[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أرز وعدس 
التاريخ:  القراءات:(5611) قراءة  التعليقات:(21) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

أرز وعدس

 

     خارج سور محطة السكة الحديد ، وداخل كشك الصاج القديم لصاحبه "عبد الصمد عبيد " ، وقفت هند تنتظره ، حيث لم تتعود منه تأخيرا . كانت تحكم إيشاربا زهريا ً على رقبتها التي تشبه العاج ، وتغلق آخر عروة بزرار صدفي أعلى معطفها الأسود الذي لم يمنع البرد من أن يتسلل إلى عظامها ، ويصل إلى النخاع فترتجف ، وهي في الكشك المخنوق لضيقه ، تبيع لزبائنها بأدب وحزم ، دون كلمة واحدة زائدة كما علمها الأب تماما . لا ابتسامة ، ولا ضحكة : " ده أكل عيش ، ورزق العيال  يا بنتي " .

       تقف في الكشك ، وتحميها المظلة القرميد المتربة التي تعرف أنها أنشئت زمن الاحتلال الانجليزي لبلدها . ألم تدرس ذلك في منهج التاريخ ؟  وهي تبتسم دائما كلما مرت بصفحة بها صورة حربية لمعركة " التل الكبير " إذ تحدق البصر  في وجوه الجنود المدهوسين بعجلات الانجليز ، فتجد جنديا يبتسم وهو يموت ، ولم تربها "نظلة"  أمها على الضحك أو السخرية من آلام الآخرين ، غير أن الصورة تهلك من الضحك ، وهذا لايهم كثيرا ، الشيء الذي لفت نظرها أن رائحة البارود الذي أطلق حينذاك كان يدغدغ أنفها ، وكأن العام 1882 ، والسور الذي تستند عليه يحمل عبارات صارت تشاهدها في كل مكان تذهب إليه " الأهلي حديد " ، " الزمالك يامدرسة " ، وهي خرجت من المدرسة عند الصف الثالث الإعدادي  حين أتي العريس اللقطة إلى أبيها وكان قد رآها في صباح يوم مشمس ، وقطــرها لمنزلها .

    سأل القهوجي ، والعجلاتي ، والمكوجي ، فأفادوه أنهم ناس على قد حالهم ، الأب يبيع المثلجات بكشك علي سور المحطة ، وعنده سبع بطون من العيال : أربع بنات ، وثلاثة أولاد  .

    خشيت هند أن تخبر الأب قاسي القلب أنها تريد صبي المكوجي الولد فتحي ، الذي كلما رآها ،  نظر في الأرض ونطق بصوت خفيض ضاحك :" أرز وعدس " . كتمت سرها في عبها، وقالــــــت لنفسها : " ربنا موجود " .

             جاء و أهله ، قرأ الفاتحة ، وألبسها الشبكة في حفل بسيط فوق السطوح ، وبعد أن تأخر "الجهاز "   ، جادل الأب ، وأسمعه ما يوجع القلب . جاءها منكسرا ذات ليلة : " دبريني يابنت . العين بصيرة والأيد قصيرة ، والي تحكمي بيه هامشيه ! "  . كان صوته منكسرا وحزينا ، فأبكاها دون أن تزرف دمعة واحدة .  شعرت بالمهانة ، وكانت القشة التي تعلقت بها لتهرب من هذه الزيجة التي لم تسترح لها يوما : " لا أريــــده يابا " .

وبالمعروف ،  جاءت أم العريس ، وجلست في الأنتريه القديم ، وضعت ساقاعلى ساق : "حاجة ابني على داير مليم " .

 وفعلا ، من الحجرات المتهالكة ، جمعوا لها أطقم الصيني ، والورد البلاستيك والخلاط الكهربي ، ومسجل كالجاموسة بروحين ، وطاقم من الملابس "الشفتشي ".

    مضى كل إلى حال سبيله ، وفعلتها أمها ، إذ كسرت قلة وراءه ، فنظرت أم العريس لابنها الذي كان ينتظرها على الناصية  وهي توكزه : " أمشي يابني . مد طوالي . دول متغاظين طبعا .. هيلاقوا زيك فين ؟ "

     لم تكن هند جميلة ، ولم تكن قبيحة ، هي فتاة بين بين ، لها نمش خفيف في وجهها ، كان فتحي صبي المكوجي يشاغبها ، وكلما مرت همس بصوت لايكاد يسمع " أرز وعدس " ، فالنمش الخفيف بألوان تبرق يزين الوجنتين ، وكانت تعرف أنه سيموت عليها ، وظنت انه سينساها ، لكنه ظل يردد هذه العبارة السحرية التي تذكرها بطفولة سعيدة مرحة ولطيفة " أرز وعدس " ، ولم تكن تغضب ، لأنها الوحيدة التي تسمعها ، وعندما طلبوا فتحي للجيش بكت . أخفت وجهها في وسادة ، وأحضرت مسجلا قديما من جارتها أم عطا ، وراحت تسمع صوت عبد الحليم حافظ ، وهو يغني " صافيني مرة ، وجافيني مرة " ، وكانت عبر أشهر مضت ترى الولد فتحي يعلي مؤشر الراديو كلما جاءت أغاني حليم في برنامج "على الناصية " ، ولما راح الجيش ، ولبس الكاكي ، وغاب شهرا ونصف طلبت من " نظلة " أن تطبخ لها أرزاً وعدسا ً ، فاستغربت الأم ، ونظرت إليها في استفسار : "عجايب ، من أمتى بتحبي الأرز والعدس؟ "

سهمت هند ، ونطقت كالمغيبة ، والتي تعيش حلما لا تريد أن تفيق منه : " من النهاردة يا أما . "

     والأب عبد الصمد تعب صدره ، وسعل سعالا منتظما ، حتى أنه بصق في منديل أبيض بقعاً  من الدم .  لطمت الأم ، وذهبت به للدكتور اسماعيل في زقاق مريم ، فأدخله ، وعرى الصدر ، ودق بأصابعه على الصدر والظهر ، وطلب منه أن يكح ، وطلب تحاليل لم يجدوا معهم حقها ، فعلم المعلم  عوض الكرتة ، سمسار الحارة ، وهو الرجل المزواج ، فعلى ذمته أربعة ، وقبلهن أربعة ، لكن الغريب أنه خيب ظن المتربصين له وطلع ابن أصول ، لقد ضرب يده في جيب معطفه ، ودفع مائتي جنيه كاملة لنظلة على مرأى ومسمع من البنت هند ؛ لأن الجيران أهل ، والنبي وصى على سابع جار .

      خرجت نظلة بالتحاليل ، وصور الأشعة ، وروشتات العلاج ، ومعها زوج مصدور يحتاج إلى راحة ستة أشهر .

هند الكبيرة من البنات ، وبعد فشل خطوبتها ، كانت الوحيدة التي يمكنها أن تقف مكان أبيها في الكشك ، وتعمل في مكان زبونه من النوع الطياري ، وغيردائم ،  فخلعت الملون ، وارتدت الأسود الكاسي ، كما لمت الضفائر خلف الإيشارب ، وأزالت طلاء الأظافر ، لكنها لم تستطع أن تمسح الكحل الرباني !!

     وقفت مكان الأب المصدور،  وعاملت الناس بالحسنى ،فأحبها وقدرها أصحاب الأكشاك المجاورة ،  لكنها  في مرة سمعت صوتا يطلب منه زجاجة " حاجة ساقعة " . دون أن تنظر إلي مصدر الصوت ،  وفي غمرة انشغالها ، فقط لمحت زيا كاكيا ، سألت : " أي نوع يادفعة ؟" وصلها صوت ألفته : " أ رز وعدس" .

   خرجت من الكشك الصاج ، وخجلت من أ ن تسلم عليه ، مد يده ،  فمدت يدها ، وتلون الأفق بلون أزرق مبهج  ، وجاءت وردتان واحتلتا الوجنتين .

       لم تكن جميلة ولا قبيحة ، لكنها شاطرة ، وتحب الناس ، وفتحي سألها عن العريس، فعرف أنها تركته ، أخفت عنه أنها فعلت ذلك لأن قلبها يدق كلما أدار المؤشرفي محل المكواة ، وسمعت حليم يصرخ كأنها خناقة "حبك نار .. يامدوبني في أحلي عذاب .. بابعت لك بعنيا جواب " .. وضع بين يديها شيئا ، ومضى ، وأخبرها أنه سيكون هنا من طلعة الشمس . فتحت يدها . إنها  في باله ، يالغرابة المقادير .  كانت دبلة من الفضة عليها عبارة حين قرأتها استغرقت في الضحك : " أرز ،وعدس " .

لقد ظهر في أول الطريق ، كان مبتلا بالمطر ، ورأ سه الحليقة تنزلق عليها زخات المطر ، فراحت تشير له أن يجري بسرعة ويحتمي بالمظلة القراميد التي تظلل الأكشاك .

  كان قد سبقها ، فدخلت خلفه . أراد أن يضع يده على كتفها ، جذبتها ، و زغرت له : " أنا بنت الأسطى عبد الصمد يافتــحي ، ولا نسيت . إتلم ."

 كانت شاطرة ، وجدعة ، وبنت بلد ، وقد اتلم فعلا ، وانشقت الأرض ، وابتلعته ،رغم أنه أمامها لحم ودم .

  ظل صامتا ، لا يعرف كيف يتصرف ، لكنها جرجرته في الكلام :  "عامل ايه يااخويا في الجيش ؟ "

هز رأسه :  " كويس ، أخدنا أجازة 72 ساعة . جيت لك عليك على  طول . على فكرة الحاجة موافقة على الخطوبة ، وهنقرا الفاتحة قريب جدا "

  ردت بألم :  " لما أ بويا يقوم بالسلامة ."

    لم تكن قد تناولت إفطارها ، وكان يشعر بالجوع .  أستأذن ، وغاب فترة طويلة ، فيما ظلت تبيع للمارة ما يطلبون من سجائر ، ومناديل ، وبسكويت ، وحجارة طورش ،ولوازم المدارس من كراسات وأقلام ، ومساطر .

        فـجأة وقفت سيارة سوداء فخمة ،  فُتح بابها ، ونزل منها جارهم

المعلم عوض الكارتة ، ولم تكن تستريح له . كان المطر قد توقف ، ولكن برك الوحل تتجمع دوائر دوائر على امتداد المسافة من الكشك إلى الطريق . أقبل عليها هاشا باشا ، وحافظته الجلدية المنتفخة بأوراق البنكنوت تكاد تفط من جيب جاكتته : " صباح الخير يا عروسة . لا مؤاخذة القرشين دول ليك أنت .. مش للأسطي عبد الحميد "

   مد يده الغليظة بوشم السيف ، فتراجعت قليلا وهي تواجهه بحدة وغلظة :  " بتاع أيه يامعلم ؟ "

 ضحك ، وهو يمسح جسدها من فوق لتحت ، ودب نظره في عينيها :  " بدون لف ودوران .. إحنا  طالبين القرب ياست . "

ردت باستنكار : " في مين يادلعدي؟ "

 بادلها الاستنكار بسخرية موجعة : "  من محسوبك المعلم عوض الكارتة . أيه ما نشبهش ؟ "

حدقت في نظرته الشهوانية ، وأجبرته على التراجع : " لا ، ماتلزمنيش ، يا معلم " .

 ضرب الرجل كفا بكف ، وظلت يده ممتدة بالمبلغ ، بنبرة إغراء أخيرة : " هالبسك حرير في حرير ، وأكلك بط ، وأوز ، ولحمة يا بنت ياهند ، ده انت تستاهلي تقلك دهب " .

   رمت جملتها  في وجهه، بدون تفكير : " أنا باحب الأرز والعدس " .

 دفعت يده في حدة ، فتراجع مدحورا ، في تلك اللحظة بالتحديد ، جاء فتحي بصينية نحاس فوقها  طبق فول صغير ، وأقراص طعمية ساخنة ، وفحل بصل ، مع بضعة  أرغفة بلدي .

نظر عوض الكارتة لغريمه ، وشمله بنظرة ازدراء شديدة : " هو ده اللي هتبعيني علشانه يا شاطرة ؟ "

ردت بنفاذ صبر :  " القلب ومايريد " .

    قبل أن ينصرف المعلم ، وفيما كان يشملها بنظرة تهديد ، أمسكت يد فتحي ووضعتها على كتفها  ، والشاب استغرب لما رأى ، لكنه انبسط على الآخر . انتزع المعلم قدميه وابتلعته العربة . عندما غار بعيدا  شالت يده وألقت بها في الفراغ .  ضحك من القلب ، فقد فهم أخيرا ، وفهمت أنه فهم . لقد اشترته وهو الفقير المعدم .   لكنها أمرته أن ينسى ما سمع . فرشت صحيفة قديمة ، وجلست تفطر معه  ، وقلبها ممتليء  بغبطة لاحد لها . لاحقته بابتسامة خطفت قلبه : " ولد يافتحي .. هو الأرز والعدس لذيذ ياولد ؟!

 

 

 

 

القاهرة 9/ 8/ 2004. 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007