الملتحين منهم عن سواهم , و لكنها رغم ذلك ورغم الظلام الذي هبط على المدينة كغطاء ساحر عملاق يخفي من وراءه أسرار ألاعيبه السحرية العجيبة التي تزرع في القلوب هلعا لا يضاهى , رغم ذلك إستطاعت تمييزعيني أخاها جيدا من بين كافة العيون و هما تدحجاها بنظرات كان من الصعب أن تدرك لها معنىً محدد .. كان دوي الرصاص المتراشق من إتجاهات عدة يتزايد بالتعالي كزمجرة مخيفة لحيوانات منقرضة إنشقت عنها الأرض لغزو المدينة و إحالتها إلى خراب , لم تكن تبصر و هي مرتمية على الأرض في مرمى خط النار سوى سيقان لا تلبث أن تستقر خلف أحدى السيارات حتى تنطلق راكضة نحو مكان آخر تتحاشى التعثر بأجسادٍ متهاوية هنا و هناك من دون أن يبالي أحد بالإلتفات إليها , و لم تكن تسمع سوى أصوات كثيرة لها عوي الذئاب و لهاث متواصل و همهمات و تحشرجات متداخلة أخذت تتباعد عنها شيئا فشيء مع كل إغماضة عين متثاقلة راح يبرق في ظلمتها وجه حبيبها بملامحٍ مشرقة لم تتبينها في مثل ذلك الوضوح من قبل ..  

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007