[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الغريب والموت الغريب والموت
التاريخ:الاثنين 2 ابريل 2007  القراءات:(2675) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  

                  

 

     تحملني رياح الغربة حجرتي .. أستسلم لها بلا مقاومة

.. لا أدري أين ستلقي بي .. أزرع خطواتي فى طريقي برعشة الخائف من الوصول إلي المجهول .. أحس

بغربتي بين الناس .. كأنني أنتمي إلي عالم الوحدة الذي

تركته .. أحدق طويلا في عيونهم المتعبة .. أمارس محاولة

اختراق زيف نظراتهم .. الاشمئزاز الذي تعودت أن أحس

به أغرقني أكثر .. رغم ذلك أتحامل علي نفسي وأمضي

في سيري .

     أعبر الشوارع .. أمشي علي الأرصفة .. تعتاد قدماي

التشرد .. ألتقي بأكثر من صديق .. يحزنني أننا نتبادل

التحية بهزة الرأس من بعيد .. أبدو دائما كخيال لعابر غريب مجهول الهدف يسير تائها في الطريق .. أقف لحظة وأتلفت حولي .. تمر عيناي علي الأشياء بلا توقف ولا ألمح منها غير ظلالها .. بلا مبالاة أواصل سيري من جديد ..ثم أسرع في خطواتي كأنني أريد اللحاق بالحظات المجهولة قبل أن تهرب مني ...

     تتكاثر الطرقات أمامي .. لا أعرف أيها أختار .. لكنني أظل في سيري بين الزحام .. أتوه وسط الناس .. أبدو وكأنني أفتش عن طريق بينهم .. إحساسي بالغربة يزداد أكثر .. كأنني أنتمي إلي عالم غير عالمهم .. أنشغل بهم للحظات ثم أعود إلي رؤياي الصامتة .. وأترك رياح الغربة تحملني إلي حيث تريد ...

* * *
* * *
* * *
* * *

     قبل أيام اكتشف أن بيتها كان مقصدي .. من المؤكد أن رغبة في داخلي هي التي دفعتني إليها .. لم يكن بيننا موعدا .. لذلك فقد فوجئت – هي – بحضوري عندما فتحت الباب ووجدت أنني الطارق ....

     ماتت دهشتها في اللحظة التي أغلقت فيها الباب ورائي .. تلاحمنا في عناق طويل .. لكننا لم نستطع أن نقضي علي إحساس الغربة الذي يجمع بيننا .. حاولت أن أقتل يأسي علي صدرها لكنها كانت مثل الآلة بلا إحساس لما نمارسه ..

-     كأنك تعاني شيئا ..

شابهت القطة وهي تتمسح بي .. ابتسمت في سخرية وأنا أتساءل :

-     كأنني ؟! ..

-     إذن ما يبدو عليك حقيقة ..

قلت وأنا أبتعد عنها :

-     لا شأن لك بهمومي ..

تعلقت بي وهي تسألني :

-     ألا تثق في ؟! ..

تأملتها قليلا ثم قلت :

-     يكيفك ضياعك .

تنهدت في أسي .. ثم قالت بعد لحظات من الصمت :

-     أتشفق علي .. أم تهزأ بي ؟.

احترت فيما أقوله لها .. قالت وهي تشيح بوجهها عني :

-     سامحني ..

     قلت في نفسي .. " ماذا تظن بي كي تطلب مني أن أسامحها .. فلست المسئول عنها ولم تفعل شيئا يسييء إلي .. ولا يجمعنا غير الضياع الذي نتشارك فيه .. " ثم سألتها :

-     لماذا ؟! ..

-     يبدو أنني نسيت نفسي .

أدرت رأسها حتى واجهتني :

-     ماذا تقصدين ؟.

أجابتني بصوت خنقته العبرات :

-     أعرف أن لا حق لي مثل الأخريات في سؤال أي رجل ..

ثم أضافت في تهكم حاولت أن تخفيه :

-     أقصد الزوجات .

     " هذه التافهة ماذا تريد مني ؟! .. أتمهد لتطلب مني أن أتزوجها ؟.. وبئر الخطيئة الذي تغرق فيه .. ما مصيره ؟! .. "

     هذا ما قلته لنفسي قبل أن أسألها :

-     ما الفرق ؟.. ألست إنسانة ؟.

رددت في غرابة :

-     انسانة ؟! ..

ثم وضعت يدها علي جبهتي وهي تسأل :

-     أتحس بشيء ؟.

ثم ضحكت في سخرية وقالت :

-     ما قلته يجعلني أظن أنك تهذي .

-     أقلت ما هو غير معقول ؟! .

-     بالطبع ..

داهمتني حيرة وأنا أسترجع ما قلته لها .. لاحظت هي ذلك فقالت في أسي :

-     مسكين ..

أحسست بالضيق منها .. واستكثرت علي نفسي أن تشفق علي هذه الداعرة .. قلت لها :

-     أتسخرين مني ؟! ..

-     وهل هذا معقول ؟.. امرأة مثلي تسخر من رجل مثلك ؟! ..

ثم أضافت :

-      لقد فقدت آدميتي عندما أبحت جسدي للرجال ..

اندفعت أضحك بصوت عال .. بدا علي وجهها الوجوم وهي تتطلع إلي في غرابة :

-     ما الذي يضحكك هكذا ؟! ..

قلت لها بعد أن كففت عن الضحك :

-     لأنك نسيت أننا مثلك نتشارك معا في ما نفعله ؟! .

قالت بعد لحظات  :

-     لكنك تستطيع أن تتركنى وتعرف غيرى

ثم أضافت :

-     أو تتزوج .

سألتها:

-     لماذا تقولين ذلك ؟.

قالت في لامبالاة :

-     لأنك تستطيع أن تتزوج أو تعرف غيري  .

-     ولماذا لا تتزوجين أنت أيضا .؟.

قلتها وكأني توصلت إلي حل لنا .. قالت بصوت خافت :

-     أتزوج ؟! .

-     الرجال حولك كثيرون ..

فكرت قليلا .. ثم أخذت تحدق في وجهي قبل أن تقول :

-     بالطبع أنت منهم .

تلعثمت وأنا أردد :

-     أنا .. أنا ..

قالت في سخرية :

-     لا تخش شيئا .. أنا لم أفرض نفسي عليك ..

-     لكنني ..

-     تريد أن تهرب مثلهم ؟.

ثم أضافت :

-     كلكم هكذا .. تكتفون بالمتعة العابرة وترفضون الاستقرار ..

-     أنت لا تعرفين الحقيقة ..

-     الحقيقة أنني ضائعة .. أليس كذلك ؟.

-     لا ..

-     تقصد أنني امرأة بلا شرف ؟.

-     مستحيل أن تعرفي ..

-     بائعة هوي .. لا شيء غير ذلك .

سألتها :

-     ما الفرق بين المرأة الضائعة .. والتي بلا شرف .. وبائعة الهوى ؟..

بدا لى أنهاعجزت عن أن تجيبني .. قلت لها :

-     بالطبع لا فرق ..

تماسكت بصعوبة عن البكاء ثم قالت :

-     هذا قدري ..

رددت في أسف :

-     لكل منا قدره ..

قالت بعد لحظات من الصمت :

-     لو أجد الرجل الذي ينتشلني من سوق الليل .

تعلقت عيناي بها بضع لحظات ثم قلت لها :

-     ربما تجدينه ذات يوم ..

استوقفتني قبل أن أخرج وقالت بعد تفكير سريع :

-     خذ ..

وردت لي ما دفعته لها .. استأت منها لأني ظننت أنها تريد أكثر .. لكنها قالت :

-     من الآن أنا مدينة لك ..

وقبل أن أفيق من دهشتي أضافت :

-     لقد أعطيتني للحظات آدميتي التي خسرتها ..

سألتها :

-     كبف ؟ا

-     عاملتنى كانسانة عادية.

ثم اندفعت تضحك فجأة وأخذت تحدق في وجهي .. وهى تسألني :

-     لكن أين الإنسانية في هذا العالم ؟.

قلت لها في أسف :

-     معك حق ..

وقبل أن أخرج سمعتها تقول :

-     نحن مثل الحشرات في هذا العالم ..

" من العبث أن تفكر في رجل ينتشلها من سوق الليل .. "

قلت في نفسي ذلك بعد أن تركتها .. وتوقعت لها أنها ستظل كما هي .. ولو طال بها العمر لن تجد في كهولتها من يرغب فيها .. وحتما ستنتهي داخل حجرة حقيرة تفوح منها رائحة عفنة .. أو تموت علي رصيف مثل حشرة ضارة .....

     لكنها انتهت بالأمس .. اعترضت طريق ترام مزدحم فشق طريقه بين أجزاء جسدها .. هذا ما عرفته من جريدة الصباح .. ودون أن أدري أخذت أقارن بينها بعد مصرعها وبين جسد زوجتي الذي تفتت في غارة من الغارات مع أجساد أطفال .. كان من المستحيل أن تعرف قطعة اللحم التي يعثر عليها من جسد أي منهم ..

     كان لها الحق أن تسأل عن وجود الإنسانية في هذا العالم .. لكنها كانت بلا شك تعرف أنها تفتقدها .. ورغم ذلك فقد نالت بعض الشفقة ممن شاهدوها بعد مصرعها .. وهذا ما لم تنله في حياتها ..

* * *
* * *
* * *
* * *
*

     حملتني رياح الغربة إلي شاطيء البحر .. تعلقت نظراتي بالفراغ خارج المدينة .. صحراء بلا حدود .. وفضاء بلا نهاية .. أتعثر في الرمال .. أخلع قدماي منها بصعوبة .. تلسعني حرارة الشمس .. أنكمش هربا منها .. أغرق في العرق .. أبحث عن بقعة ظل بلا جدوي .. يصفع نظراتي الفضاء اللانهائي .. أتخلص من ثيابي وألقي بنفسي بين الأمواج .. أتركها تتقاذفني كما يحلو لها .. أحس أنني تخلصت من بعض همومي التي يثقلني حملها .. وغاب عني الحزن الذي نبع في أعماقي .. أتوهم أنني أغتسل من يأس أتوه فيه .. أظل في الماء وأنتظر أن تلقي بي الأمواج علي شاطيء مجهول لا يعرفني فيه إنسان أتصرف فيه كما أشاء .. وأمارس حريتي الحقيقية بلا قيود .. لكنها تشدني إلي الداخل وأحس بوهن في قوتي يجعلني أعجز عن مقاومتها .. أترك نفسي أطفو علي السطح بلا حركة .. وأبدو كأنني استسلمت لقدري .. وأنتظر أن أغوص إلي الأعماق لألقي نهايتي ....

     لكن رهبة الموت ترعبني .. أقاوم بكل قوتي وأتجه إلي الشاطيء مستعينا بموجة شديدة كانت مندفعة إليه ..

     أحس براحة في داخلي لانفرادي بنفسي بعيدا عن الآخرين .. أترك نظراتي تتجول فيما حولي .. لم أشأ أن أقيد حريتها .. ظلت تحوم في الفضاء كأنني أفتش فيه عن شيء .. لكنني عندما استعدتها من تجوالها اكتشفت أنني كنت كالذي أراد أن يملاء كفيه بالهواء .. انطويت علي نفسي في أسف وأنا أترك ابتسامة باهتة ترتسم علي شفتي .. ثم استلقيت بجسدي علي الرمال .

     ظللتني اشعة الشمس .. أحسست بها تحرق جسدي .. لكنني أرغمت نفسي علي تحمل حرارتها ...

     في غرفتي أسجن نفسي مع أحزاني .. أشبه في صمتي الأوراق المهملة .. وهنا أتمدد مثل جثة ستتعفن قبل أن يكتشفها أحد ...

* * *
* * *
* * *
* * *
*

     أفزعني الظلام وأنا في مكاني .. زادت بي تخيلات الرهبة .. حاولت أن أهرب منها بالتفتيش عن شيء أنشغل به .. وجدتني أحفر في الأرض .. فجأة خطر لي أنني أحفر مقبرتي .. أتوقف عن الحفر ثم أنفجر في الضحك بصوت مرتفع .. يتردد صدي ضحكاتي في الفضاء يعود لي بالخوف من جديد .. أتكوم في الحفرة .. هذه المرة أتلمس الدفء والأمان .. لكن الرمال تتناثر علي جسدي .. تجعلني أغمض عيني خشية أن تصل إلي جفني .. كانت مثل رخات المطر وهي تنهال علي جسد زوجتي وأطفالي .. أقس اللحظات التي عشتها وأنا أراهم يغيبون داخل الأرض .. قارنت بينهم وبين بذور النبات ونحن نغرسها قبل الزرع .. فرق شاسع بين النهاية والميلاد رغم أنهما في مكان واحد .. وبطريقة واحدة ..

     صوت الريح يمر الصفير بجانب أذني .. أنهض فجأة .. أقفز لأخرج من الحفرة .. أصطدم بحافتها فيدفن وجهي في الرمال .. أخلق السكينة في نفسي وأنتصب من جديد .. يتردد صوتي في الفضاء ....

     " أبدا لن أرتمي مثل الكلاب الضالة .

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007