[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عم جمعة 
التاريخ:الخميس 9 اغسطس 2007  القراءات:(5458) قراءة  التعليقات:(21) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

عم جمعة

بقلم : سمير الفيل

وجدت عم جمعة يجلس كعادته أمام باب الجامع من الناحية المواجهة للسوق ، حيث المحلات قد بدأت فتح أبوابها مبكرا ، بينما البيوت تغط فى نوم عميق ،بعد أن أمتص الليل جهد الرجال .

عرفت كل ذلك مبكرا فى السوق ، فتحت عينى على الخفى والمبهم ،ورأيت أن أمارس فعل الستر لأن الله قد أمر به ، ولأن هناك أسرارا لابد أن تبقى فى الكتمان ، ، ففضح العبد مكروه .

بغض النظر عن أن الحاج خليل البطاحى ،كانت له شلة بين النسوان ، يأتين إليه فرادى ،لإراحة أقدامهن من المشى لساعات طويلة فى السوق جيئة وذهابا ،وحتى لو لم أر بعين رأسى أكثرهن يتلاعبن بعقل ذلك الرجل الذى يشكم زوجته الصالحة ، ويشخط فيها عمال على بطال ، ويؤنبها لأنها لم تأت له سوى بولد واحد أخرج عينيه من محجريهما ، وكومة البنات اللائى لاينفع معهن وقوف المحل ، فقد كنت أميل إلى السكوت عما كشفته لى الأيام من علاقات مريبة ،وتصرفات عجيبة .

عم جمعة ينصب عدة الشغل أمام الجامع ، وترمى عينيه نظرة أفهم معناها تماما ، فعلى أن أساعده فى فرش الملاءة على الأرض ، وتثبيتها من الحواف بعدة قوالب من الطوب ، وأترك له مهمة توسيط السندان ، أمام الرصيف بخطوتين لاغير ، هو الإسكافى الوحيد المعتمد فى هذه الناحية ، وابنته فوزية لن تأتى بطعام الغذاء فى العمود قبل العصر بقليل .

لم يكن الإسكافى الذى يصلح للناس أحذيتهم القديمة فقط ، بل هو أكثر من هذا . إنه منقذهم الأبدى من المذلة وكسر النفس ، فقد تذهب إلى عملك بقميص قديم أو بنطلون انتهى عمره الافتراضى ، لكن من المحال أن تذهب ، والحذاء الذى تنتعله فاتح فكيه ، ليرى الناس أصابعك وقد برزت من الجورب الذى لابد أن يكون مثقوبا هو الآخر .

وعلى هذا فقد كان عم جمعة سترا وغطاء لسكان السوق ،والأحياء القريبة من الجامع ، وهو علاوة على ذلك إنسان طيب ، بغض النظر عن كونه يطلب لى معه واحد شاى صباح كل جمعة، ويحاسب عليه ممتنا .

فى الوسعاية ، يركن ظهره فى جلوسه القرفصاء إلى الحائط ،حتى يأتى أول زبون ،ثم يفعل الأعاجيب كى يحفظ " الجوز " من التبدد والاندثار ، وإلى جواره كيس من القماش القديم يحوى قطعا مختلفة المقاسات من الجلد الذى تقوم عليه دعائم صنعته .

جاءت امرأة من الريف ، مدت يدها بالفردة اليمين ، لمت الملاءة على جسدها ، وانخرطت فى البكاء. لم يكن الشغل قد حمى وطيسه بعد ، إذ علا صوته ينادينى، خشيت أن يأتى الحاج فيجد المحل خاليا من الصبيان ، فيطردنى ،أشرت له من بعيد أن لا أحد هنا .

رأيت المرأة تجلس على مبعدة عنه ، معطية إياه ظهرها ، لكننى كنت ألمح اهتزاز جسدها من النشيج الذى يصل إلى، وأميزه فى هدوء السابعة صباحا .

جاءنى ، وسأل:" هل بعت شيئا ؟ " أفهمته أننى على فيض الكريم ؛ فزبائن الجمعة لا يتكاثرون إلا فى فترة عصيبة قبل صلاة الجمعة بساعة أو اثنين ثم يختفون كما جاءوا فجاة ، لنقضى اليوم كله نهش الذباب والهواء الراكد ، فأهل المدينة لايشترون الجمعة أبدا حتى لو قطعت رقابهم على النقيض منهم أهل الريف الذين يتكاثرون هذا اليوم. هز رأسه ، وأنا أدير هذه الأفكار فى رأسى .

بنصف ابتسامة منكسرة : " سأقف مكانك . لا يوجد معي غير جنيه واحد ، حاول أن تفكه من المقهى ، وبسرعة " .

لم أعقب، ونفذت ما طلبه منى ، عدت ، فأخذ الفكة ، ولف الحذاء بعد أن أصلحه فى كيس ورقى ، ومد يده للمرأة التى كانت قد كفت عن البكاء . رفضت أن تأخذ شيئا بالمرة ، لكنه اقسم أن تقاسمه ما معه ، وما تبقى يكفى ؛ فسوف يفطر ، ويشترى سجائره ، ويحاسب على الشاى . " ربنا الرزاق ".

لم أشاهد وجهها فقد كان مختفيا وراء " البيشة "، فقط شعرت من طريقة مشيها أنها قد صارت أخف ، وألطف .

حين جاء المعلم ، أرسلنى فى طلب فنجان القهوة ، عرجت فى طريقى إليه ، استفهم منه عما دفعه لذلك، هز رأسه ، وهو يقدم لى نصف ساندويتش الفول :" ربك يرزق الطير فى الحجر ، فما بالك بالأدمى يا ولد يافلفل " .

جاء صبي بطاسة بخور نحاسية ، دخل المحل بدون إحم ولا دستور ، أطلق البخور فى المحل. وقعت عين الحاج عليه، انتفض فى غضب ، وصرخ فيه :" إبعد يا زفت ".

بعد ربع ساعة لاغير دخل المقرىء ،وعدل القفطان ، استوى على المقعد واهتز جسده الملظلظ قبل أن يقرأ ما تيسر من سور القرآن الكريم ، وحين انتهى ، حملق فيه الحاج، وزغرله بعينين فيهما أثر الحشيش :" غدا ندفع . لم نستفتح بعد بأبيض ولا بأسود " .

أطلت عينى على الساحة. كانت الدائرة توشك على الاكتمال ،ورأس العم الطيب لاتكاد تظهر .

قلت للحاج ، وعقلى يلق فى رأسى كالبيضة الفاسدة :" سأذهب للمخزن كي أحضر البضاعة الناقصة " . هز دماغه موافقا . لم يعترض ؛ سلمنى المفاتيح .

بعد شارعين جانبيين قابلت فوزية ، سألتها : " إلى اين ؟".

كانت تعرفنى ، صمتت لبرهة :" أريد نقودا من أبي لأشتري للبيت فولا وطعمية ".

كانت تمسك طبقا، وتنظر نحو المآذن العالية فى رهبة ، سألتها :" انتظريني هنا سأذهب معك " .هزت رأسها موافقة ،ونظرت نحوى بابتسامة صغيرة كالشمس أول طلوعها .

أبقيتها أسفل البيت الذى يوجد المخزن فى طابقه الأول ، أحضرت البضاعة الناقصة ، وجدتها فى انتظارى، سألتها ::" كم الساعة ؟ " ضحكت فى براءة :" لا ساعة معي ."

قلت لها، وأنا أتمعن فى طابع ست الحسن على ذقنها :" ما رأيك ان نحوش من نقودنا ونشتري ساعة . يوم تلبسينها في يدك.. ويوم ألبسها أنا ؟ "

سرت للفكرة ، حتى أنها وضعت يدها فى يدى اليمنى الخالية . شعرت بالسعادة ، ورأيت البؤبؤ يلمع فى حبور. فط قلبى ، وقفز من بين الضلوع ، فقد كانت فوزية حلوة التقاطيع ، ولها عينان سوداويتان فى غاية الرقة .

كادت علب الأحذية تقع. بدون أن تنطق بكلمة واحدة مالت على ، حملت نصفها، واتجهنا إلى المحل ، كنت أسبقها بخطوات قليلة . رآنا الحاج ، تركها حتى وضعت العلب الكرتون على المقعد المجاور للفترينة الزجاجية . بعد أن انصرفت سألني وهو يلومني : " أين كنت ياولد؟ " . رددت على الفور: " فى المخزن " .قال بنبرة سخرية : " بمفردك ؟" هززت رأسى : " نعم " .

أجلسنى أمامه ، وحدق فى عينى :" ولد . إياك أن تغرر بي . أفهم حركات الصبيان الأشقياء مثلك ".

تركت المحل غاضبا ، ذهبت إلى عم جمعة ، جلست على الرصيف أتأمل الأحذية المهترئة التى تخيلتها وقد أصبحت بكثرة تكاد تسد عين الشمس، رأيتها تتحرك فى الفضاء لتتجه نحو المعلم . وددت أن أعمل مع عم جمعة ، وكنت أعرف أن أمى سترفض لا محالة، ولقد حزنت لذلك كثيرا .

* من مجموعة تحت النشر بعنوان" صندل أحمر " .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007