[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الحالة 316 .. 
التاريخ:  القراءات:(5426) قراءة  التعليقات:(38) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

الحالة 316 ..

 

      وقع عم أحمد النشار ، وكان يجري على ثلاث بنات ، فخلفته كلها منهن . شالوه بأيديهم ، ووضعوه في عربة حنطور ، وصعدوا به السلالم ، دقوا الباب ،  فتحت زوجته ، وكادت ترقع بالصوت الحياني ،غير أن لويس بقطر أشار لها أن الموضوع لا يستحق ، وأن الأمر مجرد إرهاق بسيط ، بعدها يخف ، ويقوم كالحصان ، فردت الباب خلفهم ، وهي تنتحب ، وارتمت على حافة السرير النحاسي ذي الشخاليل ، وانهمرت دموعها فبلت الوسادة التي عليها رأس زوجها . كانت البنات  في كلياتهن الجامعية ، وهي برأسها ، وحيدة ، لاخبرة لها بهذه الأمور  ، فارتبكت ، ولم تدر ماذا تفعل مع الرجل الذي كان ممددا ، ويصدر صوتا كالشخير من فمه المفتوح على الآخر . صرخت في جارتها أم علوي : "ألحقوني ياناس .. الرجل هيضيع !! " .

    لحظتها كان بقطر وسعود البنا  ، ومعهم خالد الشاب ابن المعلم قشطة قد جاءوا بالطبيب في تاكسي أجرة . خبطوا الباب الموارب أصلا ، ودخلوا ، وتركوا الطبيب كي يشخص الحالة ، وجلسوا واجمين في الصالة . لم يستغرق عمل الطبيب وقتا طويلا ، شخط فيهم : " إنقلوه المستشفى فورا " . ودس في جيب سترته الرمادي الخمسين جنيها الحمراء ذات المئذنة . ردت أم البنات الباب خلفه ، وانخرطت في البكاء حتى أن منديل"  الأويه " الذي كانت تعصب به رأسها انفك ،وانزلق على كتفها ، فهمس بقطر في أذنها وهو يواسيها : " فوقي لنفسك شوية ياام البنات . هنروح نجيب تاكسي !"

   جاء التاكسي أسرع مما تصورت ، وكانت قد ارتدت فستان الخروج الغامق المنسدل حتى أمشاط قدميها ، فهبطت معهم السلم ، والرجل في غيبوبة لا يحس ولا يدري بأي شيء .

    أدخلوه الاستقبال في المستشفى الأميري التي تضع في واجهتها صورة " الريس " رافعا يده محييا جمهور المرضى في مجيئهم ، وعودتهم ، وفي القسم طلبوا تذكرة دخول ، وحقن للجلطة ،  انشقت الأرض وابتلعت خالد ، الذي جاء بكل ماطلبه الأطباء ، والإداريون ، والممرضات ، لكن عم أحمد النشار كان في نقطة اللاوعي ، وفي حالة حرجة للغاية . جلست الزوجة ، وحولها الرجال الثلاثة ، وأيديهم تحت خدودهم ، لكن بقطر هز الجميع من سباته : " وحدوا الله ياجماعة .. عم أحمد ربنا هيشفيه ، وهيرجع بيته..  " .

      الدكتور عبد المحسن توفيق تولى الحالة "316 " في غرفة الإنعاش ، وهو طبيب شاب بشوش الوجه ، طمئن الزوجة على عم أحمد ، ودوّن معلومات عنه ، وطلب منها أن توقع تعهدا بأن المستشفى غير مسئولة عن وفاة المريض في حالة ما إذا أجريت له جراحة ، فأمسكت القلم بيد مرتعشة ووقعت " درية قزمل " . مدت الورقة للطبيب الذي طمأنها أنها مجرد إجراءات . رجعت البنات ، وعلمن بما جرى لأبيهن ،  فهرولن إلى المستشفى مذعورات ، وتقدمتهن نوال ، فهي ثانية طب ، وتعرف في هذه الأمور ، وتبعتها ابتسام طالبة التجارة ، ثم ثريا التي دخلت بالكاد معهد الخدمة سنتين لأن مجموعها الضعيف لم يسمح لها سوى بهذا . وأمام الحجرة المغلقة رفض الدكتور عبد المحسن  دخول أحد منهن ، أخبرته نوال أنها زميلته ، وأمها عندما رأتها عادت مرة أخرى للبكاء ، وخرج صوتها مخنوقا : " شفت يادكتورة " . لكن الدكتور عبد المحسن صمم على رأيه ، وقال أن المريض بحاجة إلى الراحة التامة .

     هبط الليل ، وسكن الهواء خارج الحجرة ، ولم يسمح بوجود مرافق ، فأمضت الأم وبناتها ليلة قاسية في المنزل بلا حس أو خبر ، أما عم أحمد فكان يقاوم  ، والطبيب يعاود فحص حالته كل خمس دقائق ، ومراقبة مؤشر ضربات القلب . بعد منتصف الليل احتلت الابتسامة وجهه فقد تجاوز دائرة الخطر ، وهنا طلب فنجان قهوة مضبوط ، وجلس في الحجرة المجاورة التي يحتلها مكتب رخيص من الصاج بمفرش باهت له رائحة الفورمالين ، وفتح كتاب قصص  " تشيخوف "على صفحة مطوية بعناية .

        أقنعت نوال أمها أن عليها واجب أن تتابع حالة أبيها ، ولتذهب البنتان إلى الجامعة ،أصرت الأم على مصاحبتها ، وفي الطرقة الطويلة المؤدية إلى غرفة الانعاش ، وجدت الباب موصدا ، ولافتة معلقة فوقه ، عليها عبارة كتبت بخط كنبش الدجاج " ممنوع الدخول قطعيا " .. قالت لأمها : " أستني هنا " ودقت بأصابعها الباب ، أطل وجه ممرضة : " قولي للدكتور توفيق فيه زميلة لك  عايزاك " . غابت الممرضة لحظات ، وسمحت للفتاة أن تدخل وحدها . مرت بامتداد الردهة ، لمحته يقرأ والنظارة الطبية مغبشة العدسات .

دخلت بهدوء " صباح الخير يادكتور توفيق؟

ـ إنت ؟

ـ نعم ،  فيه  ما نع ؟

ـ أبدا ، لكنك قلت زميلة ؟

 ـ نعم ، مش هابقى  طبيبة زيك  بعد كام سنة ؟ 

ـ إقعدي  .. كل طلبة الطب ما حدش يجاريهم في الكلام  ، خصوصا البنات .

ـ والحالة ؟

ـ فكريني ، أنا ما بطلتش شغل طول الليل .

ـ الحالة 316.

ـ آه ، الحمد لله ، اجتاز مرحلة الخطر ، إنت بقى بنت عم أحمد النشار .

 ـ بالضبط ، نوال . نوال أحمد النشار .

 ضحك من قلبه ، وأشار لها : واقفة ليه ، اتفضلي اقعدي .

لمحت للمرة الثانية غبش النظارة ، فاستسمحته: ممكن بعد إذنك النضارة ؟

ـ أيوه ، لكن ليه ؟

ـ هتشوف .

    أخرجت منديلها السماوي المطرز بحرف صغير في الطرف يحمل اسمها بحرف " الكابتل " الانجليزي ، ومسحت الغبار ، فشكرها .امتدت يدها فسحبت الكتاب ، وقرأت اسم " تشيخوف" ، سألته : تقرا له دايما ؟

ـ نعم ، هو كاتبي المفضل . هل قريت له شيئا آنسة ....آسف  نسيت الاسم !

ـ نوال ..

ـ نعم .. نوال أحمد النشار . ثانية طب .

ـ طبعا كل أعماله عندي . مكتبتي صغيرة لكن معقولة ، ممكن تعرفك الحياة عن طريق تشيخوف بالذات .

ـ غريبة ، أول مرة حد يشاركني الاهتمام ده .أوعي كمان تكوني بتحبي عصافير الكناريا ؟

ـ والله باحبها . الزرقا في أصفر بالذات .

ـ أياك تكوني بتحبي زهر القرنفل؟

ـ طيب أيه رأيك هو و الياسمين أرق زهور العالم .

ـ يبقى اتفقنا .

    ضحكا سويا ،وأحست أن قلبها يدق بعنف ، لمحته يأخذ منديلها الصغير فيضعه في جيب معطفه الأبيض ، فاتسعت ابتسامتها . سبقها إلى غرفة الانعاش ، كانت الأسّرة متجاورة ، وبين كل مريض  وأخر ستارة من المشمع الكحلي الغامق ، رأت الأبر مغروسة في العروق ، والمحاليل معلقة في الحوامل المعدنية ،والخراطيم البلاستيك مدلاة من أعلى ،  أما الممرضات فيرحن ويجئن ، ويخبرن الطبيب بتطورات كل حالة .

    كان أبوها مستغرقا في النوم ، فانحنت وقبلت جبينه ، ثم أمسكت يده ، ورفعتها لمستوى شفتيها ،وقبلتها أيضا  في امتنان عميق .كانت يده تحمل لون "الجملاكة"  البني المحمر ، برائحتها النفاذة ، فهو يعمل استرجي من ثلاثين عاما ، في محل منزو بحارة "الشيخة قبيلة "، ربت على كتفها يستعجلها : " يالله بينا يانوال . الحمد لله ، حالته اتحسنت جدا " .

    شعرت أنه ينطق اسمها  بألفة ، وبلا تكلف ، ودت أن تخبره أنها استراحت له ، وأنه طبيب ماهر ، فقد أنقذ حياة أبيها ، تذكرت أمها : " والدتي بره يادكتور . ممكن تدخل تتطمن عليه ؟ "

اتسعت ابتسامته : " الأصول لأ . ممنوع ، لكن علشان أنت بتحبي "تشيخوف " ، هاسمح لها طبعا " .

     في طريق العودة ، سألتها أمها : " ليه تأخرت يانوال . قلقت عليك يابنتي  " . ردت وقلبها يتأرجح : " كنا بندرس الحالة ياأمي ا " .

مر أسبوع ، وتماثل عم أحمد النشار للشفاء ، ولم تنقطع زيارات بقطر ،وسعود البنا  ، وخالد قشطة ، وكل أبناء الحي ، وانتقل المريض إلى حجرة  في جناح بعيد عن غرفة الإنعاش بعد أن زال الخطر ، وكان الأب قد أصبح قادرا على تمييز من يزوره ، والنطق بسلام بسيط ، ورفع اليد لرد التحية ، وتحت رأسه وضعت نوال المصحف ، وكانت كلما زارته هي أو ابتسام أو ثريا قرأن له بعض السور القصيرة . في الطرقات الواسعة ، والممرات الضيقة ، والحديقة الخلفية للمستشفي ظلت هناك رائحة الفورمالين القوي ، وفي مرة لمحت باقة زهور القرنفل في كوب ماء موضوع على المنضدة العارية الفقيرة . سألت أمها : " مين جاب الورد الجميل ده ياأمي؟"  ؟

 هزت رأسها بحيرة: " والله ما انا عارفة يابنتي .. يمكن الحكومة.. ماهي فيها الخير برضه  ؟"

   كانت الأم ماكرة ، لكنها أيقنت من أين أتي الورد ، وعليها أن تذهب إلى حجرته لتشكره ، وتتأكد من موعد الخروج الذي تعرف أنه اليوم . صحيح أنها فرحة لأن أبيها سيخرج ، لكنها تود لو بقت مع هذا الشاب اللطيف الذي تقاسمه اهتماماته. دقت الباب المغلق ، فاهتزت اللافتة ، لم تسأل هذه المرة ، اندفعت إلى المكتب حيث جلسته المفضلة ، لم تجده ، سألت الممرضة : " الدكتور عبد المحسن فين ؟"

   بدون اهتمام صدمتها بعبارة جارحة شعرت أنها ستذبحها حالا كنصل سكين مسنون : " الدكتور خد إجازة أسبوع بدأت من امبارح يا أستاذة " . قالتها في تشف ظاهر وأكيد .

    امتقع وجهها ، وأوشكت على البكاء ، وسألت نفسها : " لماذا إذن أرسل زهور القرنفل ؟ " واندفعت إلى حجرة الأب ، وهي تلملم جروحها ، نظر إليها وهو يغالب ضعفه : " مالك يا نوال .. وشك مخطوف ليه ؟" .  تأملت الباقة طويلا : " أصل كنت افتكرت الدنيا صفت لي ؟ "انزعجت الأم : " حصل حاجة يابنتي في الكلية ؟ " انخرطت البنت في البكاء دون أن تدري ، ولم ترد .

   جاء بقطر ، ومعه تصريح الخروج ، فلملمت الأم الملاءات ، والفوط ، وملابس زوجها ، وساعدتها البنتان ، أما نوال فقد شردت طويلا ، وفيما هم يستعدون للخروج ، سألتها الأم بعفوية ودونما قصد : " ناخد الورد معانا البيت ولا نسيبه  ؟" .

ردت نوال بصوت منكسر : " لا يا أمي .. مالوش لازمة .. وبعدين ده أكيد زمانه دبل " .

  في طريقهم للخروج ، وبينما هم في منتصف الممر الطويل الأخرس الغارق في صمته ، وجدته أمامها ، وفي لمح البصر شعر بأصابعها الرقيقة  تمسح دموع لاتكاد تـُــرى .

بهدوء سألته وبنبرة احتجاج عاصف : " أيه يادكتور ..مش حضرتك خدت أسبوع أجازة ؟"

    استوعب رنة الاحتجاج في صوتها : " أيوه، أصل أنا تعبت جدا وخدت دور برد  ، لكن والله خرجت مخصوص علشان اتطمن على الحالة " .

     مسحت كلماته حزنها ، سلم على عم احمد النشار ، وهز يده بقوة ، فشكره الرجل على سهره معه ، وصمم على أن يوصلهم جميعا إلي بوابة الخروج ، وفيما هم يشقون طريقهم ، لمست يده يدها صدفة ، ولم تدر إلا وهي تتركها له ليحتويها بشيء من العرفان ، أما الأم التي لمحت المنظربطرف عينها  فقد فهمت كل شيء ، ونطقت دون أ ن تدري : " ربنا يخليك يابني ، ويجبر بخاطرك " .

    قبل أن يرد الدعوة تذكرت نوال شيئا ، تلفتت حولها والفرح يغمرها : " أستني ياأمي ، الظاهر أننا نسينا الورد .. حرام نسيبه يدبل "..  ثم انطلقت كالسهم نحو الحجرة في آخر الردهة لتحضره !!

 

 

 

 

 

 

القاهرة 11 / 8 / 2004.

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007