[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الفانوس الأزرق الفانوس الأزرق
التاريخ:  القراءات:(7572) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

الفانوس الأزرق

    أنفاس أخر النهار الرطبة تسيل على القرية، يحل المساء، أعود من الوادي حاملاً مسحاة السقي على كتفي.. أمر بأول البيوت. أصوات الناس ترتبك أول المساء، إذ يفاجئها الغروب، يمكن رؤية الفوانيس تستعد للسهر، فتاة تنظف زجاج الفانوس أمام الباب برفق.

    عندما دخلت إلى البيت، كانت أختي قد أشعلت الفانوس وزجاجته تلمع مع انبعاث الضوء من الذبيلة.. عاد أبي من المسجد، مهللاً يدخل.. أمي تحمل عيدان الحطب إلى الداخل.. أمي لا تخاف الظلام.. تدخل غرف البيت، تعرف الزوايا بحكم العادة.. ردد أبي الشهادة، سأل أمي: هل صلوا المغرب؟ طمأنته، يجلس بجوار النار في انتظار الدفء، جلسنا حول النار التي يتصاعد دخانها للتو.. في أول الليل لن نحتاج الفانوس عند النار، لكن أبي سأل عنه، وقالت أختي

-       نظفته قبيل......

-       والقاز؟

-       فيه من أمس..

    نظر إليها بحدته المعتادة ..ران السكوت.. وتبادلنا نظرات الاستغراب، نهض وسط صمت يجيد معه دحر كلماتنا المترددة.. نادراً ما يتدخل في أمور البيت، لكنه بدا محتداً وغاضباً.

    خرج نحو الباب والفانوس في يده.. قامته تملأ إطار الباب نحولاً.. طلب مني إحضار الجالون.. رحت إلى العشة حيث الحطب وتنور الفطير، ماراً تحت الحماطة الخضراء بحذر: هواء خفيف يحرك أوراقها التي اهتزت بعنف حسبت فيه سقوطها. عدت خائفاً.. تناثر السائل على ثيابي.. صرخ في وجهي.

-       هذا الخفاش يا خرعان!

    نظر إلى الفانوس في هدوء.. انتشر الضوء على وجهه، بدت عيناه صامدتين كليل جبلي غامض.

    حرك الفتيلة بالمقبض الدائري الصغير، ارتفع الضوء، ازداد لمعان الزجاج، احمر وجهه، عاود الضوء الخفوت.. ارتاح قليلاً، لكن الوجه ظل متفحصاً بصمت، وجاءت أختي بخرقة بالية، قدمتها إليه، ليمسح بها يده، صاح بها: أبعديها عني، قفز الخفاش إلى عيني ثانية، كان محلقاً على الزجاج ناشراً جناحيه في زهو قميء، تجمعت في لحظات خاطفة متلاحقة صور طيور.. خنافس تدب في صمت، صرار يلون هدوء الليل المتداعي.

    انتبهت ثانية على صوت الغطاء يلامس فوهة الخزان بعد أن ملأه، ونظر نحوي وجاء صوته برفق.

    - شفته، فانوس أبو خفاش.

   اهتزت الأوراق من جديد.. أسرعت أختي إلى الداخل, أمي تعد العشاء ما زلت وأبي واقفين خارج الباب. وكما تفعل في موسم التزاوج تصايحت قطط بصوت حاد، انبعث من مكان خلف الحماطة لصق جدار المستودع المطل على جرين الدرس.. صرخت بأعلى صوتي: باس

    وكمن يستعد لمواجهة ليلية، اندفعت قامته سريعة في انحناء، ورأسه إلى أعلى.. التقط حجراً . وراح يهمهم بصوت لم أميز منه سوى: بساس الجيران. حرك ذراعه، وكبرق خاطف اصطدمت يده التي استدارت سريعة بكتفي. اندفع الحجر، اخترق الأغصان عنيفاً، تعالى صوت الأغصان متقطعة، الحجر يوغل في اندفاع لا ينتهي، وصوت الخفاش والأوراق يطاردان الحجر وضوء الفانوس يلحق بالزجاج المتهشم بعيداً، آلام تدنو وتعلو، عويل يقطع نياط القلب، الجهات كلها أمست أملكن أصيلة لتردد الصوت الذي هز أركان البيت، خرج أولاد الجيران، تجمعوا، يتحدثون بتسارع وبنبرات عالية يستأنسون بها.. وخرجت أمي تتعوذ من الشيطان: سموا بالرحمن ماذا بكم الليلة؟ جاء صوتها برداً وسلاماً على أوصالي، كغريق يتعلق بقشة. وكان علي أن أهرب، وظلت أختي تلوذ بها، بينما هو يصرخ بي: ملقوف.

    جلسوا حول النار من جديد.. وراح الضوء يلمع من شظايا الزجاج الذي انبث مثل كتلة طين جافة.. والأب يصدر قهقهاته المعتادة المليئة بالظفر والازدراء معاً.

    كان الفانوس لم يبارح مكانه، بينما رحت ألملم نثار فزع تكشفه النار المستعرة في الصلل، والهواء الخفيف يحرك الضوء المتمايل برفق.


w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007