[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نوف 
التاريخ:  القراءات:(1550) قراءة  التعليقات:(11) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن سيف الرحبي  
نوف ،هذه الفجر الذي يهب القلوب شرايينها ، وهج قمري يغسل مدينتنا بطهارته ،وبابتسامته التي لا يعادلها شيء ،نوف قصيدتي البكر التي احتفت معي بمرور مواكب القمر ،لكنها دثرتني بالرحيل المباغت ،حين اعتقدت أنني شربت كأس محبتها للمرة المليون ،ركبت الفضاء وغربت بعيدا .

في كل مرة ، بعدها ،حين أدخل الغرفة أشعر أنني أسمع إيقاع ضحكتها كما كنت حين أدلف هذا المنزل أو القصر متعبا ،أجر حزني الشفيف في أعماقي ،نوف لا تصدق أنني أستطيع الحزن وهي معي ،لأنها كائن مركب من كل الشفافية التي خلقها الله في الأرض ، وفي السماء ،أفتح الباب ، أحس بأنفاسها ترتاد المكان بحثا عني ، تنتظرني ، تلهب وجهي وعنقي وصدري بقبلات مجنونة ،أرفع رأسي بكلتي يدي ، أقول لها : أعشقك حتى الجنون ،تزيحني بخوف " لماذا تقول هذه الكلمات ،أحبك حتى الموت ،أعشقك حتى الجنون ،لا أحب هذه الكلمات ترتبط بالحب" .. أغوص بيدي داخل شعرها الليلكي الرائع ، أقف أمامها بصمت ، تنسحب من بين يدي : "هكذا قلت لي كل الذي أريده" .

أصنع قهوتي ،أجرب مرارتها ، تقول لي لا تشرب القهوة ،لأنها مرة ،لا أحب هذه الكلمة ، أسحبها من يدها المرمرية ،أقبلها فأحسد نفسي على هذا التورد الذي أستبيحه ،بين عتمتي انفراجة فستانها الأسود ،يطل ذلك الخيط الحميمي الفاصل بين نهديها الثائرين كنصلي خنجر ،أضع شفتي عليه ،أسمع ضحكتها ترسمني في وجه الشمس كائنا خرافيا،أتحسس نهديها النافرين،أسمع ألمها العذب ،تقفز كعصفور إلى صدري ،يمنحني الهبات التي قرأتها في كل كتب الأرض .

نوف ،هذه الشفافة العذبة ،حملت حقيبتها ،وفساتينها التي طالما رششت على انفراجاتها البوح الجميل ،أكاد أخرج من نفسي لأنادي نوف ،العمر الذي هرب من عمري ،القلب الذي انبثق كالنور من قلبي ،نوف ،هذه الفراشة الملونة التي هربت من الجنة ونامت على وسادتي .

هذه الليلة الأولى بدونها ، منذ أن اعتدت أن أغزلها كفضة خالصة تتكوم كل ليلة على فراشها المخملي ، كأن هذه الأنثى مغزولة بالمخمل ،جسدها طري وعبق بروائح تزداد توهجا كلما ازداد العاشق في لثمها ، أسبح كل ليلة في سمائها المزركشة بعطر المساءات التي لا تتكرر . " هل أعجبك هذا العطر ؟" أدس أنفي في عنقها ،لا أجيبها ، أستحيل نحلة ترتشف خمر الزهر ، لا اتعب ، أحس بالإغماء من هذه العسلية التي اختارتني ، لا أدري لماذا ؟ "قلت العطر وليس رقبتي " أجيبها : " علي بالأحلى ،تتمدد بجانبي ندية وطرية ،بربيعها الثامن عشر أقطفها ربيعا بعد آخر ، وردة وردة ،حبيبتي وطفلتي ودنياي ،حين تغمض عينيها لتنام، أجلس مفتتنا بهذه الأميرة التي هي أكبر من حلمي ، أشعر بالدنيا تهرب مني ، حين أفكر أن نوف ستغادرني ذات مساء قادم ، أقبلها ، تفتح عينيها الناعستين ،تطوقني بذراعيها فأحس منديلين من حرير يحملاني إلى غابة من اللوز ،ألتصق بها أكثر ، مرهقة هذه الأنثى التي هي أجمل من الجمال ،تعريشة حالمة نسيتها آلهة الحب ،أنام بجانب أميرتي ، وأدخل مدن ألف ليلة وليلة .

نوف ،عصفورتي التي غنتني في صباحات سعيدة ،هذا الصباح ،لم ألمحها تنثر شعرها المبلل على عنقها المرمري كما هي عادتها كل صباح حين تخرج ندية من الحمام ، ولن أساعدها على ربط أزرار فستانها واحدا واحدا ، أريدها أن لا تنتهي ،ولن أغازلها كما تعودت أنا ، وكما تتلذذ هي ، في الصباح أحس أن شفتيها صارتا أكثر رقة ،وأكثر توهجا ،أريد أن أمتصهما وأشاهدهما في نفس الوقت ،كي أشعر بعذوبة ما في فمي ،حين اقترب بشفتي منها تتحول عيناها إلى بياض دافئ لا تنتهي غيومه ،أقول لها ساعديني كي أوقف إعصار هذا الحب قبل أن ينفلت من عقاله ،تغضب من تعقيداتي،أنظر إلى عينيها الأجمل ،حين تحزن تزداد الوجنتان حمرة وألقا ، أغرقهما تقبيلا ، هذه الأميرة تقتات من قلبي ، تحرقني بهذه الروعة التي تمتلكها ،وأنا خائف وحزين ،تذهله هذه الخيول المطهمة ،تتعبه بصهيل ضحكتها ،وبشموخ جسدها ،وبعينيها اللتين تؤويان الروعة في أحسن لؤلؤتين ،سليلة الملوك ،نوف ،الوحيدة الباقية من سلالة الملكات اللاتي جمعن كل ما في الأرض من حسن ورقة ولذة وشفافية ، منحنه كله لنوف ،ونوف دفْ قلبي ،وكل الذي يقال والذي لا يقال .

تجلس نوف قبالتي تمعن النظر في سمائي الغائمة ،ينكسر صرحا زجاجيا في أعماقي ،أحاول إصلاحه ،لكن الزجاج تناثر في الدواخل الشفافة ،نوف،حبيبتي .. تنسل من بين أصابعي ،تبكي بدمع بلوري ناصع ،أشرب دمعها قطرة قطرة ،يختلط كحل العينين بخديها الأبيضين الطريين ،تكاد روحي أن تصعد نزقا حين ألامس خصرها ،أحتضنها بقوة خائفا من الآتي ،نوف،وردة عطر تسبح في دمي ، بل هي دمي كله ،تغسلني أمطارها ،عذرا يا نوف ، لا أستطيع أن أحتمل هذه الروعة التي هي أنت ، رائعة اكثر من الروعة ،كل المدينة مشغولة بالماسة التي خلقها لله أنثى لا تعادلها أنثى ، وأنا المكبل بحزني وخوفي ، شقي بنفسي ،أبحث عن اللاشيء ،تطاردني عقدي ،وأزمنتي ، ماض يزرعني في أمسه خريفا قاتما ،وحاضر هو أنت ، حلم طويل أخاف عليه من انكشاف اليقظة عن خيالاته ،وزمن قادم أكون فيه بدونك ، ارتدت نوف فستانها الأسود رمزا لحزني ،نوف فرحي ،ببياضها وروعتها ،داخل قالب من السواد ، المشهد ثائر ومجنون في ألقه ،تدلف خارج القصر ،تاركة لي قبرا واسعا برخامه ووروده ومجوهراته ،أتوهم أن سماعة الهاتف غير مغلقة فأتأكد منها ،وأن جرس الباب معطل فأخرج إلى الباب افتحه للقادم ،لكني أسمع صدى صهيل الضحكة يناديني في الداخل ، فأغمض عيني على نوف .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007