[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أثر أو وجه آخر للرحيل أثر أو وجه آخر للرحيل
التاريخ:  القراءات:(7591) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  


 

أثر أو وجه آخر للرحيل

    هي طفولة أقدامنا العارية، تقودنا عبر المساريب والطرق الخلفية للبيوت، دون أغنام أو أبقار نسير بحرية.. نقرأ حديث الأظلاف والحوافر على الأرض المحصبة.

    ذاك يوم جديد، دخلت لغة جديدة لم نعهدها من قبل، آثار متقطعة لسيارة، نتبعها، فتدور بنا في الممرات الضيقة.. خلف خطوطها المتكسرة ينداح خيال طفولي: كيف لسيارة أن تمشي مثل الناس – مثلنا نحن – على اثنتين، وداخل أزقة قرية نعرف ما يدب عليها..

    أصبح علينا أن نطارد العلامة بتعرجاتها وانقطاعها المفاجئ أحياناً. عند أحد البيوت لا نجرؤ على سؤال وجه حاد أطل يطردنا..

    في ساعات النهار نجتمع في المراعي، ونجمع ما يمكن من أفكار، نتقاذف الاحتمالات.. لكن الليل يمحو رغباتنا المتهالكة في اكتشاف السر..

    في صباحات تالية نعاود البحث، يزداد الأمل، لكن أظلاف الحيوانات تكون قد طمست الأمل المبعوث مع كل صباح جديد.. جربنا كسر عاداتنا في السير خلف القطعان.. لم تجد هذه الفكرة، إذ سبقتنا قطعان أخرى وأضاعت الأثر المبتغى. ورحنا ندخل لعبة تخفي.. يلعب الأثر معنا لعبة مليئة بالغرابة، هكذا دون سابق اتفاق. لم نفكر أن نسأل أحد الكبار، وظللنا نحتفظ بسر البحث، والبعض يحلم صامتاً بزمن قادم تتسع فيه الخطا ، ونصل إلى أماكن أبعد من أطراف القرية.. أما صاحب الحذاء الوحيد بيننا فراح يؤكد أنها سيارة من تلك التي تمر عبر الطريق العام. الطريق الترابي المعروف بطريق (الحاج)، ولكنها لا تمر داخل القرية إلا عندما ننام.. ويظهر صوت خفيض لواحد صغير يتكلم من وراء خوف مكتوم.. إنه الضبع يمر ليلاً.. ويترك آثاره في الطرقات والمزارع! يعتصرنا القلق، ويطوح بنا البحث في أكثر من واد.. لكن الأثر يزداد كل يوم.

    عندما قررنا متابعة النقوش خارج القرية.. رحنا نتلذذ كمن يوشك على الانتصار، في الأطراف البعيدة يمكن أن نجد شيئاً أو علامة أقوى على الكشف عن السر المخبوء، بصورة خطوات تمتد أمامنا على الأرض.. وتجاوزنا المزارع وعبرنا الشعب المطل على القرية.. وفي أعلى السفح تراءى الشفا، اختفت الخطوات هنا إذن، وكان محبطاً ألا تحمل الصخور والحجارة المتراصة أثراً يذكر، والرياح، وحدها، كانت تطبع تجويفاتها على الصخور، وتهز التيارات القادمة من جهة البحر الأشجار برقة ندية.

    في لحظة الإحباط العائد بنا منهكين، صاح واحد بين الجميع وقفز أمامنا بحركة مسرحية وتعابير تشبه صرخة العلماء: وجدتها، عندي لكم الحل: مراقبة الليل.. كان يكفي لخمد أنفاسه المبهورة وحركاته البهلوانية، ذكر السعالي وعفاريت الظلام.. وفي وسط اللغط طرأت لي فكرة البحث المنفرد، كيف؟ قالوا بأصوات متفائلة وبعيون متقدة بريئة، شرحت: كل يبحث لوحده في المكان القريب الذي يعمل فيه، نرعى في أماكن متباعدة ونبحث في وضح النهار حتى نجد جواباً.. كانت فكرة ممكنة، وتحمسوا سراعاً، وقالوا: من بكرة، وانتحى كل واحد منهم متأبطاً إحساساً بدأ يتنامى في أعماقه.. لذة الاكتشاف والتباهي أمام الجميع..

* * *
*

    شرعت أخبرهم ، بعد المغرب، في اجتماع يومي قصير، لتداول ما تم نهاراً لكنه لم يكن اجتماعاً عادياً.. سيطول.. وراحوا يستمعون وينقبون في صوتي:

    ككل مرة، أيها الأصحاب، كنت أبحث. أقص الأثر العنيد، وأنا في جبل الغريب.. والأثر يسحبني يميناً ويساراً.. ويجرني إلى أمام خطوة بعد خطوة.. وفجأة انحرفت السيارة – الأثر.. تحت شجرة عرعر متدلية الأغصان والأرض تحتها رطبة ندية.. أخذت أبحث- أستعيد ذاكرة غائبة! عم كنت أفتش؟ إنسان ملقى في استراحة محارب يؤويه الظل قليلاً ثم يقذف به الرحيل في شعاب حادة الحجارة متعرجة الطرقات.. كان جالساً، محتبياً بذراعيه المتشابكتين عند الأصابع تحت ركبتيه، يكاد يتأرجح، وحذاء غريبة بَشَرك لم يخفف لونه الجلدي من سوادها، امتد الشرك من نهاية الأخمص ليلتقي طرفاه- يصبان في شط يقع بين السبابة والإبهام ، وكمن فهم نظراتي المتصالبة نزعها من رجليه وألقى بها بجواره، أسند ظهره إلى حجر مستطيل، ما زالت تتأرجح مقوسة كبندول ساعة هرمة.

    التقويسة لم تنبسط تماماً، رغم سيرها الطويل تحت قامته.. ظلت وفية لشكلها الدائري، خطوطها تحكي، كم من البلاد مرت تحتها، كم من الحجارة نز في أطرافها، بله الذرات العالقة التي سقطت على حوافها، قطعتان سوداوان تحملان عظاماً مستدقّة لجسد يحمل هموماً منمنمة تعانق التراب والشجيرات الصغيرة..

    وجه بصره نحوي، رأس صغير بفودين محدّبين، جلد ملتصق مباشرة بالعظام، يدان معروقتان وساقان أسمران نحيلان، عاد ببصره نحوها، قريبة منه، أيهما يفضي للآخر بسر الرحيل وعنت التجوال في الدروب، الشوك عامل مشترك، وكان يوحد بينهما في لحظات ألم بهيمة ، لكم وخزه الشوك، وكان الوقوف منالاً صعباً لنزع شوكة طويلة وحادة من النوع (الحربي)، بالأمس تصارع الأفعوان الأسود والمسامير والأحجار.. واليوم تبدو حليفاً جلداً على الأشواك والحجارة المدببة الرؤوس.. وما زالت (نصف عمر)، وجد نفسه يسائلها عن عمره الذي لا يدريه، سنوات تمر به مقذوفاً في ضروب من السير المضني، لحظة مكاشفة كانت إذن، يمسك بفردتي الحذاء المقصوصتين من إطار سيارة، يجمعهما كما يجمع العمر واللون البائسين، يلامسهما برفق، كما تفعل قدماه في سيره الحاني،عندما يطأ الأرض بواحدة تكون الأخرى مرفوعة في الهواء ترتاح لثوان، وتظلان لصق راحتي قدميه المشرختين في اقتراب حميم وحنو متواصل، تعود ذاكرته إلى لحظة الحنو الأول، عندما جزها بسكينه المطوية تحت ملابسه، اقتطع منها حاجته.. فاض شعور غريب ، لأول مرة، يداخل سريرته.. كيف لهذا الاقتطاع أن ينقذها من يد ترفعها على خشبة صلب، تعلن للسائقين عن وجود مقبرة للإطارات، هذه المتأرجحة الآن لم تعد تشبه أياً منهن..

    لم يطل النظر تجاه فضولي الذي نسيت أسبابه في اللحظات المهيبة في حضرة مصير متوحد ..

    يعود بنظرات كسيرة مغفلة عما حوله، ودون العابرين والغرباء الذين مروا بقريتنا، لم أر معه جراباً أو كيساً ولا حتى عصا تشاركه خطواته واستراحاته، تمر عيناه على قدميه، يحركهما في حنين ظاهر يدعوه لملامسة التقويسة المترجرجة، كمن يحدثها في ود صامت: أهذه الخطوات المتبقية تكفي للعودة إلى مهد الخطوة الأولى..

    كانت عيناه تدوران في محجريهما في ثقل.. يحدق نحو الحذاء قي زمن متحدر نحو الغروب.

    تاقت نفسي لملامسة الحذاء.. وقد خفت نظرات الجفاء المرسلة نحوي، التقط الحذاء بخفة بدت غريبة, ورغم هذا كانت خفة معتادة، كما يبدو. لراحل مترجل أو لرجل مترحل سواء بسواء، كما أنه والحذاء وجهان للرحيل.. انزلقت رجلاه في الحذاء بيسر.. وراح يضرب الأرض في كمون وتحفز.. أسقط نظرة نحو الطريق الذي يشق صدر الجبال في انحدار، والتقى احمرار عينيه بالشفق الموارب.

    أخذ يتدحرج مندفعاً عبر الطريق الجبلي الهابط. ودون أن أسمع هدير محرك يتصاعد خلفه. ابتلعت الأشجار القريبة همهماته التي اختفت فور تواريه عن النظر.

* * *
*

    امتدت الآثار توقع سرها على الأرض من جديد، جال الرفاق بأبصارهم في المكان محاولين اختراق الزمن الذي تركه صدى الحديث الصامت، وبقايا سخونة النقوش الحذائية التي لم يعرف إن كانت ذاهبة أم عائدة لولا خطوات صغيرة حافية تنحدر وراءها.. وتبتلعها الخطوات المنقوشة المنحدرة عبر الجبال نحو سهول بعيدة .

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007