[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عريس عريس
التاريخ:  القراءات:(7837) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

عريس   إلى ع . ف والأصدقاء

 

   لا أحد يستطيع أن يوقف الزمن في الوجوه ، ذلك ما فكرت فيه لحظة أفقت على صوت البارود المندفع من البنادق الخشبية لأرى الصديق القديم .. أشياء كثيرة تغيرت فيه عدا لون الحنطة الذي يكسو وجهه بوجنتيه البارزتين قليلاً ، له الآن ذقن خشن بشعيرات متباعدة ، أسنانه تظهر من بعيد –كما عرفناها- تدفع الشاي في وجوهنا عندما يضحك . قال لنا في تلك الأيام :

 سأقوم بعلمية تجميل لهذه الأسنان المتراكبة .. كان اعترافاً مليئاً بالبراءة في لحظة صفاء .. لكنه ما يلبث أن يحتد ، يبحث في وجوهنا عن ندبة ظاهرة أو أنف كبير يطرد به الحرج عن أسنانه ، هو نفسه الذي حدثنا عن جبل من الثلج سيأتون به من أوروبا إلى جدة ، ونسأل بعفوية غير صافية.

-      من هم ؟

-      الحكومة طبعاً.

   عندها تنداح ندف الثلج بيضاء على جلساتنا الطويلة ونتذكر حديث الآباء عن (سنة الجليد) ...

   ابتسم لأحدهم مندفعاً نحوي بقامته التي لم تتغير كثيراً ، بعد سبع سنوات من الغياب ، جسم أقرب إلى الضآلة .. تلك الأصابع النحيلة ستعود إلى كفي سنلتقي كما كنا نحثو التراب ، أو نصنع من العلب الفارغة سيارات وجرافات على طريقة الكبار .. هي نفس الكف التي ترتعش ، عندما يرفعها في وجوهنا بانفعال ، الحركة التي أعطته لقباً يغضب منه أحياناً ، ويندفع ليلوي ذراع أحد الشباب عندما يسمع : المَصْفوق.

  يتقدم بابتسامته المعهودة ، وضع يده في يدي .. تعانقنا طويلاً . أسئلة حارة وعابرة عن الأحوال والأصدقاء.

  التفت حوله مع اندفاع البنادق من جديد في هديرها الأسود ، سألته .. هز كتفيه بيأس:

-      عايشين في الدنيا .

-      أين أنت الآن ؟

-      لا شي ، مثل ما تعرف .. تطورات أساليب النكد .

-      متى رجعت ؟

-      الليلة ، اليوم العصر .

-      ظروف أم حنين ؟

-      كلها .. المهم إني شفتك ، وبابتسامة تظهر أسناناً لم تتغير :

-      أين الشباب ، عبدالله فرحان وأبو سعدي و ...

-      تعال نشوف .

   تحركنا وسط حشود المتفرجين ، العيون تراقب ، تبحث عن العريس ، وكأنها لا تريد أن تغفل عنه لحظة .. وبنظرة من فوق السور الحجري ، انكشف الجمع الصاخب ، عشرات الرجال يدورون اثنين اثنين كصخور صلبة في ِمْدماك متماسك منذ قرون بثياب بيضاء متراصة وترديد حماسي صاخب ، إطلاق دخان متصاعد عبر فوهات البنادق المرفوعة بشموخ.

   الأطفال يملؤون المكان .. قلت من الصعب أن تعرف كل هؤلاء ما يكبرون .. هز رأسه دون اكتراث ، وراح يخط بطرف حذائه تحت قدميه دون آثار .. العريس(متحزّم) بشريطين متقاطعين من الرصاص ويوزع ابتسامات زاهية لمن ينظر إليه ...

   وقف الصديق ينظر إلى وسط الدائرة .. البارود يدفعه الهواء نحونا ، والحركة تشع من وجود الرجال حتى الذين وقفوا خارج الصفوف يوقعون بأرجلهم مع الصوت القادم من وسط الدائرة.

    وقفت إزاءه نظرات فاترة لا تكاد تتحرك كثيراً بدأ مغتاظاً من الأسئلة التي تقلل من رجولة الشباب المتفرجين "أين أنتم ؟ يا خسارة الشباب " قالها أحدهم بعد أن أدار ظهره لنا.

    تصاعدت أصوات الرجال ، يرددون قصيدة ترحيب بدئت بها العرْضة .. ما زال بعض الأطفال يسدون آذانهم خوفاً من صوت البنادق .. الصديق ينظر نحو بنات صغيرات بفساتين بيضاء ، ويبتسم بهدوء وصمت .. أصدقاء آخرون  _ نعرفهم_ مشغولون بحمل بنادقهم والإصغاء للشاعر الذي يحمل عصا رفيعة ملونة يهزها يميناً ويساراً ويكمل التمجيد القبلي المعهود ..

    ازداد وجوم الشاب بجواري .. وتحلقت الصفوف ، بدا مشتّت الذهن متأففاً ، والصفوف الرجالية تتجه نحو مركز الدائرة حيث الشاعر والزير تنهال عليه ضربات الرجل الأسمر والزَّلَفة  مُدلاّة  بالصدر المكشوف للرجل الأسمر بجواره   ومن حولهما المصور ، وحركات الضرب الثلاث على الأرض تحرك فيَّ حباَّ قديماً للعرْضة ، لم يلحظ ذلك، راح يبحث عن العريس ، نظرت إليه تجاوبت نظراتنا : العريس مشغول ، أجِّل التهنئة الآن ..

استطال التحديق ، وصار الإيقاع منضبطاً في تراص أخّاذ ، والصديق يحملق في شرود ، وطفق ذهنه المشتت يسحبه تارة إلى الوراء ، ما يلبث أن يعود باحثاً عن نافذة تطل منها ضفيرة شعر خجولة .. أو حتى نظرات صديق تحمل ذكرى ... عندها ، تقدمتُ بخطا محسوبة ،، سار معي قليلاً خرجنا من بين السيارات التي تقف في كل مكان .. اقتربت وتوقفت خطواتنا ، فأجاته بالسؤال :

-      ما عندك بندق ؟

رد في ابتسامة باهتة :

- موجودة ، ولا ينقصني البارود ، ولكن في أي اتجاه أصوب ، عاد لصمته بانزعاج ظاهر ، سرنا قليلاً ، نظر إلى الوراء بحزن :

-  تعرف ، المشاكل يمكن تكون صغيرة ، لكنها وسط هؤلاء تكبُر وتكبُر ، منذ أن طردني الوالد بسبب كلامهم الذي لا ينتهي لم أعد أرتاح لأحد .. جئت اليوم لأراكم والله .. لا أدري كيف أصف هذا الفراغ ، لن يكفي كل هذا الهدير لزحزحته ، ولا تلك البنادق لقتله .. لا ثانوية ، لا أصدقاء ، حتى أنت ، لم نسمع عنك لم أعد أرى أحداً.

  وراح يخفف من تشديده على مخارج حروفه :

-    في عصريات فاتت أخرج إلى الوادي .. أتكئ على جدار كانت لنا في ظله ذكريات قديمة ، أجلس قرب البئر التي شربنا منها ، وسقينا الزروع ولاعبنا البنات وتحاذَفْنا بالتين .. الزروع التي كانت تخفينا  ، اختفت جاءها الحصاد ولم تعد مرة أخرى ، أحوالي لم تتبدل ، كل شيء ينهار ..يتلاشى من حولي كل واحد منكم – ما شاء الله مسك وظيفة وأخوك لم يسمح له حتى أن يكون آخر من يخرج ويغلق الأبواب .. الكلام اللعين يطاردني في كل مكان : شوف بني عمك وين صاروا .. أسافر كل مرة بأمل جديد ، وأعود أحمل الخيبة والتعاسة .. هل تصدق : حتى النساء ، صرت أرى في وجوههن نظرات  الاحتقار ، لا أدري ماذا فعلت؟

   تلاشت الأصوات منذ ابتعدنا عن الثياب البيضاء المتراقصة لم يعد يسمع سوى أصوات بعيدة متداخلة للزير والناس ، فيما يشبه الجلبة المبعثرة ، فيما انتظم صوته في استرسال دافئ ، توقف وأعاد السؤال ، وكنت وصلت حداً بعيداً من الإصغاء لصوته المحتبس وعينيه المنكسرتين ، أفقتُ ، ظلتْ الخطوات تعبر في طريق قديمة .. بين جدران البيوت ، وفي داخلي سؤال : هل تذكرنا هذه الجدران والطرقات ؟ صرنا نطل على الوادي : مدرجات مرصوصة ، أشجار متباعدة ، آبار قديمة تظهر عيدانها ، وتحت شجرة شوكية مورقة وقفت فوق رؤوسنا ، جلسنا .

-      سأل هذه المرة بحدة :

-       هل تبحث عن ظل قبل الغروب ؟

-       لا ، فقط أسمعك م.. تذكر ..

-       لا أريد لا ظل ولا ذكرى .

-       عرفت إذن ، تريد أن تكون عريساً.

-       اتجه بوجهه نحوي بتثاقل .. وظل يبتسم .

 

 

من مجموعة ( خطوات يبتلعها المغيب) 1997م

 

 

 


w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007