[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خـــزين الســـنين 
التاريخ:  القراءات:(5472) قراءة  التعليقات:(30) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

 

خـــزين الســـنين

 

بقلم : سمير الفيل

 

 

 

الست أم هاشم عضت زوجها . هكذا سرى الخبر في الحارة كلها ، فقد صحا الناس على هبد ورزع ، وصياح ، وفنجلوا أعينهم على المعلم أنوس الحلو سبع الحتة ، والقهوجي العترة يفر هاربا من بيته في غبش الصباح الخفيف ، وقبل أن تنشر الشمس أشعتها بقليل .

 حار الناس ، وتعجبوا من الأمر خاصة أن أم هاشم ليس لها لسان على أحد ، ولم تُعرف طيلة حياتها بالشراسة أو حدة الطبع ، بل أن الجميع يجلونها ، ويعتبرونها حلالة المشاكل ، وزوجها المعلم أنوس لا غبار عليه ، صحيح أنه بصباص ، ولا تمر أمرأة جميلة من أمام المقهى إلا ورفع المبسم العاجي لشيشته من بين شفتيه ، وصرخ كالذي أصابه مس : الله جميل يحب الجمال .

 وهي عبارة غير مؤثمة ، ولو جاءه أحد معترضا لدب إصبعه في عينيه ، فمن يجرؤ على أن يعترض على حكمة ربنا في نشر الجمال في الكون : في البساتين ، والبحار ، والسماء الزرقاء ، والنساء اللائي يجملن الكون بتغنجهن اللذيذ ، وهن يمررن أمام المقهى في شرخ النهار ، وقد حبكن الملاءة على القد المياس    ، أما البنات من المفاعيص فلا حاجة بهن لحبك أي شيء ، فالثوب محبوك لدرجة أنه يحدد تضاريس الجسم بوضوح كامل ، حتى  أنه سأل نفسه مرة ، وفي سره : أمعقول أن أم هاشم يوما كانت بنتا مثل هؤلاء؟

لكن هذا بالطبع لا يجيب عن سؤال انتصب في الأزقة والحواري الضيقة المتفرعة من الشارع الذي يطل عليه المقهى القريب من منزله : لماذا عضت أم هاشم زوجها ، وهما يعيشان منذ زمن على الحلوة والمرة ؟

 أم هاشم  أمرأة عاقر لم تنجب ، الجميع يشير أنه عيبها لأن زوجها يقف على شنبه الصقر ، فلا يهتز ، وهو فحل بشكله وكسمه ، وقد  ارتضت بهذا التفسير ، ورأت أن كل شيء بتاع ربنا .

 الغريب أنها عضته عضة قوية ، تركت أثرا لا يمحى بسهولة ، والرجال الذين أسرعوا للاستفسار رأوا أثر الأسنان واضحة جلية ، بل أمكنهم أن يتعرفوا على مكان الأنياب والقواطع ، فقد كانت عضة بقسوة شديدة ، وبمنتهى الغل،  فلا يمكن أن تذهب بسهولة .

سألوه عن السبب الذي يدفع أمرأة طيبة ، مقطوعة من شجرة أن تفعل هذه الفعلة الشنعاء ، فتمرغ كرامة المعلم في الوحل . وقد أمهلهم قليلا حتى يسترد أنفاسه اللاهثة ويخبرهم بكل شيء ، عندها سيعرف الجميع من هو الظالم والمفتري وابن الحرام .

 ولم يكد ينتهي من كلامه ، وهو واقف على بعد ذراعين من باب بيته الواطيء بسلماته التي انمحت معالمها من كثرة الدهس ، حتى لمح الجميع أم هاشم تطل من الشباك في الدور الأرضي ، وتصرخ فيه : وديني لأوريك .

 أراد أن يندفع إلى الداخل ليعلمها الأدب ، ولكنها طرقت ضلفتي الشباك وهي تغلقه بإحكام ، وصوتها يتسلل عبر الشيش ، مبحوحا منكسرا، باكيا بحسرة  : اللئيم الغشاش !

 قال لنفسه ، وهو يحكم وضع عمامته فوق رأسه : إقصر الشر في هذه الساعة الضيقة ، ولها  فيما بعد حساب عسير .

  وقد صحبه الجيران إلى المقهى الذي كان الصبيان قد فتحوا أبوابه ، وراحوا يكنسون بالداخل ، ويلمعون البلاط الملوكي عند العتب ، فيما يديرون مؤشر الراديو لسماع آي الذكر الحكيم .

 شخط المعلم في الصبية أن يهموا ، ويعملوا شاي للرجالة ، وقد كانوا ستة أو سبعة ، وكنت الوحيد الشاب المتعلم الذي استشعر أنه غريب ، ومدسوس على القعدة ، فقلت في نفسي: لا بأس من حتة مجدعة ، تلم الدور وتعيد له المهابة ، فهو يعرف أنني طالب حقوق ، وابن صديقه الأسطى عوض الكتة . والأصول أصول .

 صرخت كالمستجير من الرمضاء بالنار : نساء ناقصات عقل ودين . أنت الكبير يامعلم ، ياما نسوان زهقوا رجالتهم . وأنت مش أول ولا آخر واحد . نابليون نفسه لـّطموه ، وسقراط طلــّعوا عين أهله .

 عدل العمامة ، وحدجني بنظرة مستفسرة ، فهززت رأسي مؤمنا على الكلام ، وللإيماءة والإشارة لو تعلمون مفعول السحر ، إذ انتشى ، ورجع بكرسيه للوراء ، وحكى بإسهاب شديد ، فعرفنا رأسنا من أرجلنا ، وهاكم  السر الدفين .

منذ أسبوع أو أكثر إنشغل المعلم أنوس الحلو  في المقهى ، لا يكاد يجد وقتا ليهرش رأسه ، والبركة في الحكومة التي تفتق ذهنها عن لعبة الانتخابات ، فمرة انتخابات مجلس الشورى ، وثانية  انتخابات المجالس المحلية ، وثالثة  لانتخابات مجلس الشعب ، وهي الأهم ، موسم كله خير ، لا يكاد يمر يوم إلا ويغمزه واحد من صبية الإنتخابات بمائتي جنيه أو أكثر ، كل برغوث على قد دمه ، فيعلق صورة المرشح في صدر المجلس ، وعندما يشرف سعادته يكون الاستقبال  بالأحضان ،  ولابد أن يعد له مقعدا فخما من القطيفة بمساند ذهب ، ثم يصفق طالبا الحاجة الساقعة  للمقهى كله على حسابه الشخصي ، لأن سيادة النائب عزيز ، وابن أمراء ، وبناء عليه يقف المقهى على رجل ، وتوزع المشاريب مجانا ، حتى للواقفين في الخارج من الفضوليين.

 إذا كان المرشح سياسيا محنكا ، فيمكنه أن يفقع بقين كلام ، بالصلاة على النبي ، يحشر في جمله كلمات مجعلصة عن الديمقراطية ، والعدل الاجتماعي ، والتحرر الوطني ، أما إذا كان عيي اللسان فعليه أن يسلم على كل واحد بحرارة ، ولو كان يعرف من يسلم عليه ، فعز الطلب ، حيث  يمكنه أن يقبله ، ويهمس في أذنه : أوعى تنسانا . فيرد الزبون : عنيا لك .

 لكن هذا ليس المهم في موضوعنا ، المهم هو أنه في غمرة إنشغال المعلم أنوس في حكاية الانتخابات  ، نسى أن يمول البيت ـ كما اعتاد دائما ـ بالجبن والزتون ، والحلاوة الطحينية ، والخبز الفينو الذي لا يحبه ، والخبز البلدي هو الوحيد الذي كان يصر على ارساله يوميا لأنه مدعم من الدولة .

 نكاية في زوجها الذي أصبح مشغولا عنها ، ولا  يعود كل يوم إلا  وش الفجر أقسمت أنها ستترك البيت فاضي ليعرف المعلم أنه مقصر ، ولا شيء يستوجب ذلك ، فالناجح في الانتخابات لن يمد يده في جيبه وينفحه ألف جنيه مثلا . والمعلم أنوس الحلو يخفي عنها أنه موسم رزق ، يدر عليه مالا وفيرا ، فالمكسب يضعه أولا بأول في سوستة الحزام الجلدي الذي لا يفارق بطنه ، وكلما تجمد مبلغ محترم  خطف رجله إلى البنك ، ووضعه في حسابه ، ولا من شاف ولا من درى .

 عاد المعلم وش الفجر جائعا ، وفتح الثلاجة فلم يجد شيئا من الغموس ، لا جبنة ، ولا مربى ، ولا فول ، ولا بيض .  فقط حبتين من الطماطم ، وبعض ثمار الفلفل ، وقرن شطة وحيد ، فأسقط في يده . كان  هناك صف من الخبز البلدي الأسود الذي يفضله ، ففيه ردة تمتص الدهون من معدته ، فلا يتعب ليلا ، لكن ماذا يفعل والسوق كله أغلق أبوابه منذ أكثر من ساعتين ؟

 تفتق ذهنه على أن يبحث في حجرة الخزين أسفل السرير الخالي الذي كان قد اشتراه مع الجهاز انتظاراً  لولي العهد الذي لم يأت مطلقا .

  بالتأكيد أم هاشم ، وهي الست الموصوفة با لشطارة ورجاحة العقل عملت حسابها لهذا اليوم ، وملحت زيتونا أو خيارا أو لفتا . يمكنه أن يتحامل على نفسه ، ويبلـّـع  الأرغفة ببعض الزيتون أخضر كان أم اسود .

زحف على ركبتيه ، وفتش بعينيه ،  فلم يجد أي شيء ، لكنه تذكر أنه قد رأى منذ سنوات بعيدة بعض الزلعات ، ولا شك أنها أدخرتها لوقت مثل هذا .

 زحف أكثر ، واصطدمت رأسه بالحافة البعيدة ، وانخلعت العمامة ، فلم يأبه ، فقد كانت عصافير بطنه تزقزق .

كان النور كابيا ، والضوء الشحيح لا يجعله يرى أي  شيء .  حرك يده لآخر ما تبلغه من مدى ، فاصطدمت أصابعه بجسم صلب .

      تأكد أنها قد فــُـرجت ، وزحف أكثر ، سحب الزلعة ، وأخرجها للنور ، وتشمم قبل أن يفتح رائحة الخزين ، فلم تكن هناك غير رائحة القدم لا أكثر .

 أسند الزلعة الفخار بشكلها الحلزوني ، واستدارة الحافة على طرف السرير ، وحاول فتحها ، فكانت شديدة الإحكام . إستغرب للأمر  ، وراحت أصابعه المدربة تزيح حواية من قش قديم متهالك ، وضعتها زوجته على الفوهة . بصعوبة انفتحت ، مد يده ، وأذهلته المفاجأة .

 نقود مكدسة من كل فئة :  خمسينات ، عشرينات ، عشرات ، وكل فئة محزمة ، ومرصوصة بعناية .

 عاد مرة أخرى زاحفا ، وأخرج الزلعة الثانية ، كانت مكدسة بأوراق مالية من فئه أقل ، لكنها ، أي القطع المالية تصل  حتى النهاية .

 مع الزلعة الثالثة والأخيرة كاد قلبه أن يقف ، كانت العمله هذه المرة من فئة المائة جنيه القديمة ذات المئذنة الحمراء ، وهي نقود انتهى عهدها؛ فقد رأت الحكومة الرشيدة منذ سنوات بعيدة أن تجمع هذه الفئة ، ومنحت الناس مهلة لا تتجاوز الشهرين للاستبدال ، بعدها لم يعد للنقود القديمة أي قيمة شرائية .

 أسقط في يده ، وانفطر قلبه من الحزن . لو أنها أخبرته ، لاستطاع أن ينقذ هذه الثروة ، التي شقى العمر كله  من أجلها ، وهو يجمعها قرشا على قرش ، و شلنا على شلن  .

 إنها ست بيت لا تعمل ، فكيف حولت الزلع إلى خزائن محكمة الغلق ، وكيف فات الشيطان  طيلة هذه السنوات أن يوسوس في عقله ، ويحذره من لعبة الست ؟

 وجم أنوس من هول المفاجأة ، ولكنه تماسك ، وقال إن الضرب في الميت حرام ، كل ما سيفعله أن يصادر تلك الثروة المفاجئة بدون حس ولا خبر .

  سكب مافي الزلعتين الأخرتين ، وراح يحصي ماله الذي عاد إليه بضربة حظ ، والجوع يفتك به . ومن أجل أن يركز ذهنه ، راح المطبخ وأعد فنجانا من القهوة التركي المعتبر ، ومدد ساقه اليمنى على السرير فيما دلدل اليسرى ،  وراح يحصي أمواله المستعادة : بقلم وورقة راح يحسب ، ويضرب ويجمع ، والمرأة في الحجرة الأخرى تتقلب ، ربما أزعجها النور المضاء في الصالة ، فقامت كي تغلقه .

 خطت خطوتين ، و هي بقميص النوم الستان الأحمر ذي الفتحة المستديرة لنصف ظهرها ، تثاءبت ، وفي لمح البصر وقعت عينها عليه . اندفعت نحوه : سيب فلوسي .

أبعدها بحدة : بقى كده يا أم هاشم ؟

 صرخت في الليل الآفل ، وفي وجهه المكدر : حقي ونصيبي . أنا باطبخ لك وأغسل لك ، وأكوي لك هدومك . مش كتير على ّ !

 سدد نحوها نظرة صقر ، وشاربه يهتز من الغضب : ده لو أخدتيه يكون مال حرام .

 حاولت أن تستعطفه : نفسي ياأنوس أروح الحجاز ، وأزور النبي .

 سخر منها وهو يعاود إبعادها : ولا مليم هتطوليه .

 تراجعت خطوة ، وضعت يديها في وسطها : سيب الفلوس أحسن لك . مش هتشوف طيب .

كان غبش الفجر قد لاح من النافذة المغلقة : لو ناصحة مدي إيدك وأنا هاقطعها لك .

كشرت عن أنيابها ، كانت تعرف أنها معركتها الأخيرة : باقول لك أيه . أنت عايز الفلوس تعمل بها أيه ؟

 رمقها بغضب ارتجف له بدنه : كل يوم فلقتيني ، المصروف مش مكفي . بحبح أيدك شوية . آدي أخرتها .

 حننت صوتها : أحنا الاتنين واحد يامعلم .

 رد كأنه يصوب نحوها طلقة : أحنا اتنين . سارق ومسروق.

 نظر نحو الجرة الثالثة المكدسة بالمئات المعطوبة : عارفة أنت محوشة هنا أيه ؟ شوية ورق يا جاهلة .

 بنفس مكروش : ولا مليم هتطوليه .

 شحب وجهها حتى أنها أحست بالاختناق : تقصد أيه؟

 هز منكبيه ، وصفار الموت يلمحه في وجهها : المئات دي بطلت . زي  ما أنت بطلت يا جاهلة .

 زغدته في كتفيه : كان نفسي أروح الحجاز . وأزور الروضة الشريفة .

 واصل تهكمه المرير : بفلوس مش شريفة ؟

 حدجته بظرة عدائية : طول عمرك بخيل وأيدك ماسكة .

 رد عليها في حنق ، ولوعة مقطرة : وأنت طول عمرك مسرفة وإيدك سايبة .

 لم تمهله هذه المرة : كفاية إني مستحملة عيشتك ، وأنت عرف عيبك .

 انتفض واقفا ، وهم بصفعها :  كله إلا الغلط . كانت الفرصة التي عاشت تحلم بها سنينا ، بكل الغل انشبت أسنانها في ذراعه الممدودة ، وعضت بكل قسوة الحرمان ، وضياع الحلم في الإنجاب ، ببؤس البيت القابع في البدروم ، وكلما تذكرت بخله عضت أكثر ، وهو يحاول أن يخلص يده بلا جدوى ، فقد كانت كالنمرة الهائجة . صرخ ، و صرخ ، ثم فرّ هاربا منها .

 في المقهى لم يحك المعلم أنوس الحلو كل ذلك ، لكنه حوم حول الموضوع ، إقترب ، وابتعد ، لكنـّـا استطعنا أن نعرف التفصيلات كلها  من النسوة اللائي كن حمامات سلام بين الزوج المغدور ، والمرأة المتألمة  .

 يبدو أن المساعي فشلت ، فقد حملت الست أم هاشم بقجة ملابسها ، وعادت لبيت أهلها مطلقة بالثلاث ، ولم تتمكن من زيارة النبي ولا أن تتملى عيناها بالروضة الشريفة.

 وقد ذهب المعلم أنوس إلى " ميت الشيوخ " ، وأحضر فتاة في الخامسة عشر من عمرها ، تزوجها على سنة الله ورسوله . حج معها بيت الله الحرام ، ولم تنجب الفتاة أبدا ،  لكنه اشترى البيت كله ، وأخلاه من السكان بعد أن راضاهم ببعض رزم النقود التي كانت  بجوف الزلعات .

 صعد بها إلى الدور العلوي بعيدا عن النمل والخنافس والرطوبة ، وذكرياته المريرة .

 بعد سنتين ماتت أم هاشم بحسرتها ، وكان ذراع المعلم مازال يؤلمه كلما تذكر ذلك اليوم البعيد .

 

 

 

 

9/ 9/ 2004 .

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007